مكافأة
ذكر لنا من خبر الرجل المعروف ب ( السميساطي ) أنه ألفى يوما من الايام بالدهليز رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير ملتفت اليه ولا معتنى به فتأجر به ( طلب الأجر من الله ) والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله عز وجل فحانت وفاة الرجل فاستدعى ممرضه السميساطى المذكور فقال له أنت قد أحسنت الى وخدمتنى ولطفت في تمريضى وأشفقت لحالى وغربتى ، فأنا أريد ان اكافئك على فعلك بي زائدا الى فعل الله عز وجل عني في الآجل ان شاء الله ، وذلك أني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسى ومعروفا بزمام الدار . وكانت لي حظوة ومكانة ، فعتب علي في بعض الامر فخرجت طريدا ،
فانتهيت الى هذه البلدة فأصابني من امر الله ما أصابنى فجعلك الله لى رحمة فأنا اقلدك أمانة وأعهد اليك فيها عهدا : إذا أنا مت وغسلتنى فانهض على بركة الله تعالى الى بغداد وتلطف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة ، فاذا أرشدت اليها فاصرف الحيلة في اكترائها وأرجو أن الله تعالى يعينك على ذلك واذا سكنتها فاعمد الى موضع سماه له فيها وذكر له امارة عليه فاحفر فيه مقدارا وانزع اللوح الذي تجده معترضا تحت الأرض وخذ الذى تجده مدفونا تحت الارض وصرفه في منافعك وما يوفقك الله اليه من وجوه البر والحير مباركا لك في ذلك ان شاء الله .
ثم توفي الرجل الموصي رحمه الله وتوجه الموصى اليه بعده الى بغداد فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى الى الموضع المذكور فاستخرج منه ذخائر لا قيمة لها ( لا يمكن تقدير قيمتها الثمينة ) عظيمة الشأن كبيرة القدر فدسها في أحمال متاع ابتاعها وخرج الى دمشق من بغداد فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وبناها خانقاه للصوفية .
( رحلة ابن جبير ٢٣٨ )
