الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

طبيعة المبحث ومبناه فى كتاب " الشخصية التونسية " (1)

Share

لعل هذا العنوان بألفاظه الثلاثة يقتضى شيئا من التحديد قبل النظر فى هذه القضية :

ونقصد بطبيعة المبحث اللون الفكرى الذى يمكن أن ندرج فيه الكتاب ونوعه وجذوره وخصائصه العامة ، وبالمبنى هيكل المؤلف شكلا ( أى أدوات ووسائل تعبيرية ) ومنهجا .

ويبدو لقارئ الشخصية التونسية " أنه بازاء مبحث يتصل بلون المقالة التى هى فن أدبى وفكرى مستحدث فى فنون الكتابة والقول عند الكتاب العرب ، إذ يعود ظهوره الى عهد النهضة فى العالم الاسلام فى القرن الماضى وازدهر فى تونس على ايدى أعلام النهضة فى الحقل السياسي والثقافى والاجتماعى نذكر منهم على سبيل المثال : خير الدين التونسي الذي ألف كتاب " أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك " (2) المتمثل فى دعوة الى اصلاح الاسلام ووشؤون المسلمين عن طريق الأخذ بأسباب التقدم فى اطار " العودة الى الاصول " - أى الاصول العامة للشريعة الاسلامية دينا ومنهجا فى الحياة مع الاقتباس مما عند الغربيين من أسباب العمران وهنا تتداخل الاصالة مع التفتح لرسم معالم النهضة وسبلها عند - أبى النهضة الأول - خير الدين التونسى .

ونذكر أيضا مقالات " حركة الشباب التونسى " وجمعيتى " الخلدونية " و " قدماء الصادقية " ومحاضراتهما ، وما كتب الشيخ عبد العزيز الثعالبى (1) والطاهر الحداد وكتابيه : " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " و " العمال التونسيون " الى جانب ما كتب أبو القاسم الشابى نثرا وأعني خاصة محاضرة المعروفة " الخيال الشعرى عند العرب " (2)

وازدهر هذا اللون - كما يبدو من استقراء صحافة القرن التاسع عشر والمطلع الاول من القرن العشرين " وتصفح أحوالها " على حد تعبير ابن الهيثم - على صفحات " العالم الأدبي " ولسانين العربى والفرنسى و - "المباحث" - والندوة - والفكر - وذلك نتيجة تواز ومواكبة بين حركة الاصلاح السياسى والثقافى من ناحية وحركة الحفاظ على الشخصية والذود عنها من ناحية أخرى .

أما الموضوع نفسه فقد ظل محور عمل الوطن الوطنيين وأقوالهم إذ نجد صداه فى افتتاحبات محلة " المباحث " ومجلة " الفكر " ونجد القضايا المتصلة بالشخصية التونسية والثقافة القومية والأصالة والتفتح والعلاقة بين العامية والفصيحة وماهبة قضايا التونسة والتعريب على صفحات - الملحق الثقافى (3) - لجريدة " العمل " وفى الندوات الأدبية والفكرية التى تنتظم بدور الثقافة ونواديها -

ولئن كان هذا الموضوع - موضوع الشخصية التونسية " - غير ذى غرابة عن المثقف التونسى - وحتى عن نصف المثقف او شبهه - فان كتاب " الشخصية التونسية " جاء ليحرك السواكن عن طريق اثارة العديد من القضايا الجوهرية . والعرضية تحتاج الى دراسات مفردة تعمقها وتثريها والى حوار خصب يثيرها . ولعل دراستنا السلطة هذه صدى لهذه القضايا ومدخل الى ذلك الحوار ونتيجة لزمت عن ذلك المبحث ، وسيدور بحثنا حول مبنى المبحث : أولا على مستوى الشكل وخصائصه اللغوية والتركيبية والمنهجية ، وثانيا حول مدى نجاوب الشكل الذى اعتمده المؤلف مع طبيعة الموضوع .

1 - مبنى المبحث إن القارىء - لكتاب الشخصية التونسية ، يلاحظ أن عنوانه يضم قسمين : المقومات والخصائص وينتظر من المؤلف أن يخضع بحثه الى قسمين ايمانا منه

بأن الواو لم تكن أداة عطف لمترادفين ، بل هي أداة عطف لاسمين متباينين .

الا انه بعد انهاء الكتاب قراءة لا يظفر بما تمناه ولا يفوز بالقسمين الموعودين . فما علة ذلك ؟

إن السبب فى الواقع هو طبيعة البحث نفسه اذ أن صاحبه لم يقصد منه تأليف بحث علمى دقيق يخضع لمعطيات المنهجية التى تخضع اليها الدراسات الجامعية قصد اجتياز اختبارات على مستوى البحث بل ان - العلة الغائية على تعبير المناطق من وراء البحث هى صيحة وعي وصوت استفاقة من جمود و " محاولة " لاستكناه مسيرة شعب طوال بحثه عن مقومات كيانه - فالاطار  الفكرى الصحيح الذى نشأ عنه هذا الأثر هو صمت عن التعبير وركون الى لقد - وانتقاد - لكل ما يظهر من نشاط ادبى وفكرى وابتعاد عن ميادين الخلق والانتاج إضافة الى معايشة الكاتب بعض القضايا معايشة فكرية جعلته يسرع بتأليفه ونشره بين الناس .

ولعل المؤلف نفسه أشار إلى هذا المعنى حين أكد " أن كتابه لا يطمح أن يكون دراسة علمية منهجية بل هو خلاصة معايشة فكرية لقضايا حضارية وثقافية تشغل باله منذ سنوات "

ألا تملى طبيعة المبحث وظروف تأليفه تحررا ما من قيود الجفاف العلمى و " تقنيات " البحوث ؟

فلا غرابة - بعد هذا إذا ما طالعتنا فى الكتاب بعض التراكيب الدخيلة على المستوى اللغوى تعكس فى جوهرها آثار الازدواجية اللغوية التى اكتسبها المؤلف بحكم تكونه من ناحية وبحكم اشتغاله بتعريب البحوث المؤلفة فى اللسان الفرنسى (1) من ناحية أخرى وحتى بعض قصص الكتاب الجزائريين (2) الذين كتبوا بالفرنسية .

فاذا نحن نقرأ بعض التراكيب التى تتحدى ما يسميه النحاة العرب - الاشتغال - كقول المؤلف : " ألا يعرفنا أيضا بالثمن الباهظ الذي كنا ندفعه لتذوق وتفهم لغة هؤلاء العباقرة "

وقوله أيضا على سبيل المثال : " والأشعار والنصوص التى يفتخر فيها اهل البلاد الغابرين بعزة وبمكانة العربية عديدة . . "

ونلاحظ لونا آخر من التراكيب المعربة فى قوله : (1) " وكثرة هذه الآثار تدل لا محالة بأن بلادا تكاثرت فيها هذه المدن لا يمكن أن يفطر أهلها الا على أول امتياز تمتاز به المدينة وهو العلم . . "

وكذلك فى قوله (2) " إذ أصبح يشعر التونسى بأن لغة أخرى تزحف على لغته . . "

وانه فى مستطاع المختصين فى اللسانيات أن يستنبطوا دواعي تعريب بعض التراكيب وأسرار تآلفها مع هياكل الجملة العربية أو تنافرها معها ، وهذا مظهر من مظاهر اثراء اللغة الفصيحة لا بما تضم اللهجات من تراكيب وهياكل نتماشى وروح اللغة الفصيحة بل بما يمكن أن يتلاءم مع طبيعتها نحوا وصرفا وتركيبا من اللغات الاخرى وبذلك تسلم اللغة من علة الانعزالية وتصير فى مأمن من التنكر اليها .

ثم ان طبيعة المبحث لم يقتصر تأثيرها على مستوى الجملة والتركيب فقط بل تعداهما الى الالفاظ نفسها فاذا بنا نلاحظ انزلاق بعض الاوصاف الخاصة بصنف من الاشياء لتصبح تصف صنفا آخر . ولعل ذلك هو ما عناه الصفويون فى ميدان اللغويات بظاهرة اللحن على مستوى الدلالة ( وخاصة منهم المقعدون اى المرتبطون كل الارتباط بالقواعد ) وما سميت فيما بعد بظاهرة التعميم Generalisation واعتبرت وجها من وجوه اثراء اللغة ولا حرج من ذلك باعتبار  أن اللغة كائن ينمو ويتطور ويحيا بالاستعمال - ومثال ذلك ما نقرأ (3) " وكذلك من الالفاظ والتراكيب واللهجة الأنيقة الفحلة ما ينبئ عن مواطن القوة والرجولة "

فاستعمال - الفحلة - لوصف اللغة مظهر من مظاهر التعميم فى هذا الباب لأن الفحولة من شيم الحيوان - ناطقا كان أو غير ناطق - وليس من شيم الاشياء كاللغة مثلا .

الا أن تأثير طبيعة المبحث على المؤلف تبدو بصورة أوضح على مستوى المنهج المتوخى فى تحديد المفاهيم من ناحية وفي طريقة ايراد بعض الاعلام وبعض المصادر التى كانت عمدته فى التأليف .

فنلاحظ قلة الامثلة للاستدلال أثناء عرضه لبعض القضايا الشائكة مما جعل حديث المؤلف في أغلب الاحيان كلاما نظريا مجردا يبعد عن تصور الذهن اليه بسهولة كقوله (1) أثناء ابراز الغايات من أجل دراسة اللهجات العامية ومدى تأثيرها على الفصيحة : " وهذا التطعيم لا يعنى بحال ادخال الضيم فى نحوها بل هو بعث الحياة فى هياكل الجملة فتظهر التراكيب قديمة متفقة مع القواعد المعروفة ، وهى فى الواقع قد طبعت بنفس جديد خاضع لمقومات العامية فى قربها من الحياة . . "

ألا يحتاج هذا الكلام النظرى بالنسبة للقارئ متوسط الثقافة الى تبسيط عن طريقة أمثلة ، خاصة وأن هذا الكتاب غرضا كتب فى إطار " عمل سياسى أدبى هادف "

فكيف يمكن أن يفوز " بتسجيل هدفه إن هو لم يقبل على قراءته عدد وافر من القراء - خاصتهم وعامتهم ؟

ونضيف إلى ذلك خلو الكتاب من جداول احصائية بيانية لعدد المتعلمين بتونس (2) عبر العصور حتى يتبين القارئ تزايد العدد ونقصانه وأسباب ذلك من ناحية وحتى يقترب الكتاب من الطابع العلمي المنهجى التعليمى من ناحية أخرى ، اذ بدون ذلك يصبح البحث ضربا من ضروب التقارير المملة .

ويبدو اهمال جانب العلمية والمنهجية شيئا ما فى الطريقة المتوخاة من المؤلف لاستغلال المراجع والمصادر اذ يهمل أحيانا (3) ذكر المصدر أو تاريخ وفاة صاحب المؤلف كما فعل مثلا بالنسبة للخبر الذى استقاه من كتاب المسالك والممالك لابن حوقل حين قال عن المعلمين " وهؤلاء المعلمون يرون أنفسهم انهم افضل السكان وأنهم أهل الله "

فنحن لا نعرف من هو ابن حوقل ولا تاريخ وفاته وعصره ولا لون كتابه ولا الفصل الذي أخذ منه هذا القول .

وكذلك يذكر مثلا خبرا عن المعز لدين الله الفاطمى " يؤكد لنا أن قسما من رعايا هذه البلاد لقن تلك اللغة وغيرها من اللغات . . "

ولا نعرف المصدر الذى اخذ منه الخبر .

لكن رغم هذه الخصائص التى تبعد كتاب " الشخصية التونسية " شيئا ما عن طابع المنهجية العلمية بجفافها وقسوتها فانه لم يخل من مظاهر الطرافة والاصالة اذ ضم عددا كبيرا من المفاهيم الفنية للتعبير عن بعض القضايا الفكرية والظواهر اللغوية التى عايشها المؤلف وعانناها والتى تخلع على الكتاب خصائص ومميزات هي خصائص طبيعة المبحث ومميزاته .

فاذا بنا أمام مفاهيم لغوية لا يكتفى الكاتب باستعمالها دون سابق تحديد - كما يفعل الكثير من " النقاد والكتاب " - بل يحددها فاذا - الغربة اللغوية - . ظهر " مفهوما مفتاحا " من مفاهيم المؤلف وهى  (1) : " هذا الشعور الدائر بان اللغة الاصلية مهددة وهذا النزوع الى عدم الاكتفاء باللغة الام . . " ويفحص عن أسباب ظهورها (2) فينتهي الى أنها " كانت فى الاول درء للخطر وجرا للنفع ثم لما تغلغل الدين فى النفوس كان حب تعلم اللغة العربية وحب التعلم بصفة عامة وغابته معرفة هذا الدين الجديد وارضاء الغريزة الدينية المبثوثة فى الانسان البربرى فى ذلك الوقت . . "

وتأخذة - الغربة اللغوية - عند المؤلف أبعادا جديدة ناتجة عن التحول التاريخي والانتقال الحضاري اللذين مرت بهما " الشخصية التونسية "

والى جانب ذلك يستعمل المؤلف أيضا - ألفاظا مفاتيح - كالانصهار والصهر والاصالة ( ويعرفها " بالوفاء للذات الامينة " والتفتح والتعريب والتونس والتآلف . .

وأخيرا هل تجاوب البناء مع طبيعة المبحث ؟ ان خلو الكتاب من جداول بيانية ومن تحقيقات علمية للألفاظ وللأعلام والمصادر المعتمدة لا تنشئ نشاز

بين البحث وطبيعته بل تؤكد الاتجاه الذى أراده المؤلف لكتابه والهدف الذى رمى اليه .

الحوصلة : ومما لا شك فيه هو أن - الشخصية التونسية - كما أراده المؤلف " محاولة " أثارت أسئلة تحتاج إلى اجابات فى شكل دراسات مفردة ، وسيكون - ان صح عزم الباحثين وأهل الذكر - مدعاة الى مباحث فى علم الالسنية La lingustigue للاهتداء الى ما يمكن أن يثرى الفصيحة من هياكل اللهجات العامية والالفاظ والامثال التى تميز كل شعب من الشعوب العربية .

وسيكون أيضا مدعاة الى مباحث فى علم التاريخ للفحص مثلا عن كيفية انصهار البربر مع العرب الفاتحين على المستوى اللغوي والعقائدى والحضارى مثلا ، وكتجاوب الحركة السياسية والحركة الفكرية والأدبية في الثلاثينيات ومثل قضية تكالب التونسيين عبر التاريخ على التعلم ، . . وسيثير حتى مشاكل فى المعماريات لنعرف ميزات كل شعب معاريا . وكل ذلك سيمكن من تعميق البحث فى الشخصية التونسية لكن كل هذه المباحث " لا تمكن ولا تكون ولا تستطاع " على حد تعبير أبى بكر السجستاني الا اذا انطلقنا من مقدمات تلزم عنها كل النتائج وتتمثل فى " وجود الشخصية التونسية " حاضرا وماضيا ومستقبلا .

ويكفى هذا الكتاب أهمية أن كان مؤلفه لموضوعه أليس الاخلاص الفكرى من شروط الفوز فى الميدان الفكرى ؟

اشترك في نشرتنا البريدية