. . وبينما انا في الطريق أغذ الخطو فى سيرى اصطدمت بمبنى المتحف الايطالى الحربى ، فوجدته يتحدانى ويحدجني بنظرة فيها كثير من الاغراء . . وكثير من الجاذبية . . والفيت نفسى تراودنى او أراود نفسى على الاصح على ولوجه للاستمتاع بمشاهدة " قطع " تشير الى عداوة الانسان لاخيه وتغلغل غريزة " حب السيطرة والاستيلاء " فى نفسه منذ بدء الخليقة . . !
وبعد لحظة قررت الخطوة الايجابية لهذا التردد واندفعت مسرعا الى الدهليز ومنه الى الطابق الارضى حيث توجد الاقسام المختلفة التى تنام فى خزائنها انواع شتى من الاسلحة الفتاكة وهى لا تخرج عن كونها سيوفا ماضية ، وخناجر حادة وبنادق سريعة الطلقات ودروعا وسهاما او ما فى شاكلتها ، رصفت فى تنسيق بديع بعد ان كتب عليها التاريخ الذي استعملت فيه !
وفي قسم " الاسلحة الحديثة " اكتحلت عيني بمنظر صنوف من الاسلحة الكبيرة والصغيرة . . والعتاد الحربى من " البارود " الناعم الى الطائرات الحربية المنقضة ، والدبابات الضخمة الرهيبة .. الى آلات واجهزة حربية لا استطيع وصفها فى عجالة قصيرة كهذه في مجلة محبوبة قد
يستاء بعض قرائها من وصفها وشرح مميزاتها . . !
وهنا كان وقت الظهر قد حان . . ومالت الشمس الى الزوال ، فوجدت " الجهاز الهضمى " عندى قد اضرب عن مساعدة الرجلين والساقين على الخطو الى الامام وقرر الا يشتغل الا إذا اسعفت بما يولد النشاط والحركة فيه .. فاثرت الخروج من المتحف قبل ان يستفحل الامر واصاب بالدوار
ولكن الفضول الصحفى استفزنى على ترويض الجهاز الهضمى وتعويده على فضيلة الصبر . . . فقد لاحظت - عند خروجى - غرفة كبيرة فيها نماذج مصغرة للاسلحة الموجودة بالمتحف ، فعرجت عليها وظللت امتع النظر بما فيها من نماذج جميلة . . . وفجأة وقع نظري على مجلات كانت غلافاتها ترفرف بتأثير تيار الهواء , فرحت امد يدى لالتقاط احداها ... ولكن الموظفة المختصة نظرت الى شزرا وقالت بالفرنسية : " غير مسموح لك " ولم تكتف بهذه " القنبلة " الجافة بل غمغمت بعبارة فهمت منها انها اعتبرتني من مجاهل افريقيا ..
ولما كنت متسلحا بسلاح " المكر الصحفى " ومعذرة للاستاذين الانصارى والعريف ، فأن لســــانى لم يرضى بالتعلثم فى هذا الموقف المحرج ..
بل اجابها بعبارة منمقة - بالعربية طبعا ! فجعلتها فى عداد القاطنين بحديقة " . . . " فى ميلانو . .
واخيرا أعطيت ظهرى لتلك الغرفة والموظفة معا ورحت أهرول دون ان التفت الى توسلاتها وكلماتها الرقيقة التى اردفتها بتقديم مجموعة من المجلات كهدية خاصة من ادارة المتحف فقد تمثلت قول الاعرابى : " الصيف ضيعت اللبن " ومضيت اجرى ..
وخرجت من المتحف بعد ان فارت اعصابى وغلى مرجلها بسبب نقص فى " الاتكيت " لم افطن اليه لا انا ولا تلك الموظفة الا بعد فوات الوقت .. ولات ساعة مندم ! . .
ورحت ابحث عن " تاكسى " . . . ليوصلنى الى الفندق الذى اقمت فيه ولكن انى للتاكسى ان يظهر فى هذا الوقت ، وقت خروج الموظفين ورجال الاعمال من مكاتبهم . . واذا ظهر فانه ينساب فى خفة ويمرق كالسهم لانه " مشغول بغيرى " لا يكترث بصحافى واقف تحت اشعة الشمس . . موتور الاعصاب . .
ولمحت غلاما ينادى على جريدة انجليزية باعلى صوته " وصول امير من بلاد الذهب " فأشرت اليه حتى اقترب منى . . وسألته عن قيمة الجريدة . . فأجابني وهو يقضم لماظة من خبز جاف : مائة لبرة ايطالية . و (الحلوان) اشكرك عليه . . فنقدته مائة ليرة . . ولا تعجب لضخامة المبلغ فهو يساوى اثنى عشر قرشا ... وانتظرت ان يختفى من امامى ، ولكنه ظل ثابتا مكانه . . فعرفت انه لا يتحرك الا اذا حقق الشطر الاخير من عبارته : " الحلوان اشكرك عليه "
ثم ناولته من الحلوان ما جعله يقفز من الرصيف الى الشارع . . وفتحت الجريدة فصافح وجهى عمود كامل عن وصول سمو الامير مشعل الى ميلانو فقرأته بسرعة واجلت استيعاب ما جاء فيه الى وقت آخر . .
وفي هذه الاثناء وقع نظرى فجأة على " تاكسى " فأستتوقفته ووثثبت الى داخله فى خفة وعصبية ، فقد كان مضى على وانا فى تلك الوقفة حوالى نصف ساعة مع هياج في الاعصاب ، وثورة فى المعدة . . ووصلت الفندق فاستعدت قراءة العمود الذى تكلم فيه الكاتب عن شخصية سمو وزير الدفاع وعن نهضة الطيران فى هذه البلاد ، وديمقراطية سموه وتواضعه الجم ، وجهوده الجبارة التى يبذلها سموه لتقوية الجيش وتشجيعه للشباب على الانخراط في الجندية وخدمة الوطن ، وابتعائه الشبان لدراسة الطيران فى فرنسا وامريكا وتأسيسه مطار جدة العظيم وتنظيم النقل الجوى فى داخل البلاد وخارجها حتى غدت الطائرات السعودية تزمجر كل يوم فى سماء الجزيرة العربية ، ومصر ولبنان .. وباكستان والهند واصبحت السفريات منتظمة تنظيمها في البلدان الاوروبية
وفى غمرة " الجوع العقلي " نسيت ثورة المعدة وصيحاتها واضرابها عن العمل وهمت في انهر الجريدة الى ان عجز الذهن - بدوره - عن فهم ما فيها فسقطت الصحيفة من فوق المنضدة ورحت فى نوم عميق لم افق بعده الا على صوت الندل ( الجرسون ) الواقف بطبق الشاى وهو يتمتم : " مسيو محمود . . قم فقد كادت الشمس ان تغيب "

