نشرنا في عدد سابق فصلا من قصة فاتح والى " مولد البطل ، التى احرزت على جائزة " على البلهوان .
وننشر فى هذا العدد صفحات من قصة اخرى للكاتب نفسه بعنوان : " طريقى التى اخترت " . وقد الفتت هذه القصة نظر لجنة التحكيم لجائزة بلدية تونس فى السنة الماضية ، فاوصت بتشحيع الكاتب الناشىء
قال فاتح والى فى مقدمة قصته
" قرأ صديق لى هذه القصة فقال : انها يوميات - وقرأها آخر فقال : انها اكثر من اقصصوصة .
أما أنا فأقول انى لم أكتب قصة . فيها حركة وفيها اشخاص وفيها معنى تهدف اليه . الا انها تخالف القصة الكلاسيكية العادية فى الشكل وفى طريقة تناول القضايا . انها محاولة للخروج بالقصة من تلك السبل المعهودة التى لم تعد تستهوى القارىء التونسى كثيرا .
ان القصة الكلاسيكية تحجرت ، وجمدت . ولم تعد تحلو قراءتها وان بلغت روعة موضوعها شأوا كبيرا
لذلك رأيت ان الطريق الموفقة هى الانطلاق من واقعنا القومى وتناول قضايانا المصيرية ثم تقديمها فى قالب جديد ، وفى شكل جديد ، وفي اسلوب جديد وبمنظار جديد - حتى يلتقى القارىء التونسى مع نفسه فى اطار مستحدث غير مبتذل "
ولعل في هذه اللقطات من قصة " طريقى التى اخترت " كافية للتعريف بها لدى القارىء
ملخص الفصل الاول
فى شهر جويلية 1961 - تبدأ القصة بتسجيل رد فعل شاب صحفى تبعته مدينته كلها بعد خطاب المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة الذى نادى فيه بالتعبئة الشعبية العامة لتحرير بنزرت
وفى هذا الفصل تصوير لرد فعل الشعب فى القرية والريف والمدينة
وسيلاحظ القارىء ان الكاتب لا يقف عند الحدث بل يتجاوز فيه صاحبه مجرد الوصف الى معناه العميق الاجتماعى والانسانى المصيرى
الفصل الثانى
16 جويلية 1961 . البلدة . فى مقهى المحطة ، بالبلدة ، جمع من الناس جلوس
يتحدثون عن شؤونهم واعمالهم ويلعبون بالاوراق ، وينظرون حولهم بعيون فارغة ، شاردة ، تتنقل من الزبائن الى الصور المعلقة فوق الجدران . " الدن " يتجول بين الموائد ويوزع كؤوس الشاى والقهوة
فى مقهى المحطة بالبلدة شاب يجلس وحيدا امام مائدة ، يترشف الشاى ، يتنفس سيجارة ويلفظ الدخان فى الفضاء ، بحركة آلية .
ملامح وجهه قاسية ، عيناه براقتان ، من هيئته تشع القوة المتحفزة والتململ الغاضب .
نظر الفتى يتبع ما يجرى فى المقهى ، متفرسا ، مستطلعا . ثم ينطلق احيانا خارج المقهى فى الفضاء الرحب ، يحيط بالبساتين وغابة الزيتون ويتعداها الى السهول المنبسطة المشرقة تحت اشعة الشمس ، توشحها سنابل القمح الصفراء . هناك يستقر نظر الفتى طويلا ، فوق السهول ، ثم يشرد ، وتغشاه سحابة حزن . وفى كل مرة يرتد الى داخل المقهى حادا حاقدا ، وتمتد انذاك يد الفتى الى فمه ، فيتنفس السيجارة بقوة وينفث دخانها بعصبية وانفعال
فى مقهى المحطة بالبلدة جمع من الناس جلوس
يبدو عليهم التواضع جميعا فيوحد بينهم ويصورهم فى مشهد منسجم . تواضع فى اللباس ، تواضع فى الهيئة ، تواضع فى الحركات المحتشمة
هم اهل البلدة ، عملية يوميون ، فلاحون صغار ، باعة فى السوق . الذين تسميهم الجماهير الكادحة ، والطبقة الشعبية . المعسرة فى عيشها ، الساذجة فى طبعها ، البسيطة فى تفكيرها .
صفحات الوجوه داكنة ، صلبة ، ظهرتها الشمس ، وعبثت بها الاعاصير فى الحقول وحضائر الشغل ، عيون عميقة ، ونظرات ساكنة تشع منها مسحة حزن كمين ورفض صامت ، أيد غليظة خشنة ، لم تتعود مسك القلم والقرطاس وانما الفت الرفش والمعول .
يضحكون ، ويضجون حول موائد لعب الاوراق ، ولكن الوجوم تبقى صارخة بالالم الدفين ، تتحدث عن شقاء اصحابها ، يعملون النهار كله ، من صباحه الى مسائه يكدون طول السنة ، لا راحة ولا استجمام . ويبقى الرزق قليلا والدخل هزيلا ، ويمضى العيش كله عناء وتعب . تسوده الحاجة ويحفه العوز
فى الملامح وفى العيون احاديث . .
فى الملامح وفى العيون قصة . . مفجعة . . . مؤلمة
من الميلاد إلى الموت . من البداية الى النهاية ، لا شئ . فراغ ، عدم ، قنوط . بيوت ، هى قبور تدفن بين حيطانها المآسى ، وتخفى وراء جدرانها الدموع والآلام
عمل فى الضيعات . هو ارهاق مضن ، عرق جباه غزير لتنتج الارض ، ليثمر النبات ، ثم لتعود الخيرات الى الآخرين الذين أتوا من بعيد ، الذين ليست الدار دارهم ، ولا الارض أرضهم
ايد فارغة ، جيبوب فارغة ، بطون فارغة .
فى الطريق ، يسير القوم والرؤوس مطأطأة خوفا من مواجهة صفحة السماء اللألأة ، وأبصارهم مصوبة نحو الارض خشية ان تلتقى ببعضها بعض . فيأخذها الحياء من شعورها بالعبودية
قنوط فى النفوس ، بؤس أملاه القدر ، لا امل فى صباح جديد ، من الشعور خلو من الكرامة ، لا ايمان بذاتية ، ولا بكيان ، ولا بانسانية .
معذبون دائما ، أبا عن جد . . جيلا بعد جيل
في الملامح وفي العيون احاديث . .
في الملامح وفي العيون قصة . . رائعة . . بطولية . . .
أمل بعد يأس . عزم بعد استسلام . ايمان بالنفس ، تحد للقدر ، وقرار بصنع المصير
امتداد الانظار لما احتكره الاجانب ، ثم امتداد الايدى اليها لاسترجاعها ، لاقرار العدالة
فكانت نار ، ودماء ، وموت ، ووحشة السجون ، وقسوة المنافى
هذه بطحاء البلدة تقص القصة . .
هذه ازقة البلدة تروى . .
هذه الضيعات تقص
هذا المنجم فى الجبل يشهد . .
صدام ، وعنف ، وضرب ، مرات ومرات فى مناسبات ومناسبات توالت عبر الايام والشهور والسنين . .
كثيرون هم الذين اعدوا فى البطحاء ، كثيرون هم الذين رووا تربة الازقة بدمائهم ، كثيرون هم الذين رفضوا العمل المهين فداستهم الجرارات ، كثيرون هم الذين أبوا اقتلاع المعدن من المنجم فحملوا فى الحافلات . كثيرون هم الذين ذهبوا ولم يعودوا ، كثيرون هم الذين في دربهم ساروا حتى كان الوعد الحق . . واطرد الدخيل . . وابعد الغاصب . .
فى مقهى المحطة بالبلدة جمع من الناس جلوس . .
ينتظرون
لقد طلع الصبح الجديد ، جاء اليوم الموعود . البلدة غدت لهم يواجهون صفحة السماء اللألاءة بلا خجل ، ينظرون فى عيون بعضهم بعض بلا حياء . في نفوسهم يرقص الامل ، لان وراء سهول البلدة افقا مشمسا فسيحا ، لانه اصبح لهم غد .
انهم ما زالوا ينتظرون . .
ان تعاد اليهم الضيعات حيث كان آباؤهم نشأوا
ان ترد اليهم المزارع حيث كان آباؤهم عملوا ونعموا بالخيرات
ان ترجع اليهم حقولهم التى هى حقول آبائهم ، ليحرثوها ، ليزرعوها ، ليجنوا ثمارها .
ان يسيروا فى الطريق ، متساون فى الحظوظ
ان يقبلوا على الحياة متعادلين فى العتاد
فى مقهى المحطة بالبلدة جمع من الناس جلوس . .
من قلب جهاز المذياع صوت ينبعث صداحا ، جليا ، نحاسيا . الحاضرون يعرفونه ، رافقهم سنين ، والفوه فى المعارك سنين
يقول الصوت ان الافعى لم تمت . ما زالت تقف بيننا واليوم الموعود . انها تقف على شاطىء البحر ولكن الامواج لم تغمرها بعد لتبتلعها
يقول الصوت :
"ابت فرنسا الاعتراف بسيادتنا على القاعدة ، وانكرت حقنا الشرعى فى المطالبة باسترجاعها الى حضيرة الوطن ، ولقد ذهبت فى تعنتها حتى رفضت فتح مفاوضات معنا تحدد فيها آجالا معقولة لانسحاب جنودها تدريجيا من القاعدة ، امام هذا التصلب ليس لنا الا ان نلجا الى طرق اخرى من الكفاح لذا اقرر التعبئة العامة وادعو الفدائيين للالتحاق ببنزرت . . "
يقول الصوت :
" لا شك انه سيستشهد البعض من المواطنين ، فليعلموا جميعا ان تضحيتهم لن تذهب سدى ، لا بد ان نسترجع القاعدة مهما كان الثمن ومهما طال الزمن . . . "
ورقول الصوت انه بعد ان تموت الافعى يصفو الجو ، تطمئن النفوس ، يحلو العيش ، تجود الارض بخيراتها . يعم الرخاء
في مقهي المحطة بالبلدة جمع من الناس جلوس . .
مثبتة عيونهم فى جهاز المذياع ، مفتحة آذانهم صاغية ، جامدة ايديهم ، نوقفت عن اللعب بالاوراق عن رفع كؤوس الشاى ، عن العبث بالسجائر
لم يتساءلوا ، لم يتشاوروا ، لم يترددوا ، لم يساوموا ، ملامح وجوههم توترت ، وتقطبت ، نظراتهم قست ، وفى نفوسهم شعور واحد جماعى ، هزها هزا عنيفا جبارا .
غدا يذهبون الى بنزرت . . لتكون الجولة الاخيرة .
اما انت فوقفت ، بقامتك القصيرة ، مددت ذراعك امامك كانك تخطب ، وقلت بلهجة عازمة .
" اعتبرونى من الآن فدائيا ، يجب ان تنجى هذه الغمة ، ما الفائدة من هذه الحياة التى نحياها . . . "
ثم خرجت ، اتجهت نحو السياج الحديدى الذى يحيط بالساحة الملاصقة للمقهى
ومكثت هناك تشيع النظرات يمينا ويسارا ، كانك تتأمل فى روعة الاطار الطبيعي المحيط بك . . جميلة هى البلدة . ببساتينها الحضراء ، بغابتها الكثيفة بالزياتين يفوح منها شذى طيب ، بمزارعها التى تتجلى فيها ثمار الارض شهية زكية . . او كانك تنعم بالنسيم اللذيذ الذى ينحدر من قمة الجبل ينتعش به الجسم وتنتشى به الروح .
قرأت فى وجهك الحزين انها بعيدة عنك مثل تلك الاحلام . . انت حرمت من حظك فى الذهاب الى المدرسة . لم تقرأ الادب . لهم تحفظ الشعر لتستفيق روحك الى جمال الطبيعة ، لتطرب بخرير المياه وزقزقة العصافير ، لتبتهج بزرقة السماء الصافية . . كانت فى ذهنك تتراقص افكار ليست من وحى سحر الطبيعة . في باطنك تتسارع هواجس حزينة النغم ، أليمة الوقع ينبثق ينبوعها من قضية مصيرك المشؤوم ، من معظلة وجودك التعس . انك تألمت من حياتك الحالكة بظلام الحاجة وقلة ما في اليد ، مللت عيشك الهزيل الذي لا يتراءى فى افقه استقرار ولا اطمئنان ، لم تعد تطيق هذا العذاب الدائم المتجدد ، وهذا السعى المضنى القائل وراء رغيف ضئيل . انك لم تعد تحتمل هذه الحياة الفارغة ، بلا امل ولا هدف تلك هى ايام من التعاسة المتراكمة والهموم المتزايدة
ترى من انت ؟
انا . . ؟ فتى من مواليد هذه البلدة ، نشأت فى احضان الفقر ، وترعرعت فى ظلام الجهل ، وظيفتى فى المجتمع عامل يومى بحضيرة الشغل ، اعطل كثيرا واستخدم قليلا .
ذات يوم ، منذ سنين خلت ، تفتحت عيناى على وضعى التعس وصفعت خدى حقيقة وجودى . الفيت نفسى واهلى غارقين فى وحل الفقر ، لا نكسب من رزق الدنيا الا قوت يومنا ومن متاع الحياة الا اثاثا باليا ، جمعته أمى من فضلات الآخرين . لا خير نرجوه ولا يسر نؤمله ، لا نور فى افقنا ، عالمنا سواد فى سواد ، بؤس على بؤس . . والفيت نفسى املك من نور المعرفة آيات قرآنية ارددها ولا افقه معناها . . الاسرار تكتنفنى . . الالغاز تحيرنى . . لم انا فقر وغيري غني ؟ لم انا اجوع والآخر يشبع ؟ لم انا اشقى وذاك يسعد من انا . . شىء من اشياء مجتمعى ، لا قيمة لى . . لا شخصية ، لا مكانة لا كرامة ، لا عزة ، اغدو واروح ، انام واصحو وسط عالم ضيق تختنق فيه انفاسى ، لا يعبا بامرى ولا يحفل بوجودى ، مجهول مع المجهولين ، نكرة مع
النكرات ، تافه مع التافهين ، معدم مع المعدمين ، حقير مع المحتقرين ، دابة مع دواب ذلك القطيع من امثالى الذين نصيبهم الحرمان ، الحرمان من الشعور بذاتهم من الايمان بانسانيتهم . . تألمت لحالى ولحال امثالى . تمردت على وضعى ثرت ، طمحت نفسى الى ما ينعم به السعداء من نعيم السعادة ، تاقت الى الرمي بشقائها عرض الحائط وتعويضه ، هناء وفرحا ، وغناء تطلعت الى عيش يبسم فيه الامل ، وتتفتح منه الافاق ، نزعت الى الشعور بالكرامة والعزة عوض الاحساس البغيض بالحقارة والدون
والتقيت بحقيقتى فى بركان الثورة ، وجدت فى الكفاح التحريرى منفذا لتمردى على وضعى ، ونقمتي على الاوضاع الجائرة حولى ، عملت بكل ما فى من كراهية لبؤسى وثورة على شقائى . اضربت عن الشغل ، قدت المظاهرات القيت الخطب ، عوقبت اطردت ، جعت دخلت السجن مرات ومرات ، ذقت من البوليس جميع الوان تعذيبه الشديد ، ولم اضعف . ولم اتخذل ، صلب عودى ، ثبت ، صابرت سنوات متوالية
وجاء اليوم الموعود ، وها أنذا كما ترانى ، انتظر . .
كان شابا جاهلا ، لا يقدر ان يدرس وضعه ويمنطقه ، ويقارن ، ويستخلص او يعيه وعيا جليا ، عميقا ، ثريا ، كان يشعر به شعورا كليا ، فى اعماق نفسه الواعية واللاواعية ، فى روحة ، فى جسده ، فى دمه فى الهواء الذى بتنفسه كان يعيشه فى كل دقة من دقات قلبه ، فى كل دقيقة من دقائق حياته ، ثم هو بدافع ذاتى عام ينزع الى تغييره ويطمح الى التحكم فيه . . كان يحبس ذاته منقوصة ، مبتورة قوى خفية توثقه الى بؤرة الشقاء ، تكبل يديه ورجليه وتوقف عليه الهم والغم فكان يرفض ويتخبط ، ويثور ليخرج من الظلام إلى النور ، من البأس الى الامل ، ويجد فى الحركات الثورية ميدانا تينع فيه شخصيته وتتخلص من مركباتها
ذاك هو فتى البلدة . التافه الذي يحمل فى يده قفة صغيرة يضع فيها طعاما قليلا ويتوجه فجر كل يوم الى المزارع والمعامل وحضائر الشغل
لتقى به فجر كل يوم يجر قدمين متعبتين نحو ميادين الشغل والاجهاد . بسيط اللباس ، متواضع المظهر ، بين طيات نفسه امل واحد ، ان يكون له مكان تحت الشمس
فتح باب مكتبى ، ودخل ، وأغلق الباب وراءه ، خطا خطوة ، ووقف ينظرنى وينتظر . .
رفعت بصرى عن الصحف المفتوحة امامى ، القيت عليه نظرة خاطفة ثم خفضت بصرى . الخحل يبدو عليه جليا ، رجلاه مقوستان ، ظهره منحن قليلا بداه مشتبكتان فوق بطنه ، نظراته حائرة . . شاب هو فى مقتبل العمر . .
ما زال في خطواته الاولى بمعترك الحياة ، احببته منذ ان دخل ، عطفت عليه من أول نظرة . . لاني اعرف لم جاءنى . . وماذا يرجو منى . .
اهملته . . تناسيته . . واصلت قراءة الصحف امامى ، تظاهرت بكثرة الانشغال وبتدوين بعض الملاحظات ، ثم انشغلت بالهاتف ، وبالحديث مع العمال الذين يدخلون الى ثم ينصرفون فاعود الى قراءة الصحف ، ومن حين لآخر القى عليه نظرة من تحت فتصدم انظارنا فاخفض من بصرى بسرعة ، وفي كل مرة الاحظ ان قلقه يزداد ، حيرته تكبر ، وانكسار هيئته يظهر واكثر فأكثر ، انه ينظرنى وينتظر يتساءل من انا ؟ لم اتجاه وجوده ؟ ل اغفل عن حضوره ؟ . . لم لا انتبه لامره ؟ . . انه ينتظر ان اكلمه ، ليقول إلى ، بل ليردد ما قاله في نفسه مرات ومرات . كلمات هيأها ، جملا اعدها ، رتلها طويلا وحفظها ليصبها فى اذنى
انا اقرا الصحف وهو واقف امامى ، ينظر وينتظر حائرا . . . قلقا . . خائفا . .
هكذا وقفت انا قبله ذات يوم أمام رجل آخر مثلى انا اليوم . . انتظرت طويلا في البهو ، ثم دخلت عليه ، لم يهتم بى ، بقى يتفحص ملفاته . . جئت إلى ذلك الرجل اتوسل اليه ليجد لى عملا اقتات منه ، كنت طالبا عاطلا
كنت انظر الى الرجل وفى اعماقى اعصار ، يؤلمنى عدم انتباههه لى . يثيرنى عدم اكتراثه بوجودى ، ترتعد مفاصلى ، ويدق قلبى سريعا خشية ان يرد طلبى . الخوف والياس يتقاذقانى كرة بينهما . ما كان لى ان اثور او اغضب على الرجل لاحتقاره لى . . لان بطنى جائع ، ومصيرى قد يكون بيده
ثم طويت الصحف مثلما طوى الرجل الآخر ملفاته من قبل ، وتفرست فى الشاب قليلا ثم اخذت اسأله ببرودة ، وهو يجيب بصوت متكسر ، متردد .
- من انت ؟
- اوه . . . اسمى غير معروف لديك ؟
- من اين جئت ؟
- من الجنوب . اسكن واهلى بضواحى المدينة ، فى الحى العمالى
- ما زلت طالبا ؟
- لا ، انقطعت عن الدرس فى السنة الرابعة ثانوى
- ليست لك مواهب ؟ عجزت ؟
- لا ، بل كنت مغرما بالدرس ، لكن ابى فقير
- هل لك اخوة كثيرون ؟
- نعم . . . خمسة . . صغار كلهم .
- ما هو عمل ابيك ؟
مؤدب باحد الكتاتيب . . الاطفال يذهبون الى المدارس اليوم . .
سكت وتظاهرت بالتفكير ، بقى هو ينظر وينتظر ، انه يحسبني افكر فى امره ، ابحث عن مكان اشغله فيه . ازداد انحناء ظهره ، جعلت بعض اصابع يديه تصطدم ببعضها بعض تتشابك فى حركة لا شعورية ، وعيناه تتثبتان فى متوسلتين ، متضرعتين
ما كنت افكر فيه ، بل كنت اردد فى اعماقى كلماته التى سمعتها . . اهكذا يجب ان نكون . .
ان نشبه احدنا الآخر حتى فى الكلام ؟ حديث كل شاب فقير هو واحد لا يتغير . . عوز وحاجة . . آمال تقطع . . وصراع من اجل القوت . . هذا الكلام رددته انا يوما على ذلك الرجل وآخرين غيره جئتهم استنجد واستعين .
وعدت الى الكلام مع الشاب
- ما الذى اتى بك الى هنا ؟
- انى اتبع ما تكتبون حول ما تسمونه " العدالة " كلامكم يلاقى صدى فى نفسى . . ايقنت انكم ستحلون مشكلتى . . فاتيت اليكم ، لتجدوا ل عملا . . اصدقاؤكم ، ولا شك ، كثيرون ، يمكنكم ان تتوسطوا لى عندهم
- هل تحسن عمل شىء ما ؟
- اضرب على الراقنة ، انى اشتغل الآن عند محام يعطيني بضعة دنانير فى لشهر . . وهو اجر ضئيل لا يكفينى أنا وحدى ؟
ازحت نظرى عنه ، مططت شفتى ، وقلت متضايقا
- ان ايجاد الشغل لمثلك اليوم ، صعب ، انت لا تحمل الشهادات . والوظائف كلها محتلة .
اصفر وجه الشاب وظهر عليه الاسى ؛ غشته سحابة حزن ، تهدل ذراعاه على جانبه ، وقال :
- انا لا اطمع فى الدخول آلى الادارة ، اكتفى بالكتابة عند بعض الشركات او حتى التجار ، لقد طرقت ابوابا كثيرة حتى مللت ، فلم يسعفني احد ول يمد لى احد يد المساعدة . . المهم ان اجد عملا ما . . سيدى المدير . . ان لى اخوة صغار ووالدى شيخ . . ليس له اى مورد آخر فى الحياة . . لم يرث عن ابيه ارضا ولا زيتونا .
وهذا الكلام أيضا . . .
كفى ايها الشاب ، لا تؤلمنى انك لن تقول غير الذى قلته انا للرجل الآخر ، بمثل هذا الصوت المنكسر المختنق ، انك تغمس اصبعك فى جرح نفسى الذى لم يغلق بعد . .
وتظاهرت بالحرج ، قلت
- اسمع يا اخي ، انا لا ابخل عليك بنصيحة ، ولا بسعى ما . . ولكن يجب ان تعرف ان هناك مئات ينافسونك على كل عمل مهما كان حقيرا ، ولهم زاد من المعرفة اكثر منك . . انا لا ارى الساعة لمن اوجهك ، ما اظن احدا من معارفى يقبل تشغيلك سوف يقولون لى ليس عندهم شغور الآن . . ويعدوننى بوعود غير مضبوطة ولا مدققة . . فتنتظرهم السنة كلها وحين تذكرهم بوعدهم يقول لك كل منهم " قريبا اقضى لك حاجتك " ثم لن يأتى شىء . . يا اخى لا اقدر ان اعدك بشىء لن افى به فى ما بعد ولا ارد على طلبك بغير " لا شىء الآن . . "
كنت اتفنن فى ايجاد الكلمات القاطعة القاسية ، اتكلم بلهجة مرتخية ممدة ليكون الوقع فى نفس الفتى اكثر ، والصدمة اقوى ، لاقتلع منه آخر بصيص امل وكنت اتبع بنظرى اثر كلامى فيه . . ثم اوقفت الحديث ، لان نفسه ل تعد تطيق اكثر مما سمعت . . لقد انهارت قواه ، انه يكاد يسقط فى مكانه وجهه اسود ، ظهر عليه الشرود ، غاب عن المكان ، فى أعماقه يتردد صدى مرعب " لا شىء . . لا شىء . . " فى مخيلته تمر صور ، أمه ، أبوه ، اخوته ، وهو يعود اليهم فى المساء ، وهم يواجهونه بصفحات وجوههم الحزية البائسة ، ويسألونه باعينهم الصامتة : " ما وراءك . . " وهو يرد " لا شىء " .
عينا الفتى تبرقان ، الاهداب تنزل وتعلو بحركة عصبية ثم تنفتح .
لقد اوقف الدمعة ، واستقرت بالعين . .
لم يبك الشاب . غلب نفسه
أما أنا ، فى ذلك اليوم ، فقد غلبني الدمع وانحدر . . حين قال لى ذلك الرجل ، وكل واحد من اولئك الرجال كلهم : " لا شىء الآن . . " حين طفت بهم جميعا ، وبعد ان يسطت عليهم معضلة وجودى ، وسمعت منهم ردا واحدا لا شىء الآن . . " اظلمت الدنيا فى عينى ، انغلقت الابواب جميعها فى وجهى ، فخفضت رأسى الى الارض ، ويئست من الحياة ، فبكيت . . ثورة على قدرى ، نقمة على عدمى ، تمردا على اوضاع ظلمتنى وارهقتنى
وقلت للشاب ؛ اجلس ، طمأنته ببسمة اردتها مشجعة ، موحية بالامل جلس على كرسى قرب مكتب ، وانا انظره ، وكل شىء فى قد تبدل بغتة . بنظراتى اللطيفة ، بتظاهرى بالاهتمام به فجأة جعلت اشعره بعطفى عليه حتى
يزول من نفسه شعور البأس الذى غزاها ويستعيد قواه بعد الصدمة الاول كان لا بد ان يتنفس بعد ان خنقته ، حرام على ان اطيل عذابه
استقام ظهره ، رجع الى بشرته لونها العادى واخذت عيناه تحدقان فى بقوة ، بشدة . . فيهما قوة الامل المنبعث من جديد ، فيهما شدة الاستعطاف . .
وبقيت انظر اليه ، متلطفا ، صديقا ، واضيع الوقت فى رصف بعض الاوراق فوق مكتبي ، لازايد في نشوقه ، لكلامي ، لتزداد حيرته وقلقه ، وتطلعه إلى معرفة ما وراء موقفى الجديد وما وراء البسمة الصديقة . لم يعد يائسا فاقد نزعت عنه يأسه ، لكنة لا يقدر ان يطمئن او يتفاءل فانا لم اعطه شيئا ثم يلق منى غير بسمات طيبة موحية ثم توقفت ، واجهته ، وتأهبت للكلام مد برأسه الى امام ، جعلت راحتاه تحتكان ببعضهما بعض .
وقلت مترنحا :
- اسمع ، انى تذكرت احد اصدقائى ، صاحب معمل كبير اعرفه رجلا طيبا لا يرد إلى طلبا ، سوف اكلمه في شأنك ، اتيقن انه سوف يبذل كل الجهد لتشغيلك .
برقت عينا الشاب في هذه المرة من الفرح ، اعتدل فى جلسته ، ظهرت على ثغره أول ابتسامة ، صدره برز ، غدا شخصا آخر امامى ، غير منكسر ، غير محطم ، انه شاب ، التفاؤل بغلب عليه اكثر من اليأس ، كلمة واحدة او بصيص امل ما ويتغير موقفه من الاستسلام واليأس الى الاندفاع والثقة . انه برىء طاهر ، لم يمارس الحياة بعد . لم يشك فى كلامى ، وثق بما قلت ، ما زال يجهل الكذابين والمنافقين ومن حسن ظنه انى مخلص فى موقفى ازاءه
قلت للشاب :
- ان قضيتك اثارت عطفى عليك ، اعرف ما تقاسى انت واهلك من ضنك العيش ، هكذا هي الحياة ، تعب كلها ، لا تنهزم ، ولا تضعف ، اثبت وكافح ، سوف تتبدل ظروفك يوما ، وتتحسن حالك ، ثق ان لك فى شخصى صديقا وفيا ، سوف امدك بالمعونة عند الحاجة ، لا تخشى شيئا
ورايت الفتى يهتز من مكانه ، انفتح فاه عن بسمة عريضة ، وامتدت يده لتضغط على يدى شاكرة ، معترفة بجميلى
ايها الفتى ، انك نهضت من مكانك وصافحتنى لا لتقول : شكرا فحسب . دافع آخر جعلك تقف من مكانك وتنكب على لتأخذ يدى ، وكنت تقبلنى وتضمني بين ذراعيك لو لم يوقفك الحياء . . كنت وحيدا ، ضعيفا ، ضائعا في دنيا الآخرين ، غارقا في الوحل ، لم تعد تدرى معنى الحياة وحتى معناك انت وسط عالم لا مكان لك فيه ، فسمعت كلاما رحيما منعشا ، محملا بالامل
بين طياته مفاتيح آفاق جديدة . نزل على نفسك بردا وسلاما . وكنت يائسا من العثور على نفس اخرى تحنو عليك ، ترثى لحالك ، تساعدك ، فلقيتك فى قفار دنياك وانتشلتك من قعر الحضيض الذي هويت فيه . . ان الصدمة قوية ، انها خروج من الظلام الى النور ، من العدم الى الحياة
وانا ايضا فعلت مثلك يوم عثرت على اليد الصديقة التى امتدت الى ، خرجت الى الطريق وجعلت امشى امامى ، لا وجهة لى ولا هدف ، افكر فى صاحب تلك اليد ، احببته بكل جوارحى ، ملأت صورة وجهه الضاحك دنياى جلست على كرسى بلدى فى الطريق ، اخذت قلما وكتبت له رسالة اودعتها امتناني وما فاضت به تفسير من المشاعر ثم تبدل مظهر الاشياء فى نظرى ، عاودتني فتوتى ، انبعثت مطامحى منطلقة بكل جوانحها بعدما انكمشت في مرارة الاخفاق ، وطارت احلامى كعادتها من قبل محلقة فى الفضاء ، تغزو المستقبل اللألاء .
ناولت الفتى سيجارة ، وطلبت له كأس شاى ، واخذنا نتحدث . . عن الحياة ، عن المصير . . فتح لى قلبه ، بسط اراءه فى ما حوله ، تحدث عن امانيه التى يرجوها لبيئته والمبادىء التى آمن بها . . وما رأى شاب فقير محروم في ما حوله ؟ وما هى امانيه للمعوزين مثله . . وما هى مبادؤه التى يريد تحقيقها يوما ؟ :
ثورية شاملة تتخلص فيها نفسه من مركباتها المكبوتة وتنطلق هدامة للاوضاع التى قهرتها ، ناقمة على القيم التى كبلتها ، تائقة الى بناء هيكل آخر انسانى عادل
ان الثورى الصميم انسان متألم ، تمرد على قدره ووجد فى الحركات الاجتماعية الانقلابية متنفسا لنقمته على ظلم الايام
وانتهى الحديث بيننا . وقف الشاب ، وتاهب لوداعى فرافقته حتى باب مكتبى ، ثم باب ادارة الجريدة ، ثم باب سيارتى . وركب بجانبى ، فحملته حتى باب بيته . . كيف صافحنى حين غادرنى ؟ بماذا نطق فمه قبل ان يدخل بيته ؟ . . احتفظ منه فى ذاكرتى بصورة وجه مشرق سعيد وعينين تتألقان ، وشفتين تتلعثمان ، ترددان فى عفوية وسذاجة كلمات الشكر والامتنان .
وبقيت فى مكانى طويلا . . انظر الى بيت الفتى والى البيوت المجاورة له . . بسيطة هى كلها ، متواضعة . . بين جدرانها نفوس تتعذب فى صراع دائم مرير من اجل العيش
من مثل هذا الحى خرجت ، وفتحت طريقى فى الحياة . لى اليوم بيت فخم بالمدينة ، وآخر بالشاطىء ، لى سيارة ، لى آمال كثيرة حققتها
ولكن الحى ما زال يحيا فى اعماقى ، ما زال كل معنى وجودى . .
وادرت محرك السيارة ، وانصرفت
ما اطيب تلك اللحظات التى قضيتها مع الفتى . . مسكين . . آلمته ، واوجعته قبل ان اطمئنه وابشره
معذرة ان اسأت اليك ، معذرة ان قسوت عليك رغما عنى . . انك دخلت على ووقفت امامي طالبا مستنجدا ، فرجعت بى الى الوراء . . سنوات . . فاثرت في وجعا قديما يسكن احشائى ، واسلت دم جرح فى قلبى حدثك عنه قلمى الثائر ، وعيناى العطوفتان . . لقد كشفت فيك ثانية شقائى وانا شاب يد اواجه الحياة بدون سلاح ، لا رفيق ، لا مرشد ، لا معين . . تفرجت فيك على نفسى يوم كنت اطرق الابواب ، وابسط قصة حياتى لرجال ينظروننى ويخفضون ابصارهم غير مكترثين بمأساتى . . وتفرجت فيك على نفسى كيف كنت اقف مرتعدا ، حائرا يدق قلبى خوفا من رفض ، ثم انصرف منكسرا ، يائسا . . " لا شىء " .
او تظنني انساك ؟ او تظننى اتمهل فى البحث لك عن عمل . . يجب ان له وقف مأساتك من احل أبيك الذى ينتظرك كما انتظرني أبى ، من اجل أمك التى تعقد عليك آمالا مثلما عقدت على أمى ، من اجل اخوتك الذين يسائلونك كل يوم مثلما ساءلنى اخوتى انا ، من اجل عذاب نفسك الذى يدوم بدوام مأساتك مثلما دام عذاب نفسى . . انا . . سأنقذك واضمك الى لننقذ اخوة لنا كثيرين ، لنسير فى طريقى التى اخترت

