الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

طرننو

Share

انه عبارة عن شبح ) * ( يفر منه من يراه ليلا . تجده ببطحاء تربة الباى متكئا على حائط كانه يشد ازره . يدور مع الشمس كالصدع ، يكمد جسمه الذى يكاد يتكسر الى نصفين من شدة الضعف . فكلما عاش يوما ازداد ضعفا كانه

يأكل من نفسه . يقضى الساعات بالبطحاء يقلب رأسه الكبير الذى استوت على احدى قرنيه - احتجاجا - شاشية شهباء . ولا يكلف الله شاشية الا وسعها . شغله راحة وفراغ . يبيع الريح للمراكب ويراقب بعينيه كل ما هب ودب . فيحيى مبارك بن سعدة عندما يمر به وهو يسوق قطيعا من الاطفال الى المدرسة ويقف عند الفحام فيشاهد ما بعربته من فحم وميزان . يزور من حين لآخر عم الحاج المغربي . حارس المدرسة الزيتونية او يتردد على الطاهر العطار لعله يجد شخصا يمتص حلوى او يأكل خبزا فيناوله قطعة ويقفز متطفلا ليشاهد

معركة بين طفلين او يستمع بزنقة الولى الى مشاجرة عم على الخضار اليومية مع زوجته . لقد وجد فى محيطه مخرجا لحيرته وسلوى لقلقه . ليس له سن فهو صديق الصغير والكبير يمشى مع كل بهواه ويندمج في كل ثقبة . اتخذ من بطحاء تربة آلباى مقرا وموعدا يترقب فيه اصدقاء للعب الكرة وتقتيل الوقت . فيقبلون عليه زرافات ووحدانا من الربط الآخر وباب الجديد وبطحاء رمضان باى . فيظهر حمادى " الفطايرى " وعبد الستار " الروفلين " ومنصف " جايمس كانى ثم يصل البوهالى الملاكم واصحابه " القزادرة " ذوو السواعد المفتولة والاسنان الذهبية الصفراء ، يجرون احذيتهم المنقوبة ، ما لئين الطريق ضجيجيا وقهقهة وصفيرا وغناء مضطربا . ويلتحق بهم بائعو السجائر وتذاكر الحافلات وحبوب القرع والبطيخ . فينتهي مطاف الجميع بالبطحاء فتتلاقى الاحباب وتتبادل التحيات بالمصافحة او بلكمة على الصدر يصوبها البوهالى  الى ادنى الواقفين منه . فاذا ضاع صديق ولم يدرك المكان نادى

- يا طرننو هاى .

- فيطلقها طرننو صيحة طرزانية تشق الفضاء : - هوى ، هوى ، هوى

فيقبل الصديق الضائع مسرعا مدركا المكان لان افراد الزمرة يعرفون تلك الصيحة التى تعلموها مع طرننو عند مشاهدة افلام " طرزان " وقردته " شيته " ، والسارق والصحيح من رعاة البقر بامركا وذلك بسينما " راكس " الموجود باخر نهج سيدى السوردو او سينما " بيجو " بباب الجديد الذى يترددون عليه يوم الجمعة اذا توفر المال او كثر الازدحام وغفل صاحب المحل عن مراقبة الداخلين والخارجين

فاذا وصلت الاغلبية يقفز عبد الستار " الروفلين " الى منزله بزنقة الولى فيأتى بكرة ويتوجه مع الرفاق الى بطحاء سيدى زهمول للشروع فى لعب الكرة . فتقسم الجماعة الى فريقين يدعيان عادة الترجى الرياضى والنادى الافريقى ويتوكلان على الله فى اللعب . . لعب يعتبر فيه كل لاعب حكما فتتصادم فيه السواعد المفتولة من صنف البوهالى والاشباح الهزيلة من شبه طرننو . فتتلاقى الارجل الحافية بالاحذية وتدمى الاصبع ويخر على الارض كثيرون مغشيا عليهم من جراء ضربة كان فى الظن توجيهها للكرة . فلا يسلم من الكرة احد حتى المارة . فمن كان معمما رأى عمامته تحزمه كانه يستعد لرقص " الهولاهوب " او مطربشا شاهد طربوشه يحلق فى الهواء كأنه صحن طائر او طفلا قبل الارض رغم أنفه . ويا ويل من يحتج لان وابلا من الشتم واللكم ينهال عليه فيتخلص شاكرا الله عما سلف

يستمر اللعب ساعات طوالا وطرننو ينادى ويصيح ، يجرى وراء الكرة وتجرى وراءه . انه لا يلعب بل يتظاهر باللعب مطلقا رجليه فى الهواء دون ان يصيب الكرة ويبتعد بمهارة كلما رأى البوهالى او أحد الصناديد مقبلا عليه . فان نشب نزاع حول تسجيل هدف فان المشكل يحل دائما بواسطة معركة حامية الوطيس يكون الحق بعدها فى جانب السواعد المفتولة الذين يؤيدهم طرننو فى الحق والباطل . لا ينبس طرننو ببنت شفة فى لعبه الا شتم الله الذى لا يعرف عنه شيئا سوى انه موجود فى جهة من السماء ، سعيد يحمد نفسه ويشكرها على سعادته . انه يشته ليروع أمه العجوز عندما  نرفض فتح الباب لاخذ الكرة من فوق السطح . فشتمة بصوت عال غاضب تكفى ليفتح الباب كما يفتح سمسم ابواب الكهوف

عندما ينهك العدو والصدام القوى ويقبل الليل فيؤمن الجمع ان شبح الفراغ والقلق قد رحل باقبال الظلام والنوم ، يتوقفون عن اللعب . فيجرى طرننو قبل غيره الى عين الماء بالبطحاء ليشفى غليله ويروح عن النفس من لفحة الحرارة التى اصابته ابان اللعب . ويرى بعده كل اللاعبين بالعين . وبعد استراحة ومناقشات حول المباراة يتجمعون ويتحرك ركبهم نحو صباط عجم يتقدمهم طرننو وهو يغنى بصوته الرخيم مع الجماعة :

بيبرا ، يابيبرا يا محله لعب الكورة لعب الكورة للشبان متعه وصحة للابدان

فيندمجون فى النهج المظلم القذر ويتفرقون على بنات الهوى لمغازلتهن او للضحك هنيهة معهن الا طرننو فانه لا يستقر عند واحدة منهن كأن كتب عليه زيارتهن جميعا لانه يعرف " اسمهان " السمراء السمينة ، و " دلندة " صاحبة الوشام الذى وشح يديها وصدرها ووجهها ، و " ليلى مراد " ذات الخد المحروق . انه صديقهن الروحى . فلا يجسر على مسهن او تقبيلهن رغم تشجيع الرفاق على ذلك :

- شلغمها عاد يا طرننو ، شلغمها يا سى الفرادى . انه يود فعل ذلك لكن يخشى العاقبة منذ ان تجاسر على " اسمهان " التى قالت له :

- اذهب ! انت لا ترضى بيك لا عزوزه ولا حتى بهيمه . فيصول ويجول بينهن يمتص باقى سيجارة يمدها رفيق او يختطف فطيرة من بائع فطائر صغير فيلتهمها وهو يقهقه رغم الاحتجاجات والبكاء . يقضى هناك ساعات ثم يفارق المكان عائدا الى منزله مارا بشارع باب الجديد ونهج الحدادين المظلم

تشرق الشمس فيعود طرننو مع زمرته للكرة . فيتحدثون كرة وياكلون كرة ويعيشون للكرة حتى يقبل يوم الاحد فيقومون بهجوم منظم على الترامواى والملعب البلدى بالبلفدير . فاذا بطرننو جالس فى احسن مكان بالملعب يرمق بعينيه اللاعبين واصحاب الجاه الجالسين بالقرب منه . انه من انصار " الترجى الرياضى " المتحمسين العاشقين له ، يهتز لانتصارات ذلك الفريق ويحزن لانهزاماته . فكم مرة كلفه حماسه مغامرات ومشادات مع الشق المعارض يتقاضى فيها قسطا وافرا من الضربات واللكمات التى تهدم له سنا او تزرق عينه او تمزق اشلاءه . لكنه لا يبالي فان كتب النصر للترجى عاد طرننو الى الربط مسرورا سعيدا فيشرح فى طريق العودة صدر الجميع . فيشنف اسماعهم ويثير حماسهم مستهلا ذلك برقصة وسط الطريق ، بحديقة البلفيدير فيصفق له الحاضرون مرددين

يا ببح ، يا ببح وياببح

فيلتوى ويلتوى دقائق طوالا حتى يخر على الارض . ثم يقف بعد هنيهة فيغنى مع المجموعة نشيد الرجوع الى الربط

الشربه وحده وحده والشربه عصره قارص

فتدوى الاماكن المجاورة من صياحهم ثم يقفزون فيهجمون على الترامواى ويتعلقون بمؤخراته وابوابه وشبابيكه ، يغافلون بائع التذاكر وينزلون فى

كل محطة ليعودوا للترامواى كلما تابع سيره من جديد الى ان يصلوا الى الربط حيث يترقبون أيام الاسبوع ليعودوا لجهادهم فى الحياة ، للكرة

واتى يوم لم يذهب فيه طرننو الى البطحاء لترقب الاصدقاء . لم يظهروا ولم تظهر الكرة . لقد اصبحت البطحاء خطيرة يدوى فيها رصاص البوليس  ويصفر ليرد هجمات جماهير غفيرة غاضبة انبثقت من كل نهج ومن كل فج كأنها سيل عارم متجهة نحو مسكن صلاح الدين البكوش . فكانت تفر وتكر وامتلات البطحاء نشيدا وصياحا وانفجارات يحتلها البوليس تارة ويفتكها المتظاهرون اخرى . لقد افتكوا منه غصبا بطحاءه واصبح متفرجا . فظل يتفرج اياما وكاد القلق ان يخنق انفاسه . فخرج من منزله واتبع المظاهرات من بعيد وهو صامت ثم اخذ يندمج فيها شيئا فشيئا حتى وجد نفسه فى مقدمتها يهتف مع الهاتفين ، يرمى الحجارة وكل ما تستطيع يده الحصول عليه من قشور القرع والبطيخ والقوارير المهشمة على البوليس والحافلات . لقد ضحى بشاشيته الشهباء فرماها لعلها تلطم بوليسا او تمس شقة من جدار مسكن البكوش . وكان يردد بكل جوارجه :

حمى يا حمى ، . . . يسقط استعمار . . يحيا بورقيبة ، يحيا بورقيبة ، الاستقلال ٠٠ الاستقلال فاذا جهل النشيد وغاب عنه صاح : يا ببح ويا ببح ، ٠ ٠الشربه وحده وحده

فكان يتصيد المظاهرات فى كل مكان من المدينة يدركها تارة وتفوته اخرى . فعدا ونادى وغنى وصاح حتى كاد يجن من الصياح . لقد ربط فرحته ونشوته بتلك المظاهرات التى كانت تسعده رغم الدماء التى تسيل والموت الذي يحوم فكان يهرب منه كما كان يهرب البوهالى فى لعب الكرة

وبغتة غابت المظاهرات واضمحلت بالسرعة التى كانت تنفجر بها كأنها اختفت فى ثقبة .

فسمع طرننو الناس يرددون فى شوارع المدينة ان الشعب التونسى قد نال الاستقلال وان فرنسا خرجت من البلاد وعاد الزعماء . فطار طرننو لهم لكنه عاد بعد ايام الى تربة الباى آملا رجوع الاصدقاء اليها وجمع الشمل بها لكن انتظاره طال ولم يظهر احد حتى الفحام . لقد انتهى كل شئ ، الكرة والاحباب وحتى المظاهرات والبوليس ففارق المكان بدوره وتسلح بقفة كبيرة ثم وقف امام السوق المركزية يترقب زبونا مثقلا يحمل متاعه .

اشترك في نشرتنا البريدية