الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

صيحة الديك

Share

" رغب الاستاذ عبد القدوس الانصاري في ان يضفي لونا جديدا باخراج هذا العدد للقصة ، وللقصة وحدها ورغبت ان اسهم في كتابة قصة وجيزة عن مبادئ حياتي العملية فرجعت بالذاكرة الى ما قبل ثلاثين عاما ، وها انا اسجلها هنا وان كنت لست من رجال هذا الفن "

حينما كنت موظفا صغيرا فى سلك الشرطة فى احدى بلدان المملكة الواقعه على الساحل الشمالى من البحر الاحمر فى السنة الاخيرة من عهد الحكومة السابقة كلفت بمهمة رسمية على جانب كبير من الخطورة يتوقف عليها انقاذ حياة آلاف مؤلفة من الجنود المحاربين والاهلين من سكان تلك البلدة من شبح الجوع الذي كان يهددهم وكاد يفتك بنا وبهم . وفد استقر الرأى اذ ذاك ان اكون وسيطا لدى احد امراء المنطقة المجاورة لنا والتي تتمتع بوفير العيش والرخاء

والأمن والاطمئنان . . وقديما تشقى البلاد وتسعد . وكذلك الناس فمنهم شقى وسعيد . .

ففي ليلة من ليالي الشتاء القارس وتحت وابل من الامطار الخزيرة ، وفى زمجرة من العواصف الهوج ، وفي الهزيع الاول من تلك الليلة ، وتحت ستار الظلام سارت بنا " السفينة الشراعية " نمخر غباب البحر الخضم المتلاطم الامواج . تتمايل ذات اليمين وذات الشمال . بين الامواج المتلاطمه لا يعرف عنا احد ، ولا ندرى نحن إلى اين المصير ؟ . . سرنا متنكرين ..

واجفين ، وقبيل الفجر الاول ، وفى الوقت الذى لم يهدأ فيه الجو من بكاء السماء وغليان البحر ، في تلك اللحظة الرهيبة التى كان الوجوم والسكون يخيمان علينا فيها ، وقد كادت اطرافنا تتجمد من شدة البرد إذا ببعض ( الديكة ) التى معنا فى السفينة تضج بصياحها وهيجانها ، وقد كان نتيجة هذا الصياح وذاك الهيجان دلالة العدو علينا ، واعلانه بمحل وجودنا ، وفجأة برزت أمامنا ثلاث سفن مقاتلة . . عندها همست في اذن احد الرجال ، وقلت له : اكتم انفاس هذه الديكة الخبيثة . . !

وقلت فى نفسى : يالهول الواقعة اننا على غير استعداد ، وفي منطقة مكشوفة والكثرة تغلب الشجاعة . . الى اين المفر . . لابد ان يأتي من لطف الله ما لم يكن فى الحسبان ، وقد تداركنا المولى بعظيم فضله ونجانا من العدو باعجوبة ، لقد قلت لربان سفينتنا ولمن معي : اصمتوا جميعا ! ودعوني انا وحدى اتكلم مع القوم . . وحاذتنا احدى سفنهم وصاح قائدها : من انتم ؟ . . فالهمنى الله ان اقول له : ( اصدقاء ) اننا اهالى ( طور سيناء ) ونقصد القصير ( بلدة على الشاطئ الغربي للبحر الاحمر ) فقال : القصير

وراءكم ! قلت له : طوحت بنا هذه السفينة الى هنا بسبب ما ترى من هيجان البحر . . فالى اين نسير ؟ فقال : اجعلوا بنات نعش على يمينكم وفي النهار اجعلوا الشمس وراءكم وسيروا على بركة الله ! وسرنا على بركة الله ولكن في الطريق الذى رسمناه لانفسنا لا الذى رسمه لنا قائد السفينة الحربية المباغتة . . ولولا ان تداركنا الله بلطفه لحدثت الطامة بيننا وبين الغزاة المهاجمين المحتشدين فى احدى المراسى القريبة منا ، وهناك تركنا السفينة واستبدلنا بها سفن البر . وسرنا فى طريق وعر بين الصحارى والرمال حتى وصلنا البلدة التى نقصدها فى سلام ودخلناها بليل لا يعلم عنا احد ، وبعد قضاء يوم وليلة بها عدن ادراجنا موفقين فى مهمتنا كل التوفيق وقد وصلنا إلى قواعدنا سالمين غانمين . .

وقد مثلت هذه القصة بعض مواقف رجال الامن العام وهى مواقف يتعذر السير فيها والخلاص منها الا لمن كان واثقا بربه ثم بنفسه مطمئنا الى قوة قلبه ، مستعملا ذكاءه لاسيما فى المخاطر ومتحصنا بالصبر على المكاره عند مواجهة الحوادث بشجاعة واقدام وعند الشدائد تعرف الرجال . .

اشترك في نشرتنا البريدية