- ١ - نريد ، كما يريد القراء معنا ، أن يكون " تاريخ مكة المكرمة " الذى نزمع اصداره ، - بتوفيق الله وحسن معونته - شاملا ، ودقيقا ، ومنظما . .
شاملا فى استعراضه لمجريات تاريخها من النواحى الدينية والثقافية والادبية والسياسية ، والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والصناعية والزراعية والمائية والاثرية والنباتية والحيوانية والمعدنية الخ . .
ودقيقا فى استعراض روايات وآراء المؤرخين القدمى والمحدثين ، وغربلتها وتحليلها تحليلا علميا ناقدا ومركزا . . ومنظما فى ترتيبه وأسلوبه واخراجه . .
ومن تنظيم ترتيبه واخراجه وضع " فهرس ابجدى " كشاف لمحتويات الكتاب من اعلام واماكن وغيرها ، وذكر المراجع فى ذيل كل صفحة ، ثم ذكرها مجتمعة فى آخر الكتاب بشكل فهرست عام لها . .
ولا ريب فى ان من يحرص على استيفاء ما يدونه عن تاريخ البلد الحرام لكل هذه الامور ، هو فى حاجة الى مراجعة عشرات الكتب التى تبحث فى تاريخ مكة الخاص ، والتى تبحث فى التاريخ العام ، وحتى تلك التى لا تبحث فى تاريخ مكة الخاص ولا فى التاريخ العام مثل كتب التفسير والحديث والادب والشعر ودوائر المعارف والتراجم والسير العامة والخاصة والفقه ، - هو فى حاجة ملحة الى مراجعتها وتتبعها فكثيرا ما يعثر من ثناياها على اشياء ثمينة من تاريخ مكة ترفده بمعلومات قيمة ونادرة . . كذلك هو فى حاجة الى مراجعة
المعمرين من اهل مكة والوثائق والمستندات التى تبحث فى انسابها واملاكها واوقافها . . ودراسة قديم عماراتها وحديثها وما الى ذلك مثل الصحف والمجلات والسجلات الخاصة والعامة . .
وهذه النظرة الشاملة الى البحث المستوعب الشامل ، هى التى قادتنى إلى النظرية الجديدة ، او الطريقة الجديدة التى هى : ( استنباط تاريخ المجتمع المكى ، من فتاوى علماء مكة الدينيين المعاصرين لذلك المجتمع ، خاصة فى العصور الوسطى والاخيرة التى لا يزال شئ من الغموض يكتنفها ) .
وكانت التجربة الاولى التى قمت بها فى هذا الشبان مائلة فى كتابين فى الفتاوى الفقهية . . ألف أولهما او جمع عنه - الشيخ محمد طاهر سنبل المكى المتوفى سنة ١٢١٨ هجرية بمكة المشرفة . وثانيهما الشيخ عبد الحفيظ بن درويش العجيمى المكى
المتوفى بمكة سنة ١٢٤٦ ه . . فكلاهما اذن من ابناء مكة ومن ابناء القرن الثالث عشر الهجرى ، اقرب القرون الى القرن الرابع عشر الهجرى الذى نعيش فى اواخره . . ولكنه مع ذلك كان اكثرها ضبابا فى حوادثه وتاريخه بالنسبة لنا . .
وكان كلا الرجلين من نوابغ ذلك العصر . . فى الفقه الحنفى . . كما يشهد به تراجمهما المستفيضة فى مختلف الاسفار المعاصرة لهما والتى الفت بعد عصرهما . تقديرا لمكانتهما العلمية المرموقة .. وقد اخذ ثانيهما عبد الحفيظ العجيمى - عن أولهما - محمد طاهر سنبل . . وقد اسند الى تلميذ الاول منصبا القضاء والافتاء . وهما اكبر المناصب الدينية العلمية التى كانت تسند الى فحول علماء الفقه بمكة فى ذلك الزمان . . وكان تولى الشيخ عبد الحفيظ العجيمي منصب قضاء مكة ، بدلا من قاضيها التركى ، فى زمن الدولة السعودية الاولى . .
وكان للشيخ محمد طاهر سنبل عدة مؤلفات ذكرت فى ترجمته وكلها او جلها تمت بصلة الى علم الفقه الذى برز فيه .
وكتابا فتاواهما اللذان هما موضع -٤- الحديث ، طبعا في القاهرة سنة ١٣٥٧ ه فى (٦١١) صفحة من الحجم الكبير واشرف على تصحيحهما الشيخ على بن حسين المالكى, احد علماء مكة المرموقين المخضرمين . بالنسبة للدولتين : الهاشمية والسعودية . . فقد كان اسند اليه فى عهد اولاهما - وهى الهاشمية - منصب ( وكيل المعارف ) بمعنى وزيرها أو ناظرها . . وكان
بالمسجد الحرام . . وتوفى وهو كذلك واكاد اجزم بان تصحيح الشيخ على ، للكتابين قد تناول فيما تناول تعديل بعض عبارات عامية وردت فى اصليهما كما قدمها المستفتون . . على انه بقيت بالكتابين بقايا منتشرة من هذه العبارات العامية الدارجة التى لا تتقيد بفن النحو والقواعد اللغوية الصحيحة .
وقد طبع كتاب محمد طاهر سنبل ، على هامش كتاب تلميذه عبد الحفيظ بن درويش العجيمى ، على النهج السائد فيما يطلق عليه بعض المعاصرين الذين يلقون الكلام على عواهنه - اسم ( الكتب الصفراء ) . على ان حقيقة بعضها انه اخضر زاهر ، وقيم وممتع ومفيد . .
وقد تناولت فتاوى الشيخ محمد طاهر سنبل " ٣٧ " موضوعا فقهيا . . وبداها بكتاب الطهارة ، واختتمها بكتاب المداينات والإبراء والاسقاطات . .
وتناولت فتاوى الشيخ عبد الحفيظ العجيمى" ٦٤" موضوعا فقهيا ، وقد بداها بكتاب الطهارة ايضا ، وختمها بكتاب الحظر والاباحة .
والذى لاحظته من اسلوب الكتابين انهما متمايزان بعض الشئ . . فأسلوب الشيخ محمد طاهر رصين متين ، وهو يميل الى الاسهاب والى الانطلاق من قيود المصطلحات الفقهية فى الفتاوى التى يصدرها ، وتقل نسبيا الاخطاء اللغوية فى كتاب فتاواه ، والشيخ العجيمى ذو اسلوب فقهى محض ، ويميل الى " الايجاز " و " تركيز الفتاوى فى الفاظ محدودة . . وتكثر الاخطاء اللغوية فى كتاب فتاواه . .
ولعله بذلك اراد ابقاء ما ورد اليه كما ورد ، والاجابة عليه بما يقاربه فى العبارات
.. ليفهم كل من العامة والخاصة الفتوى . . وقد رأينا ان نعلل ميل الشيخ محمد طاهر سنبل الى الاطناب ، وعدم التقيد بالفاظ الفقهاء ، بانه كان عالما ومدرسا ، ولم يكن مفتيا رسميا " حتى يتقيد بالرسميات فى فتاواه ، بخلاف الشيخ العجيمى الذى كان قاضيا وكان مفتيا رسميا . ولذلك آثر الايجاز ، وآثر التقيد بمصطلحات زملائه واسلافه من المفتين الرسميين . .
ومع كل ذلك فليس فى احد الكتابين اية فتوى مغلقة المعانى ، ولا اية فتوى مسجعة أو شبه مسجعة . . ان الفقهاء فيما عدا القليل منهم كان اسلوبهم مرسلا ، وكان فى عصر السلف خاصة سهلا واضحا ثم اعترى كتب الفقه فى عصور الجمود ، التعقيد المقصود وغير المقصود . . ولكن ( فن الفتاوى ) بقى على حاله سهلا مرسلا وقد يجئ ركيكا ملحونا . . وعلى هذا النمط كانت فتاوى الشيخين المكيين : محمد طاهر سنبل ، وعبدالحفيظ درويش العجيمى ..
- ٥ - وبمناسبة ما لاحظته من حصافة المفتيين المكيين ، وسعة مداركهما ، وطول باعهما فى علم الفقه ، واستنباطهما الفتوى فى المسائل المعروضة عليهما بطريقة المقارنة والقياس . . ومجاراتهما لروح عصرهما ، وتمكنهما من اسناد فتاواهما الى علم سابق وفتاوى سابقة ، وقد تم لهما ذلك باعمال فكريهما اللماحين فى قياس الحاضر بالماضى ، وهذه خطوة جديدة مهمة - يجب على مؤرخ الفكر فى مكة ان يعنى بها وان يبرز خفاياها . . هذا مع انهما كانا يعيشان فى القرن الثالث عشر الهجرى الذى اتسم بالجمود والركود ، وساعدت لقلاقل المنتشرة فيه على ذلك - فانى لا رى باسا من ان اقترح - بالمناسبة -
دراسة ما فى هذين الكتابين واشباههما فى الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة ، وفى جامعة الملك سعود ، وغيرهما من جامعات العالم العربى ، والعالم الاسلامى والعالم اجمع . . ليدرك طلاب العلم فى سائر انحاء الدنيا ان فى الفقه الاسلامى طراوة وطلاوة وشمولا وتطورا ، وجدة لا تبلى على مر القرون ، وتجديدا لا ينقطع ولا تنفصم عراه وانه يغنى الآخذين به ، الدارسين له الواعين لتعاليمه الحقة - عن استعارة النظم والقوانين الوضعية المستوردة التى طالما سعى واضعوها ومحبذوها فى شرق وفى غرب الى ان يحلوها محل النظم والقوانين الالهية الخالدة . . وقد اشار الى ما فى الدين الاسلامى من ذخائر نفيسة لا تنفد ولا تصدأ ، وطاقات وافية كافية لمن درسها ونفذها باخلاص ووعى سليم - صاحب السمو الملكى الامير " فيصل " نائب جلالة الملك وولى العهد ورئيس مجلس الوزراء - فى الخطاب القيم الجامع الذى ارتجله سموه فى الحفل الاسلامى الكبير الذى اقامه سموه ، بالقصر العامر فى مكة المكرمة ليلة ٦ ذى الحجة ١٣٨٣ه تكريما لوفود بيت الله الحرام.
-٦- والنماذج الفقهية التى تنطبق عليها نظريتنا الجديدة يشبه عرضنا لها فى هذا المقال ، صنع " اصحاب المعارض التجارية " الحديثة الذين يعرضون فيها بعض ما يهمهم نفاقه ورواجه من البضائع والسلع . . أ مام عملائهم ، بوصفها منسقة فى وجهات معارضهم الجذابة واننا من وراء عرض ذلك نأمل ان تلفت هذه النظرية الجديدة عن البحوث التاريخية - انظار الباحثين ، وان يوسعهما بحثا وتدقيقا وفحصا ، وان يرتفعوا بها الى مستوى امثل . . وأشمل
. . واكمل . . فالحقيقة العلمية دائما انما تجود بالثمار الزكية اذا سقيت بالبحث المنظم المتجرد الواعى . . ونأمل - مع ذلك - ان نتلقى رسائل تترى - باراء القراء الحصفاء . . فيما نحن بصدده . . ليفيدوا ويسهموا فى فتح آفاق جديدة للمعرفة . .
والاساس العلمى الذى بنينا عليه نظريتنا الهادفة الى استلهام كتب الفتاوى الفقهية لتاريخ البلد الذى صدرت عنه تلك الفتاوى من ذويها - استفتاءات وافتاءات - فى الزمن الذى صدوت فيه - يقوم على ان هذه الفتاوى - بشقيها المذكورين - هى أمور واقعية فى المجتمع الذى صدرت منه واليه وقد حدثت فعلا فى ذلك العصر وحدث الكثير من امثالها فى تاريخ ذلك البلد فى الزمن الذى صدرت فيه . . وحينما عرضت هذه الوقائع الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية والخلقية على الفقه الاسلامى من قبل ( المفتين ) الذين استفتوا فيها أبدوا آراءهم الفقهية تجاهها ، قياسا ومقارنة بما سبق ان حدث فى عصور اسلامية مضت وكان من نصيبها ان تحظى بدراسة وفتوى تلك العصور . . وليست مطلقا تلك الفتاوى بشقيها ، افتراضات ولا قصصا مخترعة . . ولهذا كله برقت فى ذهنى بارقة تتمثل فى ان هذه الفتاوى قد تصلح لان تكون احد مصادر التاريخ المعتمدة . . خاصة في العصور التى تنقصنا فيها المصادر التاريخية الشاملة . . وذلك بما يدور فى فلكها من شئون اجتماعية واقتصادية وعمرانية وتجارية وزراعية وصناعية ، وما الى ذلك . . وكلها قد حدثت فعلا لمختلف الافراد والطبقات ، واعطى فيها الحكم الشرعى
الاسلامى الملائم ، بشكل فتاوى فقهية . . وحينما برقت هذه ( البارقة ) فى ذهنى رأيت من المناسب تطبيقها علميا وعمليا ، وكان بمكتب نسخة من فتاوى الشيخين المكيين : محمد طاهر سنبل ، وعبد الحفيظ العجيمى . . وهما من اهل القرن الثالث عشر الهجرى ، فسلطت على كتابيهما اضواء النظرية الجديدة العتيدة . . فكانت النتيجة ( مطابقة ) ما فيهما للنظرية . . وبذلك صحت ( التجربة ) العلمية ودخلت حظيرة التجارب العلمية الحديثة وبهذا صح ان نظرية ( اتخاذ كتب الفتاوى الفقهية مصدرا من مصادر التاريخ الخاص والعام ) هى نظرية سليمة . . ممكنة التطبيق فى كل الفتاوى المماثلة . .
-٧- قد انسقنا الى اتخاذ هذه الطريقة - بحكم الحاجة . والحاجة كما يقولون ، أم الاختراع ، ولا ريب في ان حاجتنا وحاجة كل مؤرخ حصيف النظرات كبيرة - الى معرفة تاريخ واوضاع هذا البلد الامين عبر الاجيال . وما لدينا من مصادر تاريخها لا يفى بكل متطلبات هذه الحاجة . ذلك ان بعض الاحداث التاريخية المهمة فى تاريخ هذا البلد قد جمدها ( الإهمال ) من لدن مؤرخى مكة المكرمة أنفسهم فبقيت رهن الكتب التى ذكرت فيها ، ولم يعيروها التفاتا ، ولم يعرجوا على ذكرها فى كتبهم الخاصة بتاريخ أم القرى . . وهكذا بقى بعضها ( مجمدا ) فى كتب تراجم الاطباء العامة ، وبقى بعضها ( مجمدا ) فى كتب التاريخ العام وغيرهما .
وقد سبق ان قدمنا ( نماذج ) من هذا ( التجميد ) فى مقال افتتاحى فى هذه المجلة . . نشرناه بعنوان : ( ثغر مهملة من تاريخ مكة المكرمة )
- ٨ - والواقع أننا اذا تقصينا ( مدلولات ) هذه الفتاوى من كثب ، بفكر ثاقب لماح ، فاننا نجد كثيرا من محتوياتها تنز عن الالمام بالنواح المختلفة من تاريخ الجيل المكى الذى تعاصره ويعاصرها ، هى - بذلك - تدلنا ، من غير ان تقصد ، على عقليات القوم وعلى طرق معايشهم ، وأمزجتهم والبستهم ، وحياتهم ، وما يكرهون وما يحبون ، وأسباب صداقاتهم وتقاربهم ، وتآلفهم وأسباب عداواتهم ، وتخاصمهم وتفرقهم وما يثيرهم وما يبهجهم ، وما يزعجهم وما يقض مضاجعهم . وما يأكلون وما يشربون ، وما يعملون وما يقولون . . تطالعنا كل هذه الالوان من خلال ( أستار ) العبارات الفقهية التقليدية ، ومن وراء ( أنقبة ) الفتاوى الفقهية . . فاذا هيئ لنا ان نرفع الاستار الخفيفة ، والانقبة الشفيفة ، فسرعان ما يبدو لنا ما كان وراءهما من أوضاع تاريخ القوم ، مفصلة تارة ومجملة اخرى . . وعلينا ان نوصل بين هذا كله . . كما يفعل ( العالم الأثرى ) الذى يعثر على أثر نفيس متفرق ، فيوصل بين اجزائه ليخرج لنا من وراء عملية هذا ( الوصل ) او الترقيع الفنى المحكم - شخصية الهيكل الاصلى كاملة منظمة ، لذلك الاثر الممزق . . وهذا حكم عام يتمشى وينطبق - فيما أرى مع كل الفتاوى الفقهية التى هى من هذا القبيل ، لكل بلد ولكل جيل . . وبذلك تصبح نظرية الاستنباط موضوع البحث ، قاعدة عامة . .
-٩- ( فى كتاب الشيخ محمد طاهر سنبل )
١ - النص الفقهى أفتى الشيخ محمد طاهر سنبل بما نصه :
( فجواب السؤال المذكور يؤخذ مما تقدم انه اذا اقام البائع بينة بعد الصلح على انه باعه بتسعمائة ريال فرانسه ، فانه تقبل بيئته الخ ) (ص ٣٩٧ )
المفهوم التاريخى المستنبط من ذلك يستنبط من هذه الفتوى ان من"عملة " أهل مكة المتداولة بينهم فى اوائل القرن الثالث عشر الهجرى - الريال الفرانسه . المعروف الى اليوم بابى شوشة ، والذى يتعامل به فى اليمن الى عهد قريب
٢ - النص الفقهى ( سؤال فى شخص ارسل من ارض اليمن بضاعة من نوع البن الى شخص بمكة وكله وأمره ببيعها ، فباعها على شخص عرف بالوفاء بين الناس ، ثم افلس ذلك الرجل قبل قبض الثمن وتم يتدارك هذا البائع من عنده ، الا امة مملوكة دفعها له بثمن معين اوفاه بها من ثمن البن ، فقبض منه الأمة ثم بعد ذلك مرضت الأمة وماتت . هل يضمن هذا الوكيل او لا يضمن ؟
( جوابه : نعم يضمن . ففى واقعات المفتين لعبد القادر افندى زاده : الوكيل بالبيع إذا ابرأ المشترى من الثمن ، أو أجله أو أخذ بالثمن عوضا او صالحه من الثمن على شئ فذلك كله جائز على الوكيل عند ابى حنيفة رحمه الله ، ويضمن للموكل وعلى قولهما لا يجوز شئ من ذلك تحفة الفقهاء فى اواخر الوكالة ه . . ونحوه فى الذخيرة ) ص ( ٢٩٩ )
المفهوم التاريخى المستنبط من ذلك : اولا - ان التجارة فى زمن هذا المفتى كانت قائمة بين اليمن ومكة
ثانيا - ان البن كان من عروض هذه التجارة . .
ثالثا ان الافلاس كثيرا ما يعترى تجار مكة يومئذ . . ولعل سبب ذلك يعود الى شدة اضطراب الامن والاحوال .
٣ - النص الفقهى : ( سؤال فيما إذا اشترى شخص شيئا معينا بقروش معلومة او استأجر كذلك ، واراد ان يدفع الثمن أو الاجرة من الريالات مثلا ، وكانت حين العقد كل ريال باربعة قروش ونصف ، ويوم الدفع بخمسة قروش . . فهل يعتبر وقت العقد او وقت الدفع ؟
( جوابه : ان كان الثمن او كانت الاجرة معجلة فالمعتبر وقت حلول الاجل ، لأن القرش فى الاصل عبارة عن قطعة من الفضة مضروبة ، ثم صار فى العرف يطلق على كل اربعين ديوانيا ، لا على جزء معين الريال او غيره . . فاذا اشترى بعشرة قروش مثلا فهى عبارة عن اربعمائة ديوانى لكن جرى العرف ايضا بأنها تسمى القروش ويكون الدفع من أى معاملة تكون رائجة فى ذلك الوقت . . وهذا العرف معتبر ، كما يستفاد من الغنية . . فان كان الثمن معجلا ولم يدفعه اليه الا بعد تغير سعر الريال ، فالواجب له اربعمائة ديوانى وقت العقد ، لان الثمن حال ، وهو ريالان وغوش ، وان كان مؤجلا فله اربعمائة ديوانى ايضا . . وهى عند حلول الاجل عبارة عن ريالين فيدفعها اليه ، ففى الحقيقة ان الثمن لم يتغير حتى يوجب جهالة منه . . وانما
زاد سعره او نقص ، فالواجب دفعه مطلقا ولا ينظر الى زيادة سعره او نقصه ، الحال ما ذكر . . وحيث كان العرض جاريا بما ذكر يعمل به فان تغير العرف عمل بما يتعارفونه فيهم ، لان الامر مبنى على العادة والعرف والحال ما ذكر ) (ص ٢٤٦ و ٢٤٧ )
المفهوم التاريخى المستخرج مما ذكر : اولا - ان القرش - قبل القرن الثالث عشر الهجرى كان عملة فضية معروفة وضع لسعرها اربعون ديوانيا
ثانيا- وبعد ذلك اختفى القرش الفضى المذكور من الاسواق وبقى القرش المعنوى حالا محله . .
ثالثا- ان سعر الريال بالقروش كان عرضية للتغير زيادة ونقصا فى ذلك العهد
رابعا - ان وحدة العملة لديهم كانت القرش ذا القيمة المعنوية البالغة أربعين ديوانيا
خامسا -قد يرتفع سعرالريال بالقروش فيصل إلى خمسة قروش ونصف القرش ثم يصعد الى احد عشر قرشا وقد يصعد الى احد عشر قرشا ونصف القرش كما ذكرته فتاوى العجيمى . . وقد ينخفض حتى يبلغ السعر اربعة قروش ونصف القرش . . وهذا كله يدلنا على اضطراب ميزان التجارة وعدم تنظيم شؤونها . . كل يعمل ما يريد فى الهبوط مالى مال او الصعود .
( فى كتاب الشيخ عبد الحفيظ العجيمى )
النص الفقهى : ( سئل عن رجل قايض رجلا آخر ، ودفع له ساعة ، واستعوض - استناض - بدلها طبنجة سلاح على انها صاغ - اى سليمة -
وثمانية ريال - ريالات - فبعد مضى ليلة وجد الطبنجة خربانة ( خربة ) معيوبة ( معيبة ) . . فى كل ترد على صاحبها ؟ ام تقوم صحيحة ومعيوبة ( معيبة ) وينقص من قيمتها ؟ ام كيف الحكم ؟ افتونا . .
(اجاب : نعم ترد على صاحبها إذا ثبت ان العيب قديم ، ولم يحدث عند المشترى ما يمنع الرد وحلف على ذلك . وعرضها على البيع قبل العلم بالعيب لا يمنع الرد والله اعلم ) ( ص ٢٣٢ )
المفهوم التاريخى المستنبط من ذلك : اولا - كانت الساعة الزمنية الميكانيكية مستعملة لدى اهل مكة فى القرن الهجرى الثالث عشر
ثانيا - والطبنجة كذلك وهى ( المسدس أهم الضخم ( القديم ) كانت موجودة ومستعملة لديهم اذ ذاك . .
النص الفقهى : ( سئل فيمن اشترى شيشة منذ سنة وتسعة اشهر ، وفيها عيب قديم ، فعمى عليه بالصفر والسلك فخرج الصفر والسلك ، وظهر العيب ، فهل ترد على بائعها بعيبها ذلك ام لا ؟ افتونا !
(اجاب : إذا ثبت ان العيب الذى ظهر قديم من عند البائع ، ولم يحدث بعد الشراء ما يمنع الرد من عيب آخر ونحوه فله ردها . . واذا حدث ذلك فله الرجوع بالنقصان . . والله اعلم ) ( ص ٢٢٩ )
المفهوم التاريخى من ذلك : اولا - كانت - الشيشة - موجودة ومستعملة لدى اهل مكة فى ذلك القرن .
ثانيا - كانت تجارتها رائجة حتى اقتضى
حدوث بعض ملابسات فيها الى الاستفتاء ،
والشيشة فى لهجة اهل الحجاز ومنهم اهل مكة هى ( الكركرة ) التى يعبا بطنها بالماء ويرص فوق فوهتها العليا جمرات تحتها تمباك ، فى الزمن القديم ، وجراك فى العهد الحديث ، ولها ما يدعى باسم " اللى" ( بتشديد اللام وفتحها وبعدها ياء مشددة ) ويمتص منه التمباك او الجراك بعد ان يكون مر بالماء الذى وضع فى جوفها للتبريد وتقليل شدته.
النص الفقهى ( سئل فى رجل من ( الجاوى ) تزوج بامرأة من اهالى مكة ، ثم طلقها وله منها بنت بلغت من العمر ستة ( ست ) سنين ( سنوات ) . فهل له نزعها من عند أمها ويسافر بها إلى الجاوى أم لا ؟ وكيف الحكم ؟
( أجاب : ليس له ذلك ) ( ص ١٠٥ )
المفهوم التاريخى هما ذكر اولا - كان معتادا منذ القرن الثالث عشر الهجرى ، وربما قبله ايضا ، ان يتزوج حجاج " جاوى " الوافدون الى مكة من أهلها
ثانيا - وبعضهم اذا رزق أولادا من أزواجهم المكيات وطلقوهن حاولوا نزعهم منهن واخذهم الى بلادهم النائية .
ثالثا- وقد حصل نزاء فى ذلك بين بعضهم وبينهن أو بينهم وبين اهليين من مكة فادى الامر الى أخذ " فتوى " شرعية من مفتى مكة . . وقد أجاب بما يتفق مع الشرع وهو فى مصلحة أهل مكة من عدم جواز النزع والسفر بأولاد الامهات المكيات الى بلاد جاوى النائية . . وربما كان سبب صدور هذه الفتوى بهذا الشكل ان بلاد جاوى اذ ذاك كانت
محكومة بالاجانب " الهولنديين " ولا يجوز ترحيل أمثال اولئك الى بلاد تحكمها دولة غير اسلامية .
النص الفقهى : ( سئل عمن اشترى حصانا بأرض الروم بثمن قدره مائة واربعون قرشا ثم غاب عن البلد قبل دفع الثمن للبائع ، ثم بعد خمسة " خمس " سنين قدم البائع الى مكة المشرفة ، بقصد الحج ، فوجد المشترى المذكور بمكة فطلبه ثمن الحصان ، فأجابه الى ذلك . . لكن تنازعا فى المعاملة . فهل يلزم المشترى دفع الثمن بسعر المعاملة فى بلد البيع " وقت التبايع " ، أو بسعرها الآن بمكة ( وقت الخلاص ) . . والحال ان التفاوت فى سعر المعاملة بين بلد البيع ومكة بنحو النصف . . لان الريال ببلد البيع وقت التبايع كان سعره ستة قروش . وسعره الآن بمكة وقت الخلاص احد عشر قرشا ونصف . فكيف يكون الحكم فى ذلك ؟ افتونا )
" أجاب : يلزمه دفع اتقدر الذى صار العقد عليه من القروش الرومية والحال ما ذكر " ( ص ٢٣٢ )
المفهوم التاريخى المستنبط من هذه الفتوى : أولا - ان الحصان من الخيل كان سعره اذ ذاك بالاستانة ( ١٤٠) قرشا وربما زاد قليلا فى مكة لان من اشتراه بهذا الثمن وجاء به مكة مجتازا البحر لا بد أن يطلب مزيدا من الثمن يندرج فيه التكاليف والربح معا .
ثانيا - ( المعاملة ) هذه الصيغة كانت مستعملة فى القرن الثالث عشر الهجرى
بمعنى ( العملة)
ثالثا - ان سعر الريال عن القروش بمكة يعلو وينخفض . يعلو حتى يصير احد عشر قرشا ونصف قرش وينخفض حتى يبلغ نحو نصف هذا السعر . .
رابعا - ان القرش كان ( وحدة العملة ) لديهم . . كما أشار اليه الشيخ محمد طاهر سنبل ايضا فى فتوى سبق لنا ايرادها . . وعلى سعر القرش كان المعدل - لا الريال . . كما اتفقت عليه فتوى الشيخين : السابقة لمحمد طاهر سنبل ، وهذه للعجيمى
خامسا -كانت البلاد التركية تعرف فى القرن المذكور باسم الروم .
سادسا -ان " الريال" . . كان من عملاتهم المعروفة . وكذلك القرش . .
النص الفقهى : ( سئل عمن اشترى حبا من انسان . كل كيلة بقرشين ونصف . . ثم ان المشترى قال للبائع : يأتيك رسولى بالاناء . . كيل له تسع كيل : " فقام " البائع وأرسل الفلوس معه ، ثم ان المشترى ارسل رسولا بالماعون والفلوس . فقال البائع للرسول : ارجع بعد ساعة . . فرجع الرسول ثانيا وأعطاه الحب . فقال الرسول : كله لى ! فقال : انه مكيول " مكيل " ثم ان الحب وصل الى المشترى والبائع سافر من يومه . فكال المشترى الحب وابقاه لانه ناقص . فقال : ان كان هذا البيع صحيح لازم ( صحيحا لازما ) فهو عندنا . . وان كان فاسدا او لكل منهما فسخه رددناه . فهل هذا البيع صحيح لازم ؟ او باطل لازم البائع ؟ أو لكل منهما فسخه ؟ واذا كان لازم ( لازما ) للمشترى فهل يصدق بدعوى النقص ؟ أم كيف الحكم افتونا ؟
(أجاب : نعم ! البيع صحيح لازم ليس لاحدهما فسخه بغير رضا الآخر ، ويصدق الرسول في قدره والله اعلم ) ( ص ٢٢٣ )
المفهوم التاريخ المفهوم التاريخى من الفتوى أولا - صيغة " الحب " بمعنى " القمح هى المستعملة اذ ذاك وحتى الآن فى لهجة أهل مكة
ثانيا- الكيلة هى المعيار الذى يكال به الحب . .
ثالثا -كانت قيمة كيلة الحب يومئذ قرشين ونصف القرش . . أى نحو سدس الريال اذا جعلنا سعره احد عشر قرشا ونصف القرش كما مر بنا ونحو نصفه اذا كان سعره نحو خمسة قروش .
النص الفقهى : ( سئل فيمن اشترى أرضا ، وبها قهوة مبنية عشة بايجار من البائع ثم فرغت مدة ايجار صاحب عشة القهوة فأراد المشترى تقليع عشة القهوة حيث انتهت مدة ايجاره ، وامتنع صاحب العشة . فهل يجبر صاحب العشة على قلع ما وضعه بعد انتهاء مدة الايجار أم لا ؟ أفتونا . .
اجاب : نعم ! حيث انتهت مدة الاجارة وكانت الارض ملكا يجبر على قلعها المستاجر والله اعلم ) ص ٢٢٢
المفهوم التاريخى لما ذكر اولا - كانت القهاوى ( المقاهى ) موجودة مرتادة من قبل أهل مكة فى ذلك العصر ثانيا - يوجد من بين المقاهى المكية ما كان مبنيا بشكل عشة . .
النص الفقهى : ( سئل فى رجل ارتحل من مكة باهله إلى جدة . . للتعيش ، واستاجر بها دارا ، سنة كاملة ، وسكن من السنة خمسة أشهر ، ثم عن له الرجوع الى وطنه بأهله . . فارتحل بهم الى مكة فيمل اذا ارتحل تنفسخ الإجارة ويكون الفسخ من النهار الذى ارتحل فيه ؟ أو لا تنفسخ الاجارة وتكون الدار مضمونة على المستأجر ؟ أم كيف الحكم ؟ أفتونا . . ( اجاب : نعم ! سفر المستأجر عذر فى فسح الاجارة . . قال القهستانى : سفر مستأجر دار السكنى عذر ، دون سفر مؤجرها والله أعلم ) ( ص ٤٠٨ )
المفهوم التاريخى أولا - ان من أهل مكة من تضطرهم ظروفهم المعاشية للرحيل عنها بأسرهم اذ ذاك الى جدة لتحصيل المعيشة ثانيا - ولكنهم قد لا يتحملون الغربة فيعودون الى وطنهم مكة فى ظرف سنة قدومهم الى جدة .
النص الفقهى : ( سئل فى رجل له دار بجدة معدة للاستغلال ، وهو بمكة ، فأرسل له رجل من جدة يطلبها فى وسط السنة الى تمام السنة . وذلك المرسل يعلم أجرتها الخ ( ص ٤١٢ )
المفهوم التاريخي أولا - ان أهل مكة كانوا يملكون بيوتا معدة للاستغلال فى جدة وربما لارتفاع أجورها . . بالنسبة لدور مكة ثانى - ان بعض اهل جدة كانوا
يستاجرون هذه الدور منهم .
النص الفقهى : ( سئل فى رجل تزوج امرأة وسمى لها مهرا ستين ريالا ، وله بستان فرهنه عند زوجته المذكورة الخ . . ( ص ٤٨٥ )
المفهوم التاريخى أولا - ان المهر فى مكة اذ ذاك قد يصل فى صعود أو هبوط الى ٦٠ ريالا فقط ثانيا - ومع ذلك قد لا يوفى الازواج زوجاتهم هذا المهر . .
النص الفقهى : ( سئل فى رجل اشترى (سدارى ) من حجاج ، فجاء رجل وادعى فى ( السدارى ) بانها " حقته " راحت عليه حين انكسر " ت " دكانه عن جملة حوائج ( امتعة ) . وترافعوا الى الحاكم الشرعى ، فطلب الحاكم البينة من المدعى ، فأتى بها ، فأمر الحاكم الشرعى المدعى عليه بدفع ( السدارى ) الى المدعى ، فدفعها اليه . فقال المدعى : انا ما ( بى السدارى ) ما ( بى الا بقية الحوائج . . أى ما أريد الصدارى وانما بقية امتعتى ) فهل تلزم المدعى عليه بقية الحوائج أم لا ؟ أفتونا . .
( أجاب : لاتلزمه بقية الحوائج " الامتعة " وان اتهمه المدعى بها يحلف يمينا . والله اعلم ) . " ص ٣١٧ "
المفهوم التاريخي اولا - ( السدارى ) جمع سدرية ، صيغة محرفة عن " صدرية " بفتح الصاد بمعنى الثوب النصفى الذى يلبس ليغطى الصدر فقط . . لا اسفل منه . . وهذا اصطلاح
حجازى . . وكان يسمى ( النصفية )
ثانيا - ان هذه الصدارى كانت مستعملة فى القرن الهجرى الثالث عشر بمكة . ومن قوله : انه اشترى السدارى من حجاج نفهم انها كانت تستورد ايضا من الخارج .
النص الفقهى : ( سئل فى شخص له برقع ملألأ ، فقد عليه فوجده فى يد رجل آخر ، الخ ( ص ٣١٧ )
المفهوم التاريخى ندرك من النص السابق ان البراقع الملألأة كانت مستعملة لنساء مكة فى ذلك القرن . .
وبعد ، فهذه نماذج قليلة من كثير . وغرضنا من تقديمها هو " تقويم " (١) نظريتنا الجديدة القائلة بأنه من الممكن استنباط بعض تاريخ أوضاع مكة المكرمة فى العصور الغابرة ، من كتب فتاوى فقهائها النابهين . . للاسباب التى سبق أن اوردناها . . وهى خطة لها فائدتها لمن يريد ان يكتب " تاريخ مكة المكرمة" فى حقب الغموض والجمود والاضطراب التى تشح فيها المصادر المفصلة عما ذكر . وبحسبنا اننا فتحنا " بابا جديدا " من أبواب مصادر التاريخ . . لم يكن سبقنا اليه أحد فيما نعلم . . والله الهادى الى سواء السبيل ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل ١٣-١٢-١٣٨٣ ه

