الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

طائران الى القمر

Share

يسعيان سعيا حثيثا ، ويجدان فى السير : وهذا الغبار الخفيف الذى يثير انه وراءهما يميزج بضباب الفسق فيكونان طبقة كثيفة ، تكاد تحجبهما عن بصرى فلا تقدم قليلا ، ولأقف فوق هذه الربوة الخضراء ، أو لأجلس فوق حشائشها الخضراء ليكون " الطائران إلى القمر " فى متناول بصري ، انهما انحدرا إلى السهل المنبسط السندسي الاخضر ، اظنهما حاطين رحالهما وراء هذه الحرة ، إزاء الجدول الرقراق ، لينعما تقسيهما بالنظر إلى مطلع القمر ، وهواء الليل الهادىء يهب عليهما ، فيلامسهما لمسا رقيقا ، ويداعب وجهيهما مداعبة لطيفة .

ينتشقانه فاذا جسماهما ينتعشان . واذا الضنا عنهما يتبدد ، واذا النشاط يعاودهما رويدا رويدا .

آه ! ما لقدمي تقودانى اليهما ، ومالى اطيعهما طاعة عمياء ، وانهما لا يعرفاننى ولا أعرفهما وربما لا يستريحان الي .

إذن ، فلأصل إلى الحرة التى هما موليان ظهر يهما اليها لأراقبهما عن كتب

انظر - ابراهيم - إلى معجزات القرائح الجبارة ، والعقول التى لا تنى ولا تتعب من التفكير المتواصل المطرد ، وهذه المعجزات التى نراها كل يوم باعيننا وليدة هذا الشئ البسيط فى حجمه الذي لم يدرك كنهه أحد من القدماء والمحدثين ؛ والذي احتار فى تكوينه كل فيلسوف قديما وحديثا ، لكنه لم ينكر أحد أنه من أغلى الاشياء فى عالمنا هذا إذا ما استعمل فى عمل مفيد ، أما إذا أساء صرفه مثلك فى هذه الثرثرة أو هذا الشئ الذي تسمونه أدبافليس هذا الا يخس الشئ حقه وجحود الفضل .

تعال معي : لنلقى نظرة خاطفة منذ وجد العالم إلى الآن ، ولننظر فى صفحات التاريخ إلى كل رجل سجل التاريخ اعماله المجيدة . من عالم ، إلى صانع : إلى فنان ، إلى غير ذلك .

حينئذ تدرك أن هذا الرجل الذي تسمونه أدبيا ليس إلا رجلا أطلق العنان لعواطفه وأساس القياد للسانه الثرثار ، فطورا يخرج كلاما لا يفهمه الا أمثاله وطورا يقول كلاما لا يفهمه هو ولا أمثاله فقل لى بالله : أي عمل اسداه إلى الانسانية ؟ واي شئ افاده حتى يذكره التاريخ في زمرة الابطال الذين ضحوا بكل غال ومرتخص فى سبيل الانسابية والحضارة أمثال ماركونى وفورد وتوماس أديسن ؟ ثم ليت هؤلاء الكسلى لم يعدوا أحدا غيرهم حتى لا يمتد سخفهم إلى عصرنا الحاضر ، لكنهم غرسوا شجرة الخمول : قذقنا ثمرتها مكرهين !! واسمح لى ان أقول : انك من ثمراتها المشئومة ، فانا أرجو منك ان تزايل هذا الذي تتشبث باذياله ، لئلا تعدي بها الاجيال القادمة اما أولئك الابطال فسيحفظ لهم التاريخ جميلهم بمداد من الفخر على صفحاته الخالدة ، وبمجدهم ترى الانسان اليوم طائرا يزاحم الطيور فى اجوائه .

قال أحدهما هذا ثم صمت برهة طويلة ، وأخيرا نظر إلى اخيه نظرة ملؤها الاعجاب بالنفس يترقرق فى عينيه فخر الانتصار ، ثم تلاشت تلك النظرة وتلتها نظرة أخرى ساهمة تجلى فيها معنى الرثاء لأخيه ، والحزن عليه ، وعلى حاله التى تثير الشفقة والرحمة فقال : نعم وما رأيك الأن يا ابراهيم ؟! .

هنا رفع إبراهيم رأسه ، وكانما أفاق من سبات عميق ، ثم نظر إلى صاحبه وابتسم ابتسامة لها معناها ومغزاها وقال : -

- ما الذي اقوله لك - أخى العزيز -  وانت أعلم منى برأيى : بيد انى اريد ان أقنعك واظهر لك فضل هذا الشئ الذي تسميه ثرثرة تارة . وكلاما فارغا أخرى ، واريد ان اظهر لك ان الشئ الذي تمقته وتبغضه ، لا يمكنك الاستغناء

عنه ، اللهم الا إذا استغنيت عن عواطفك وغرائزك فحينئذ يتسير لك ذلك ، ولكنك تخرج فى هذا الوقت نفسه انسانا آليا لا خير فيه !.

أعلم حق العلم انك لا تستطيع فقه كلامى . لأن غشاوة المادة مسدلة على عينيك واذنيك . فلا تنظر الا اليها . ولا تعى الا عنها ، لكنك فقدت شيئا اعظم واكبر : وخسارتك اكبر من نفعك . انك فقدت شيئا تمتاز به عن الجماد انك اعطيت شيئا لتنعم به فى حياتك القصيرة فنبذته ، وابعدته عنك قصيا ، فصرت انسانا ميكانيكيا ، ألا وهو عواطفك وغرائزك ، وبذلك خسرت أحب شئ اليها ؛ فالأدب وحي هذه العواطف وترجمان هذه الغرائز .

اصغ الي - اخى العزيز !- نجاح المرء فى هذه الحياة هو ادراكه السعادة ولست واجدها وراء المادة أبدا ، والانسان يعيش بغرائزه اكثر من كل شئ . فلا يهلكها لأنه يبقى حينئذ انسانا . انا النجاح كل النجاح هو ان تصقلها بعقلك ، فتخفف جماحها وتجعلها خاضعة لك ، لا أن تقتلعها من جذورها وتطوح بها فى الهواء ؛ انك إذن تفقد عنصر الانسانية ، وما احوجنا إلى هذه المخترعات الحديثة ! لكن ما أحوجنا ايضا إلى سعادة تتنعم تحت ظلالها الوقرة والسعادة موقوفة علي الحقيقة يدركها الانسان والحقيقة ما تصوره العواطف والغرائز بعد ان يزنها العقل المدرك ، إذن فالسعادة كامنة فى الأدب .

وهنا رمق أخاه بنظرة فرآه مطرقا صامنا ، فتجلت آيات السرور على جبينه ، لأنه استطاع ان يجعله مرتابا فى نظريته الاولى ، وكذلك اخرج ابراهيم مجلة شهرية وضع أصبعه فى وسطها وخاطب اخاه :

- انظر - يا أحمد ! - هذا الجزء السابع من مجلة " المنهل " الغراء فى سنة ١٣٥٧ ه حينما كانت فى بدء انشائها ، انظر إلى صفحاتها القليلة ، أما الآن فانت عالم بانتشارها هذا الانتشار الواسع ؛ وحجمها الضخم ، ومطبعتها الفخمة ، وعدد العمال المشتغلين فيها وانت ، عالم بكتابها النابهين ، وأدبها الراقى ، انظر هذا

المقال الذى كتبه الاستاذ . أحمد رضا حوحو " تحت عنوان ( هل يأفل نجم الأدب ) . انه يقرر فيه اقول نجم الأدب ، ويرى ان المادة ستطغى عليه . لأن العلم تقدم تقدما اعظم ، فنيته كان حيا ، فيشاهد بعينى رأسه ازدهار العم فى سنة ١٣٥٧ ه : هذا الازدهار المطرد ، ومع هذا فانه لم يطغ على الادب . وليس الأدب اقل ازدهارا منه اليوم ، وكان يمكنه ان يلقى نظرة إلى القرون الاونى فيرى كيف ساير الادب العلم دائما ، جنبا إلى جنب ، ولم يطغ احدهما على الآحر فى اشد انتشار أحدهما : أوليس اكتشاف النار لأول مرة كان خطوة جريئة لتقدم العلم ، إذ كانت من الضروريات الاولى لحياة الانسان وتحضره خلاء المخترعات الاخر : فكيف تسنى للادب ان يتسرب اليه ؟!.

وهنا قهقه احمد . وقال : آه !! اذن فقد كان سميي الاستاذ أحمد مؤيدا لى فى رأيى قبل مائة عام ، ثم أمسك ابراهيم بذراع أخيه وقال : ها : انظر إلى القمر وقد اكتمل ضوؤه ، فطلع مزهوا متبخترا ، انه ينظر الينا متبسما فخورا ! الست تحس ذلك منه ؟ !

ولماذا لا يتبختر وعابر السبيل ينتظره بفارغ الصبر بعد ان يجنه الليل ، عساه ان يهتدي الى سبيل فى سناه . وامثالنا يترقبون طلوعه ليبتعدوا عن صخب الحياة والمادة ردحا من الزمن . فيلمسوا الراحة فى سكون الليل عند القمر .

فاجابه أحمد ، وهو معجب بكلامه : انك تشعر بما لا اشعر لأنك أديب تحلق فى اجواز الخيال ، وتخلق لنفسك جو الهدوء والسكينة متى شئت . وانى شئت ! والمرح يرفرف فوقك بجناحيه ، لان الادب جعلك روحا سامية بعيدة عن المادة ، أما نحن فلا نجد الطمأنينة على سطح هذه الأرض فسنبحث عنها على القمر حيث السكون التام لا يشوبه صخب المادة وضجيجها ، لأن هدفنا واحد وهو سعادة النفس .

وهنا هتف ابراهيم هتافا حماسيا عاليا : هاهما العلم والأدب يحلقان فى

الاجواء طائرين إلى القمر سواء .

فتسللت مسرعا ، كى لا يريانى ولسرعتى عثرت قدمي بحجر فتألمت ........ واذا بى انهض من نومي مذعورا ، واتلفت يمينا وشمالا ، فلم أر لأحمد ولا لأبراهيم اثرا ، فنظرت الى قدمي فاذا بى أرى بعوضة كبيرة تمتص دمي ، مسرورة بهذه الغنيمة الباردة ، فعالجتها بضربة على أم رأسها ولكنها مع الاسف طارت قبل أن تنزل عليها يدي كالصاعقة ........,

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية