كان أبلج الطلعة ، هادئ النفس رضيا . وكان ذكاؤه
يطفو على قلبه ، اعتدالا ، ونقاوة ضمير . وكانت أحب
الخلق إليه خلوة بينه وبين نفسه : آثارها في الكلمة
تنطق عن انبلاج غشاوة فجر ، ظلامه تآكلته الدهور
والدهور ، وأذابه فرط تودد لنور كل ما فيه انعتاق
وسلام وصمود
جره حبل الرحيل ضحوكا زلوقا ، وأركبه هاء غاب
فى لج أعماقها بين عجمة اللفظ وسحيق البعد : زمانا
حنينا وظلمة نفس ، أوصالها تتقطع بين كونه الغائب
وأناه المضطرب
وعانق العالم فتاة شقراء فارعه ، وضاع بين أنوار
جمالها ورقيق أنفاسها ، وغرق اناه بكاء أنينا وانهد
بين أنقاض هائه كفرا زهوقا وبطلان قيم . ثم تحامل
جذلان ، بمعول انفذ من وخز الضمير ، فانكشفت له هاء
كدرتها فى حنين أناه . وغاب في ظلمة الفرار وصاخ
صيحة إنكار
ولما هدأت نفسه تزوج عذراء علاجيه ، وردية الملامح
ضحوكة الاسارير وجن بها جنون الضائع فى متاه تورقت
المسالك منه ، وارتاح في مطاويه إلى قناع أعطافه تضوعت
منها أرواح أناه ، ثم انفق عن هاء موحش فك عقاله
طلاقا وتيها
وما أن تزوج عالما ألوانه شتى وجوارى كواعب وخناثا ،
وتردد بين الجمال والقبح حتى لبس قناعا شده بأناه ،
وطلاه بهاء باهتة النور ، ونزل يطوف دروب التاريخ ،
ويتسور أصداء الكون ، فاعترضته جموع لها أنسام خلوته
الباقيه ، وأنوار حنينه الاليم
صاح صيحة إفلات ، فانفصمت أناه ، وانقشع قناعه ،
وصرخ هاؤه جبارا عنيدا ، وشده إليه ، وحشي السمات ،
شره أحد من قاطع الشجر .
وفي الصباح ، بعد انفراط الجموع ، ألقاه البحر عاريا .
