الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

طرائف عربية

Share

السائل الفصيح : أبو فرعون الساسى مع الاخفش والاصمعي

حدث الاصمعي فقال : كان أبو فرعون الساسى سائلا بالبصرة ، وكنت اسمع ابا عمرو بن العلاء يذكر فصاحته ويقول : انه افصح اهل البلد . وكان مياسير اهل البصرة يعرضون عليه الكفاية فيأبي الا المسألة . . قال الاصمعي

فمكثت حولا اطلبه لا اقدر عليه لشغله مع اهل البصرة بالشراب وغيره . فغدوت يوما مع الاخفش الاكبر ابي الخطاب . نأتي قوما من الاعراب اقتحمتهم السنة ، فبينا نحن في بعض سكك البصر ، اذا نحن بشيخ قصير عظيم الهامة ، كث اللحية ، وفي يده زبيل وهو يقول :

لقد غدوت خلق الثياب       معلق الزبيل والحراب

طبا يدق حلق الابواب      اسمع ذات الخدر والحجاب

ثم اتى بابا ، فقرع حلفته ، ثم قال : انيلونا ، نالتكم الشفاعة : فخرجت اليه عجوز شهرية ، فقالت : بورك فيك ، يا سائل ، ارجع ، فما لك عندنا نائل ؛

فأنشا يقول :

رب عجوز خبة زبون           سريعة الرد على المسكين

تظن ان بورك يكفيني         إذا غدوت باسطا يميني

عدمت كل عجلة تؤذيني

فقال الاخفش : الا تسمع لهذا الشويخ ما افصحه

واسرع اجابته ؟ ! فاجابه الاصمعي قائلا : بن كان أبو فرعون حيا فهوذا : وما نحن يومنا بلاق احدا من الاعراب افصح منه ولا اظرف ، فصير شغلنا اليوم به ! فقال له الاخفش : ذلك اليك

قال الاصمعي : فاتيته فقلت : يا شيخ هل لك في فليسات وطعام ؟ فقال : اى بابى ، وأين ذلك ؟ فقلت له : ذلك عندى . قال الاصمعي فقال لي ابو فرعون : فصير مدرجتك لى واديا ، حتى اكون له سيلا ! قال الاصمعي : فانطلقت به الى المنزل . فقلت : اسالك عن اشياء . فقال : يا شيخ ، الا أرى سؤالك نقدا وطعامك نسيئة ؟ ! فقلت : أى جارية ، هاتي ما حضر ! قال : وهذه رفع حشمة قبل ورود مودة ! فجاءت ، الجارية بخوان وارغفة ، فانثنى على جوانبها ، فاكلها ، فلما نظرت اليه الجارية يلتقم الرغفان ، اقبلت بجميع ما في سندانتها من خبز فرمت به بين يديه ، ثم قالت لأبي فرعون : كل اصطحبت باردا ! فلما نظر إلى كثرة الرغفان جثا على ركبتيه ! ثم انشأ يقول :

اني على ما كان من هزالي           وخفة اللحم على اوصالي

اثلم حرف القرص من حيالى             ثم المحاق جانب الهلال

فأهوت الجارية إلى الخوان ، فرفعته ثم قالت : أي مولاى ، انما امر الله عز وجل بالتسمية على الطعام ، فاما بالارتجاز فلا : فالتفت ابو فرعون الى الاصمعي وقال : يا شيخ ، وللمنزل رب سواك ؟ اما انه قد قيل فى الامثال : لا تحسدن امة عام اشترائها ، ولا فتاة عام هدائها ؟ ! والله لولا انها عرفتك بديدنك ما

سبقتك الى امر لا تريده ، فها هي هذه قد ملكت خوائها ، فاين فليساتك التى وعدتنيها ؟ قال الاصمعي : فالتفت الى ، الاخفشى وقال : ابا سعيد ، انت كما قال الشاعر :

قط العشاء به على سرحان

والرأي لك ان قبلت النجاء فاخرجه راشدا لا عليك ولا لك ؛ فقال ابو فرعون : لله انتم جربة - بفتح الجيم - جمعتم - بضم الجيم - والله لو كنتم باهليين ما زدتم : اما والله لآتين غدا شيخا لكم قد وصف بالحلق باللؤم والتعليم له فامتدحكم  عنده . لعل الله ان ينفعكم بي ، اذ ضرني بكم . قال الاخفش : فما شككت انه يعني سعيد بن سلم : فقلت يا اعرابي ، ومن شيخنا يرحمك الله ؟ قال : أصيمعي ههنا ذكر لي ، بلغني ان امير المؤمنين على بن ابي طالب قطع يد جده في شئ سرقه ، فلذلك

سمي الاصمعي ، قال الاصنعي : يا ابا الخطاب ، نجني من هذا : ولك الاقرار بالتصريف ما عشت ! قال الاخفش : فقلت له : يا اعرابي قم فقد اغناك الله ! فقال : وبمن ؟ قلت : بي ! قال : كلا والله ان لوجهك لحراقيف تدل على انك وهذا الشيخ رضيعا لبان  ! ثم تناول زبيله ، فاقبلت اقول : اللهم اخرجه عنا في عافية : فخرج وهو يقول :

يا    رب     جبس     قد  غدا   في  شانه

                                    لا يسقط   الخردل   من   بنانه

ولا يريم الدعر من مكانه

                 اشجع من ليث على دكانه

لا يطمع السائل في رغفانه

                  لم يعطن الفلس على هوانه

يا رب فالعنه بترجمانه

وانصرف . . .

اشترك في نشرتنا البريدية