حلم معاوية وكرمه وفد قوم من قريش على معاوية فقالوا : السلام عليك يا معاوية . فبسط لهم وجهه ، والان قوله ، فطلبوا الموادعة . فقال : يا وجوه قريش : ما لكم أتيتم من مكان بعيد ، ثم لم تجعلوا بين السلام والموادعة حاجة تطلبونها ؟ فقالوا : والله يا أمير المؤمنين ، ما أتيناك الا مفاخرين باحسابنا ، مباهين لك برجالنا ، متعززين عليك بسيوفنا ، طالبين من مالك ، غير راضين باليسير من نوالك ، ولكنك بسطت لنا الوجه ، والنت لنا المقال ، فاستغنينا بذلك عن طلب المال . فقال : اذن والله لأجمعن لكم بين الحسنيين ، ولأصرفنكم بما يقدم من تخلف عنكم .
حسن المنطق يذلل الصعاب كان أحد عرب المغاربة الادباء يتردد على جمال الدين ابن مطروح بالقاهرة ، وله حينئذ صيت وتمكن في الدولة الصالحية ، فمدحه الاديب المغربى بكثير من القصائد وكثير من النثر ، فلم يقبل منه ذلك كله . . فشكا الأديب الى ابن سعيد ذلك فقال له : اكتب اليه بقول ابن اللبانة :
جمالك ألبس الدنيا جمالا
ومد على مناكبها ظلالا
أجل نظر السيادة في حديثى
فان الرزق حيث تميل مالا
فما وقف جمال الدين على البيتين حتى بسط وجهه لشاعر المغرب وأكرمه .
فلسفة العفو الشامل شتم رجل عمرو بن عبيد شتما مبرحا ، فما ترك شيئا من الوان الشتم الا وجهه اليه ، وعمرو ساكت عادىء .. فلما افرغ الرجل جعبة سبابه .. اتجه اليه عمرو بن عبيد ، وقال له : آجرك الله على ما ذكرت من صواب ، وغفر لك ما ذكرت من خطأ ، ثم صمت . . فبهت الرجل . وقام خجلا .
قيمة المرء بأصغريه وأكبريه دخل ضمرة بن ضمرة على المنذر بن ماء السماء . ملك الحيرة واليمامة .. ويعرف عن ضمرة عقله وعلمه وحلمه وحكمته وشجاعته ، وكان دميما قصير القامة ، فلما رآه المنذر احتقره ، فقال المنذر : سماعك بالمعيدى خير من ان تراه . فأجابه ضمرة بقوله :
- أيها الملك ، ليس المرء بحسنه وجماله ، وبهائه وكماله ، وهيئته وثيابه .. لا والله ، حتى يشرفه أصغراه : لسانه وقلبه ، ويعلو به أكبراه : همته ولبه .

