وانظر الى هذه الأبيات من قصيدة غزلية المال فيها -على خلاف عادته - حتى بلغت ابياتها ثلاثة وثلاثين بيتا إذ يقول فى أولها :
حمامة هذي الدار ، ذكرتني سلمي سلمت ، فان الذكر قد كان لي سلما
الى ان يقول :
هواها الذي اغرى الهوان به وما تذكرها الاوذاب بها هيما
ولولا قديم العهد ، ما كنت ثاويا على حفظ عهد . . بين عهد طغى ظلما !
عهدت زماني كان بالعهد وإفيا ولما وفيت العهد . . لم الاسى لما .
الا ايهذا الدهر - والنقض سئ - اسأت وهل فى النقض نلت المنى ، أم ما
وانى - وايم الله - والدهر خائن لأمن من رام الوفاء ، ومن أما
وانت تجد في وسط هذه القصيدة ، وفي اخرها ، لونا من الحوار المكرر الطريف يجرى بين الشاعر وبين سلماه.. على نمط ما تقرأ فى شعر " عمر بن ابي ربيعة " لو لا ان القياس هنا سواء فى الروح او الاسلوب - انما هو قياس مع الفارق الكبير !
وللا شرم قصيدة غزلية اخرى يقول فيها :
فى آي طه معان ، هن معناها حوراء ، ترمي فؤاد الصب عيناها !
ما كنت احسب ان الورد يغرس في روض من "الثلج" حتى بان خداها !
ما الدر والماس والياقوت تذكرها الا بمبسمها المعسول نلقاها !
كانما خصر ها الميزان ، اذ خطرت وكفناء كما ينبيك - رداها
بجر بالتيه اذيالا ، ومذ سفرت تقنع الليل ، فى اضوا محياها
باتت ندير علينا كاس صافية حمراء ، بالريق مزجا.. قد شربناها
كانما الكاس اذ لاحت على يدها طلوع شمس . . عمود الصبح حاذاها
وناولتني صرفا - وهي باسمة وقالت : اشرب! فما احلى ، واحلاها !
تشابه الكاس والصهبا ومبسمها وشابه الحبب . الاسنى ، ثناياها
والقلب قد حار ان يختار أيهما وكان اشتهى من الأثنين لى ، فاها
كانت لاشك ستجد فى هذه الابيات ؛ وهي من قصيدة تبلغ اربعة عشر بيتا ، ما يدلك على مثال من صدق عاطفة الأشرم ، وولهه بالجمال . . ثم على براعته فى التصوير الشعرى؛ تصويرا إن لم يخرج عن طريقة ذلك العصر ، إلا انه تميز عنها واستطاع به ان يرتفع -الى حد ما- عن ذلك المجال الضيق ؛ حيث كان معاصروه من الشعراء الحجازين ، لا يكادون ينظمون فى غير التشاطير والتخاميس والتطاريز ، وفي اطار محدود من الألفاظ الشائعة والكلمات المكرورة ، الى جانب خيال مكدود ؛ ومعان ليس فيها اي جدة ؛ او اى حيوية او اى ابتكار
وانت لاشك ؛ ستجد ايضا فى هذه الابيات نموذجا مما كان معهودا فى ذلك العصر ، وغير ذلك العصر ، من الميل الى الوصف الحسى . . وحقا إن كثيرا من الوصف الحسى ، ممالا يستسيغه الذوق الرفيع . . ولكنا حريون بان نأتى بكل ما يدل على شعر الشاعر من ملامح وسمات ، مادامت مهمتنا ان نؤرخ لهذا الشاعر تاريخا صادقا ، او بعبارة اخرى ، تاريخا اقرب الى الصدق بقدر الامكان منه الى أي شئ آخر . . !
ولعل شاعرنا الأشرم ، قد اغرق فى الخيال ، فراح يتصور- كما هى عادة معظم من عرفنا من شعراء الخمريات - راح الأشرم يتصور " كاس صافية حمراء " كما ترى فى البيت السادس ، ثم يوالى هذه الاشارة الى الكاس فى البيت الذى بعده ، ثم يتلفت - وكانما احس ان مثل هذا التصنيع الشعرى . . او مثل هذه
اللا واقعية فى الشعر ، لابد أن تبدو... فراح ايضا ، يؤكد ، ويؤكد في بيتين آخرين.. ما أميل كل الميل الى عدم قبوله الاعلى اساس انه شعر تقليدي رأى الشاعر ان يساير فيه نزعة الزمن ، وان يبدو فى شعره متظزفا.. فيضيف إلى ما بدا فى هذا الشعر من صدق العاطفة . . شيئا من كذب الخيال.. ! ولعل من التظرف ان يقول الأشرم فى شخص قيل ان اسمه صالح :
رنا ، فسألته عن سهم لحظ ايصلح للقتال ؟ فقال : صالح
وقال : به اميت الصب عمدا فقلت : وكيف ذاك ، وانت صالح ؟ !
ومن هذا القبيل قوله:-
وذات تدلل ، طافت مساء وقد كشف الهوا عنها رداء
فقلت -وقد ابان الساق منها- جزى الله الهوا عنا جزاء
وللاشرم شعر قليل جدا ، قاله فى بعض المناسبات ، من ذلك ما نظمه اجابة لطلب من استاذه الشاعر الحجازى المشهور الشيخ عبد الجليل برادة ، فقد كان الشاعر واستاذه فى محل اسمه "دشم" فى المدينة المنورة ، وكان يقرأ لاستاذه فى كتاب "الريحانة" لابن خفاجة ، فمرت بهما فتاة من فتيات البادية ، وجلست بالقرب منهما مصغية للقراءة . فما كان من الشاعر الا ان يجيب للطلب ويرتجل هذه الآبيات :
الى "دشم" لما اتينا عشية وما " دشم " الارياض من الانس
كان ثراها؛ والزروع؛ مراهق على خده ، شعر ، سلبم من اللمس
شربنا على كاس الهناء مدامة وكان لها الساقي ، نديم بلاحس
ومرت بنا هيفاء تحت قناعها كصهباء تجلوها العيون من الكاس
واصغت لما تروى عن "ابن خفاجة" وما انتخبت الا الجلوس على الدهس
ومهما يكن من القول فى هذه الابيات ، وما قد تراه فيها من التكلف الظاهر ، كثر ما تراه فى شعر المناسبات ، او الشعر الذي يقال اجابة للطلب . . فانها
لم تخل من روح الأشرم -على كل حال- وهي روح ميالة الى الظرف -كما رأينا- وليس غريبا ان توجد في الاشرم هذه الروح.. اليس الظرف هو السمة الغالبة قديما وحديثا فى معظم ما اثر من شعر الحجازيين!
على أن فى البيت الرابع من هذه المقطوعة من دقة التشبيه وجمالة ما لا يخفى.. انظر اليه كيف يصف تلك الفتاة وهي تبدو من وراء قناعها مشبها إياها نما ذا ؟.. صهباء ترنو اليها من خلال زجاج الكأس - اعين الناظررين !
وقد نظم الأثرم ابياتا ، يذكر فيها أيامه فى المدينة المنورة ، وهى ابيات تدل على عمق الوفاء ، ورقة الشعور ، وعلى انه خلق الوفا.. كما قال المتني :-
خلقت الوفا ، لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي مؤجع القلب باكيا !
وهذا ما يقوله الأشرم:
رعى الله اياما تقضت بطيبة وسارت قصارا ، والفؤاد بها مغرى
بأنس واسعاد ووصل ونزهة وطيب ليال ، ما عرفت لها قدرا
ليالي وصال ، لو تباع . . شريتها وابذلت -مهما رام بائعها- مهر!
ولك ان تتجاوز -هنا- عن قول الشاعر "ابذلت" بدلا من " بذلت " فقد تكون ضرورة الوزن هى المسئولة عن هذا الخطأ. وان كنت الاحظ فى اكثر ما قرأته من شعر الاشرم انه قليل الاحتفال فى وشعره ، بقواعد النحو والتصريف . .
وقد كان التشطير والتخميس والتطريز -كما علمنا- طابع العصر الموروث . وإذن فلابد للاشرم ان يشارك فى هذا الميدان ايضا ، متأثرا بعقلية تلك البيئة مادام تأثره هذا ، يفرضه قانون الحياة فى كل زمان ومكان . .
فان اردت امثلة من تشطير الاشرم وتخميسه - بعد ان رايت منا . من تطريزه فى الابيات التى اوردناها من قصيدته : على جيد هذا الظبى . . - ان اردت هذه الأمثلة للدلالة على اسلوب الشاعر فى هذا النوع من الشعر الصناعى الصرف ، فانى اورد لك مثالا من تشطيره ، ومثالا آخر من تخميسه ، فاما الاول فهو: " سألتها عن فؤادى اين مسكنه" وقد سبته بما ابدى محياها
ولست ادرى محلا ، انزلته به "لانه ضل عنى ، عند مسراها "
" قالت : لدى قلوب جمة جمعت" وليس يعلم عندي ، اين مثواها .
منها السعيد ، ومنها ما اعذبه "فايها انت تعني ؟ قلت : اشقاها !
وأما المثال الثاني ؛ وقد لا تجد فيه اختلافا عن المثال الاول ، إلا من ناحيته الشكلية ، فهو هذا التخميس :
ما احتيالى ولم اجد فى زماني من معان ، اجاد بالامعان (١)
يا طبيبا بطبه قد أتانى "مرضى من مريضة الأجفان"
" وشفائى فى وصلها والتدانى "
ذاب قلبي من بعدها ونواها ليت شعري - ومهجتى ماواها -
هل اراها ؟ -وليس دأتي سواها "ياخليلي ولائمى فى هواها "
" عللانى فى حبها عللانى ! "
وبعد فاني ارجو ان اكون بهذا البحث الوجيز ، قد استطعت ان ارسم للقارئ الاديب صورة عن الشاعر الاشرم ، ان لم تكن شاملة كل الشمول - بسبب قلة ما وصل الينا من شعره وسيرة حياته فحسبها الآن انها تلقى شيئا من الضوء . عن شاعر حجازى ، كان من اشهر شعراء الحجاز فى عهد من عهوده القريبة ، وقد كان هذا الشاعر مطبوعا على الشعر ، ثم هو يمثل عصره اصدق تمثيل . . فاذا عرفا -الى جانب ذلك- انه مات فى شرخ شبابه ؛ حيث لم يجاوز "٣٢" عاما اذ توفى عام ١٣١١ ه دركنا الى اى حد - لو كتب له ان يعيش طويلا ويزداد نضجا ؛ -الى اى حد من تفتح الشاعرية والتميز كان يمكن ان يصل بين نوابغ الشعراء الممتازين . . " ثم البحث
