دخلت المغازة العامة بعد اقتحام المقهى بكل جرأة ، وصوت فيروز يحفر قلوبا ويدغدغ أخرى ويرن فى الآذان ، وهى كالبلبل الجريح تغرد بصوتها العذب . ورنت فى أذنى أنا الاخرى (( وضاعت الهدية )) . دارت فى رأسى وأحسست بقشعريرة انتابت جسمى وأفاقت فى نفسى وابلا من الذكريات القاسية المؤلمة .
الهدية !؟ ماذا كانت هديتى لاحمد ؟ أنا لم أهده شيئا لانى لا أملك نقودا لا ..... أنا أهديته أغلى مما أهدت فيروز لحبيبها . أنا أهديته نفسى . ألقيت بها أمامه وجعلته ملكا على يحكم فى نفسى ويتصرف فيها كما يشاء ولا ارادة فوق ارادته . أخذنى كوردة قطفها من بستان مجهول . أخذ يشمها ويلعب بأوراقها غير مبال بالآلام التى تحصل لها من جراء ذلك التلاعب . بقيت الوردة ساعات ... أياما ... سنين ... بين يديه يشمها من حين الى آخر . ويصحبها معه فى كل مكان . وفجأة ألقى بها . يا للهول ! يا للعحب ! ويـا للمصيبه والعار ! أيلقى بها بعد ان امتص عبيرها ؟ بعد أن أذبلها ؟ ثم يتوجه نحو بستان آخر . ويقطف وردة تكاد لم تفتح بعد . وأنا لمن ؟ من سيحمل وردة ذابلة لا رائحة فيها ؟
فبقيت فى طريق شاسعة - لم أعرف لها بداية ولن أعرف لها نهاية - تدوسنى أقدام المارة غير مهتمة ولا منتبهة لى ، لانى لم أعد أصلح لشىء ، أصبحت من سقط المتاع .
ان فيروز تلوم حبيبها لانه أضاع هديتها . فماذا أقول أنا التى أهديته نفسى فأضاعها ، أضاعنى . وأصبحت لا شئ ، كذرة وسط صحراء شاسعة ؟ أضيع من الايتام فى مأدبة اللئام ، وأنا لا وزر لى ، وحيدة مع الايام ، مع نفسى ، ومع الزمان . أنا بذرة ألقى بها القدر فى أرض قاحلة
موات ، فتبخر ما بها من أمل فى نشر جذورها . ولم تعد تنتج شيئا . ولكن من المذنب ؟ من كان سببا فى ذلك ؟ أأنا أم هو أم القدر ؟ لا اعرف شيئا . وكل ما أعلمه هو أن ليس لى فى الامر حيلة . أنا ضحية تلاعب الاصابع والاقدام . وتخاذل نفسى أمام المصاعب .
لا .... سيأتى من يجعل من اللا شىء شيئا ، من الارض القاحلة ومن الصحراء أرضا صالحة للزراعة وللعيش وللانتاج . لكن من هذا الذى سيجعل من السراب ماء ومن الاحلام والخيال حقيقة ملموسة ؟ من هو يا ترى ؟ أيعود أحمد مرة ثانية بعد أن رحل رحلة لا رجوع منها ؟ أذلك ممكن ؟
لا . هذا وهم وأمل ضائع ، مجرد تفكير تطمئن به نفسى . لكن الحقيقة هى ما قلت : لن تصلح البذرة لان صاحبها لن يعود . الا اذا حصلت المعجزة رغم أن القرن العشرين ليست به معجزات بل هو قرن الخلق والتفكير والابكار وما يهمنى أنا من تقدم التفكير الانسانى فى القرن العشرين . أنا لست منهم . أنا لاحمد الذى اخذ روحى وحياتى معه ورحل تاركا جثة تتحرك على أديم صحراء قاحلة شاسعة يستحيل العيش فيها بالنسبة لى .
(( أنت ماذا تريدين ؟ مضت عليك قرابة الربع ساعة وانت واقفة لا حراك بك ؟ ما لك ؟ ماذا تريدين ؟ ))
أفاقنى صوت هذه البائعة بالمغازة من رحة طويلة عبر السنين من حلم حزين .
فنظرت اليها وقلت فى نفسى : (( مالك تصيحين فى وجهى هكذا ؟ لم لا تقولين لى : تفضلى ماذا تريدين ؟. بكل احترام وتقدير ككل الزبائن . آه !... نسيت . أنا رثه الهندام ، ليس للجمال أثر فى وجهى ، بل هو مثل نفسى شاحب قاحل ، وشعرى الاسود الطويل الذى طالما نلاعب بظفائره أحمد منذ سنين ، انه غدا تحت رحمة الريح التى تتلاعب به هى الاخرى بقساوة وتلطخة على وجهى كأنها تريد أن تخفى صورتى نهائيا عن الوجود ...... لك الحق انى لا استحق احتراما ولا تقديرا . أنا ...... ))
وفجأة نهرتنى قائلة : (( مالك تنظرين الى هكذا ؟ ألم أعجبك )) ؟
فلازمت الصمت : (( يا للعجب ! لم تعجبينى ؟ المفيد انك احسن منى ذلك يكفيك افتخارا وكبرياء ))
فقلت بمرارة : (( أزرار بيض .
فأجابتنى : - ليس لنا أزرار بيض
- أرنى أزرارا أخرى
- مالك ؟ قلت لك ليس لنا أزرار هيا اغربى عن وجهى )) .
كدت أطلق العنان لبكاء مر . لكنى أسرعت ، فخرجت شاقة الطريق . فالتفتت أنظار الرجال حولى متعجبين من جرأتى فى اقتحام السوق . المحلية بلا مبالاة . وأخذوا ينظرون الى وكأن البدر طلع بعد غياب طويل . والعجب أنى لست بجميلة . فانتابنى رعب وخوف وخجل من نفسى المعذبة ، ومن الناس الطاغين الظالمين ، فاندلعت النار فى داخل . وشعرت بأنى لا شئ .
أثور على من ومن سيقف بجانبى ؟ من سيحمينى من هذه الاعين التى تلقى فى نفسى سهاما وشرارات من نار محرقة تترك آثارا فى النفس اكثر مما يمكن أن تتركها فى الجسد وأعمق من ذلك . تذكرت أن أحمد لم يعد الا سرابا وليس له أن يحمينى منهم . أردت أن أطير فى الفضاء بعيدة عن الارض . فارتميت أمام سيارة كانت تشق الطريق . لكنى أخطأت المرمى . وفتحت عينى . واحسرتاه ! وجدت أجنحتى مكسرة تؤلمنى ، وأرجلى مكبلة بقيود الخجل والعار . فارتميت ثانية على الارض وأطلقت العنان لبكاء مر وقلبى يكاد ينفجر ذلا وقهرا وثورة .
فبكيت حتى انتهت الدموع . ووقفت على قدمى ، أجلت نظرى يمينا وشمالا فلم أجد أحدا . فمشيت بخطى ثقيلة نحو المنزل لاعود الى الماضى ولا مفر منه ، فالماضى أساس المستقبل . وأى مستقبل أنتظره !؟
أنا لا حياة لى بدون أحمد . لقد ذهبت ريحى معه ، فكل يوم يمر يترك فى نفسى ألما أكثر ويزيد فى تعفين الجرح الذى كاد يكون ذكرى . فأرجع الى الماضى ، وارجع لاعيش على ذكراه .
وصلت الى المنزل ، وقبل ان ادخل مسحت بسرعة دموعى وأغلقت باب الذكريات والاحلام والتيه فى الماضى .
طويت تلك الصفحات الرهيبة خوفا من ان يلاحظ على وجهى شىء من الحزن أو الشحوب . وحملت يدى الى رأسى لانظم شعرى المبعثر كأوراق الشجر فى فصل الخريف ، ككومة تبن وسط الطريق تلهو به الرياح وتبعثره هنا وهناك كل شئ رجع الى مجراه كأنه لم يكن منذ حين . ولكن أمر يدى يحيرنى وأنا واقفة امام باب المنزل . فمزقت بصعوبة خرقة من قميصى الداخلى . وضمدت بها يدى . ثم أسدلتها دخلت الى البيت بل الى جحيم آخر أشد وطأة على من المحيط الخارجى .
أجلت نظرى فى الحاضرين . أمى تقشر الخضر استعدادا الى طبخ العشاء فؤاد ورمزى جالسان حولها يتهامسان ويطلقان ضحكات . فلم يسألنى أحد عن الازرار .
فهربت من الضحك ومن الهدوء ، ودخلت غرفة النوم .
ألقيت بجسدى فوق السرير ، وأغمضت عينى ، وفتح من جديد عالم الخيال .
سكت وأغمضت عينى لأسمع الضحكات البريئة ، لأرى نفسى أضحك من كل قلبى ، لارى الايام والحياة تكون لى ولا دائما ضد وعلى ، لارى الناس يغربون بوجوههم عنى ويبدلون سير طريقهم اذا رأونى ، لأرى نفسى كرة بين الاقدام .
أنا ضائعة بين الحقيقة والخيال ، بين الخير والشر ، والحب والكراهية ، أنا التى تريد أن تكون من لا تريد أن تكون ........

