الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

طه حسين بين الكلام و"اللغة " (*)

Share

نلتقي بعد عام من وفاة فقيد الأدب العربى طه حسين الذي ملأ العالم العربى أكثر من خمسين سنة بآرائه الجريئة وثقافته الواسعة ورؤيته الواضحة لمصير الفكر العربي الاسلامي وتحمسه لمصر وتجاوزه لوطنه الى الانسانية قاطبة ، فتترجم بعض آرائه الى لغات عديدة لأنها مرآة لنهضة الشرق العربى ولأنها زاد ثرى انسانى لغرب طوح به غناه المادى الى التعثر فى متاهات العنصرية والاستعمار قديمة وجديده .

واننى أذكر عندما كان الاستعمار الفرنسي جاثما على البلاد التونسية كيف كنا نستقبل كتب طه حسين فى الأربعينات ونحن تلامذة بالمدرسة الصادقية وكيف كانت أفكاره واراؤه ولغته تروى غلتنا التواقة الى الجديد والمحتكة بالفكر الفرنسى واللغة الفرنسية . وكانت آراؤه وأفكاره تبعث فينا الاعتزاز بانتسابنا الى الحضارة العربية الاسلامية الناهضة المتوثبة فى مصر انذاك وتحفزنا على الأمل الأكيد في الخروج من الهيمنة الاستعمارية والتبعية الفكرية وكانت مواقفه الذائدة عن الكيان المتحمسة الى صيانة الثقافة العربية الاسلامية بالتجديد والخلق المستمر تعيننا اكثر من ذلك على كفاحنا من أجل حماية شخصيتنا التى كانت مهددة بالمسخ والتذبذب والذوبان .

ولا غرو فان انطلاقة الشعب التونسى فى الثلاثينات فى كفاحه السياسي والفكرى والأدبى ودخوله فى مغامرته السياسية والفكرية الكبرى بمقاومته للتجنيس تحت لواء حركة الحبيب بورقيبة التحريرية وبدفعه للتجديد فى الادب والفكر بريادة أبى القاسم الشابى والطاهر الحداد وصحبه لقيت من المستعمر القمع الرهيب على جميع الواجهات اذ دفع بزبانيته سدنة القديم للوقوف فى وجه الشابى وأضرابه وقتل هذه الحركة المعتمدة على احياء اللغة

العربية والفكر العربي الاسلامى فى المهد ، كما سلط على الحركة السياسية العاملة على الذود عن الشخصية التونسية العربية الاسلامية ألوان العذاب بالنفي والتشريد والتقتيل.

فى غمرة هذا الكفاح الطويل بكل ما فيه من عنت وخيبة وبكل ما فيه من عزم وارادة للذوبان عن الكيان وتخطى الصعاب بالحنكة والقوة الشعبية كانت كتب فقيد الأدب العربي وما فيها من زاد فكرى وأدبى تشد من أزرنا وتعطينا المثال لبلد عربي سار أشواطا فى التغلب على تحديات العصر للأمة العربية وعرف كيف يخطو بالنهضة العربية خطوات موفقة عندما زحزح عن كاهله نير الاستعمار .

وتمضى الأيام بمحنها وأتعابها وينتصر الشعب التونسى سنة 1956 باعلان الاستقلال التام بعد كفاح مرير ويكون من أول أعمال حكومة الحبيب بورقيبة الوطنية تأسيس دار المعلمين العليا وكان اذ ذاك الفقيد محمد الأمين الشابي أخو ابي القاسم وزيرا للتربية القومية وعضده الاول الاستاذ محمد مزالى رئيس اتحاد الكتاب التونسيين حاليا ومدير مجلة الفكر . وكانت دار المعلمين العليا أول لبنة فى ارساء النهضة التونسية وتركيز مقومات الشخصية التونسية وكانت أول لفتة فى ميدان الأدب والفكر الى فقيد الأدب العربى طه حسين .

فلم تنته سنة على الاستقلال حتى دعت الحكومة الفقيد فى جوان سنة 1957 للاشراف على لجنة امتحانات آخر السنة لشعبة اللغة والآداب العربية بدار المعلمين العليا وكنت لحسن حظى من بين طلبة هذه الدار ومن بين الممتحنين بمحنة أحمل عنها أجمل الذكريات لأنها أتاحت لى الفرصة لأجلس قبالة رجل كنت لا أتخيل أنني سأحظى بمحادثته نظرا الى ما أحدثه الاستعمار بين تونس ومصر من حواجز ونظرا الى المكانة التى يحظى بها عميد الأدب العربى فى تونس تقديرا ورفعة شأن .

كان جلوسي أمام فقيد الأدب العربي المصحوب بجمع من خيرة الأساتذة التونسيين محنة تضاف الى محنة الامتحان . ولكن فطنة طه حسين وذكاءه وتقديره للموقف وعظمته لم تلبث أن بدلت خوفى براحة وأنس لم أعرف مصدرهما عندما طرح على السؤال بتفصيل فتح لى آفاقا فى الجواب وحفز ذاكرتى على أن تنطلق فى متاهات مطالعات قديمة وأتاح لى أن أنسج على منوال النسق الفكرى الديكارتى المحبب اليه .

ولم يكتف بذلك بل كانت اسئلته كلها تروم معرفة مدى ما وصلت اليه ثقافتنا بقطع النظر عن برنامج الامتحان ولم يضيع علينا الفرصة فكان يعطينا من معرفته الواسعة ما جعلنا ندهش لقوة حافظة الرجل وسيطرته التامة على الثقافة العربية الاسلامية وسعة اطلاعه على الفكر والآداب الأوروبية .

ولا أنسي لفتة أخرى غمرتنا سرورا وبهجة مأتاها أريحيته وكرم نفسه اذ ما أن أعلن عن فوزنا حتى جمعنا وكان عددنا لا يفوت السبعة على ما أذكر وحدثنا في كلمات ما زلت أذكر فحواها وأتدبر معانيها لأنها ساهمت فى فتح السبيل أمامنا وفي إشعارنا بمسؤوليتنا ازاء نهضة وطننا الذى لم يخط فى مجال التحكم في مصيره الا خطواته الأولى آنذاك .

لقد ركز كلمته البليغة على أن ما قرأه من أعمالنا الكتابية وسمعه من أجوبتنا يتجاوز الامتحان البسيط لأن ما تنتظره البلاد منا لا ينحصر فى مجرد الفوز للتدريس على ما له من أهمية بل يقتضى منا أن نهئ أنفسنا للمساهمة فى نهضة البلاد الفكرية لأن تونس محتاجة الى الطاقات الشابة لبناء صرح تقدمها ولأن الأمة العربية الناهضة تنتظر من كل أبنائها فى أى بلد عربي كانوا الكفاءة والحماس للالتحاق بركب الحضارة والاسهام فى تقدم الانسانية قاطبة .

وكانت كلمات فقيدنا تنساب رقراقة فى هدوء لم أر مثله قط وتتدفق حينا آخر فى نبرات وايقاعات كأنها قد سبق تنويتها من قبل . هي موسيقى الحروف تتناغم فى انسجام ليس فيه أى تكلف يحتاج يحتاجه فى العادة كل من نطق بالفصحى . لقد ظفرت بسر من أسرار ما سحرنا به طه حسين فى كتبه :  انه عرف كيف يطوع اللغة العربية الفصحى لا الى المفاهيم العصرية فقط بل الى الروح التى تتبع منها لغة الكلام العادية ، الى ايقاعاتها ونبراتها وموسيقاها الى أسلوبها العفوي الطيع.

لقد فهمت بعد ذلك أن عبقرى الفكر العربى استطاع أن يذل لنفسه صعوبة ما زالت قائمة الى يومنا هذا فى كل البلاد العربية وهو التفاوت بين الكلام ولغة الكتابة ، بين لغة الحديث واللغة الكلاسكية ، بين العامية والفصحى . ان طه حسين استطاع أن يحد من هذا التفاوت وان يخضع العربية الفصحى مع الابقاء على اكتمالها وجمالها الى ما عجز عنه الكثير والكثير من الكتاب والشعراء .

ولا يخفى أن العمل الذى يجب أن نقوم به للتقريب بين الشقة التى تفصل بين الكلام واللغة هو عمل يستوجب يقظة كبيرة واتفاقا مع جميع البلدان العربية خاصة وأن هناك عقبات ما زالت تقف دون الوصول الى النتيجة المرجوة . ذلك أن اللغة الفصحى بحكم خصائصها العجيبة وطاقتها ومرونتها ورغم أنها بقيت الاحقاب تلو الاحقاب لغة نخبة قليلة قد تحدث بديمومتها اللهجات فى مزاحمتها لها واللغات الأجنبية فى رغبتها الحلول محلها . وان لغات أخرى واجهتها حالات أقل خطورة من هذه تمكنت من ان تودى بها . ولكن لغتنا الفصحى التى هى ركيزة الاسلام وهى لغة القرآن عرفت كيف تصمد أمام طوارق الأزمان حتى طلعت عليها النهضة بوسائلها العصرية التى أجبرتها على المرونة والتطور .

ورغم كل ما فى كتابتها من نقص نظرا لخلوها من الشكل وصعوبة قراءتها عند متوسطى الثقافة ومحافظة أغلب كتابها على رصيد لغوى قديم وهياكل للجمل توحى بالعصور الغابرة وايقاعات ونبرات لا تتماشى مع روح العصر فانها ما زالت صامدة لا تزعزعها العواصف ولا تنال منها المؤامرات وهذا أعجب ما فيها مما غاض الكثير من الأجانب الذين راموا الاطاحة بعرشها وعرقل نية من أراد احلال العامية محلها فهى كالشجرة المباركة أصلها ثابت فى الأرض وفرعها فى السماء .

ولعل خصائص الديمومة والبقاء متأتية من قدرتها على " الافلات من ربقة التاريخ " عندما " تتحداه وتسيطر عليه " فتتداول على الشعوب العربية دول بعيدة عن التحمس للعربية بل هى تحاول أن تفرض لغاتها على هذه الشعوب ولكن ذلك لا ينال فى شىء من مكانتها وهى الى ذلك تتجاوز ما فى اللغات الأخرى من " قدرة على التعبير والايحاء " الى قدرة " على القيادة والسمو " كما قال أحد المستشرقين لأن ألفاظها وجملها تحمل بين طياتها شحنة طاغيا تشد الى احسن ما فى اللغة من سامي الأفكار والمعاني . مما دعا بعض المستشرقين الى القول بأن " اللفظ العربى الكلاسيكى متشبث أشد التشبث بأصوله " وانه يخيل اليه أن " بداخل اللغة العربية ضربا من التركيب الرياضى " . فاللغة الفصحى اذن مشدودة الى نواميس شديدة الوطأة فى لفظها وهيكل جملتها تجعل كل تطور وتحول صعب المرام لا يتأتى الا للقليل النادر .

وكأن الكتابة بالفصحى سواء حذقها البعض واكتسب عفوية في صياغتها أو نبغ فيها فانها تستلزم من صاحبها أن يتقمص شخصية أخرى غير

شخصيته العادية وأن يتصنع من الألفاظ والأساليب ما لا يتماشى مع طبعه العادي وحياته العادية . وليس من الغريب أن يبنى شوقى ضيف تصنيفه للأدب العربي على الصناعة والتصنع والتصنيع وغيرهما من مشتقات وقرابات هذه الكلمات .

ثم يضاف الى هذا كله أن لغة الكتابة أى الفصحى لم تدخل عصر الطباعة من بابه الكبير ولم تنتفع بما انتفعت به اللغات الاخرى الاوروبية ، عندما اصبحت مطبوعة ، من تيسير للقراءة واشاعة الكتاب بين الناس بل أجبرت على الاكتفاء بكتابة منقوصة غير مشكولة لم تذلل الا بقدر يسير دون المطلوب مشاكل تثقيف الجماهير .

وسواء عدت هذه الميزات من حسنات اللغة العربية أو سيئاتها فانها عملت على بقائها وديمومتها ولكنها عملت ايضا على عزلتها ازاء اللهجات المختلفة للشعوب العربية .

وان الفاحص لأمر هذه اللهجات التى كانت ما فى ذلك شك فى أول الأمر قريبة من لغة القبائل العربية التى تحركت أيام الفتح الأول لنشر الاسلام يجد أنها تباعدت الواحدة عن الأخرى حتى أصبح التفاهم بينها عسيرا جدا .

وانما مرد هذه الظاهرة رغم تأثير القبيلة الواحدة على شعبين أو ثلاثة مثلما هو الشأن بالنسبة لبلدان المغرب العربي الى مقومات شخصية كل بلد التى عملت على تغيير اللهجة الواحدة للقبيلة الواحدة وتفريعها الى لهجتين أو ثلاث . لهذا فقد اكتسبت اللهجات العامية مرونة لتقبل تغييرات الحياة اليومية وتأثيرات الحضارة مهما كان مأتاها . وفي الواقع فان هذا ليس خاصا بالفصحى ولهجاتها بل يعد قانونا تلتقي فيه جميع اللغات المكتوبة ولهجاتها. ولكن الفوارق الموجودة بين الفصحى والعامية تجاوزت فى نوعيتها وحجمها كل الفوارق المعروفة بين لغة الكتابة ولغة الحديث بالنسبة للغات العالمية الأخرى .

وان هذا الموضوع يطول شرحه وانما تعمدت التعرض اليه لان له مساسا بموضوعنا ولأنه يمهد الى ناحيتين من حديثنا عن طه حسين ولغته . الناحية الأولى تتعلق برأيه فى مشكل الكلام والفصحى والحلول التى ارتاها للتقريب بينهما والناحية الثانية ترتبط بلغة طه حسين نفسها ومدى ما وصل اليه  ليحد من التفاوت الموجود بين لغة الكلام ولغة الكتابة .

لقد طرق طه حسين هذا الموضوع في عدة مناسبات سواء فى كتبه أو مقالاته أو استحواباته فى الجرائد والمجلات والاذاعات والتلفزات وقد لخص الموضوع في كتابه " خصام ونقد " عندما تحدث عن الفصحى والعامية وبين أنه لا مجال فى أن اللغة العربية هي لغة القرآن ولكنها ايضا هي " لغة الذين يتكلمونها " لأن " تقديس اللغة واحاطتها بهذا الاجلال الديني يعصمها من التطور ويحميها من التجديد " واذا كان بعض الكتاب والشعراء الكبار مثل شوقي وحافظ يذهبون مذاهب القدماء وخاصة كبار عباقرة العربية من مثل ابن المقفع والجاحظ ويصلون الى درجة من البيان كبيرة فان طه حسين لا يرضى لهم ذلك وكان " يغلو في مضايقة الشاعرين العظيمين فيرد بعض قصائدهما الى نماذجهما القديمة من شعر البحترى وأبى تمام والمتنبي " .

ويؤكد طه حسين أن الناس يخطئون عندما لا يفرقون بين أمرين بين حياة اللغة الفصحى التى لا مراء فيها ولا يمكن أن ينكر ذلك ناكر اذ هي شائعة فى جميع ميادين الحياة وبين مسألة جمودها واستعصائها على التطور وهما أمران مختلفان أشد الاختلاف .

ويورد خطأ آخر يقع فيه الى اليوم بعض الناس فى تونس أيضا وهو مقارنتهم اللغة الفصحى باللاتينية وقد رد طه حسين على هذا الخطأ قائلا : " لقد قرأ أدباؤنا الشبان فى بعض الكتب أن اللغة اللاتينية كانت حية قوية منتشرة فى غرب أوروبا ثم ماتت ونشات عنها لغات مختلفة فى بلاد كثيرة من أوروبا الغربية هذه . وما أسرع ما يثبون من هذا الذى قرأوه الى أن اللغة العربية الفصحى لغة قديمة قد نشأت عنها لهجات عامية فهي اذن قد ماتت وقامت اللهجات العامية مقامها . وقد قلت ألف مرة ومرة أنى لا أشفق على شبابنا من شئ كما أشفق عليهم من التفكير السريع والأحكام الخاطفة ، فاللغة اللاتينية لم تمت فجأة واللغة اللاتينية لم تمت لأن الشبان من أبنائها قضوا عليها بالموت في يوم من الأيام وقرروا أن تقوم اللهجات العامية مقامها وانما ماتت اللغة اللاتينية فى بطء بطئ جدا بعد خطوب طوال ثقال ليس هنا موضع الحديث عنها . وقد تعرضت اللغة العربية الفصحى لخطوب طوال تقال أيضا حفظتها كتب التاريخ ولكنها انتصرت الى الآن على هذه الخطوب فلم تمت ولم يدركها فتور أو قصور وانما قاومت وغالبت وأتيح لها الغلب والانتصار فظلت حية قوية متطورة وظللت اللهجات العامية ضعيفة ضئيلة لا تصلح للآداء الأدبي قليلا أو كثيرا . وآية ذلك اننا لا نعرف أثرا أدبيا رائعا خالدا كتب فى لهجة من هذه اللهجات الى الآن . وليس يكفى أن نقرر أن لغة

من اللغات قد ماتت لتموت وليس يكفى أن نقضى بالموت على لغة من اللغات ليصح قضاؤنا ضربة لازب ولتموت هذه اللغة لاننا أردنا لها الموت " .

أحببت أن أورد هذه الفقرة على طولها لأنها تبين وعى طه حسين بخطورة الموضوع ليصل الى أن الحل الأقرب للتقريب بين العامية والفصحى وللظفر باللغة المثل فى تمازجها مع الحياة ليس هو التمسك بالعامية واعطاؤها المحل الارفع وهي التى لم تصل بما لها من ادب شعبى الى مستوى الروعة والجمال بل أن الحل الأقرب هو المضى فى تطويع الفصحى وهى تقوم بدورها اليوم أحسن مما كانت تقوم به من قبل على المستوى الجماهيري .

والأفضل عنده هو الانكباب على حل مشاكل اللغة العربية الفصحى اذ يرى أن لها " مشكلات خطيرة ليس في ذلك شك وقد تنبهنا لهذه المشكلات منذ أواخر القرن الماضي ولكن لم نجد الشجاعة الى الآن لحلها فى غير تردد ولا تلكؤ وانما صانع منا المصانعون وداور منا المداورون وتركنا الأمور تمضى كما تستطيع فعرضنا لغتنا وأدبنا لشر عظيم " .

ويعرض طه حسين حلين لهذا : تيسير الكتابه والقراءة اولا وتيسير النحو ثانيا .

هذه بعض آراء فقيد الأدب العربي في هذا المشكل الذي ما زال قائما خاصة فى بلدان المغرب العربي لأنه ينذر بالخطر نظرا الى تداول لغة أجنبية أخرى واشعاعها الكبير وتمكنها من نفوس الشباب وهي آراء من قلب المشكل على جميع الأوجه ولكنها آراء من توصل حقيقة الى القفز باللغة العربية الفصحى من الآفات التى ذكرها وعاب بها كبار كتاب العصر وشعرائه الى لغة مطواعة ميسورة مست معظم الجماهير العربية فى جل البلدان الشقيقة . فكيف توصل الى ذلك ؟ وما هى الأدوات اللغوية التى استعملها والخصائص التى تمتاز بها لغته بالنظر الى موضوعنا المتعلق بالحد من التفاوت بين الفصحى والعامية .

فى كتابى عن اللغة العربية ومشاكل الكتابة كنت تعرضت الى أسباب تعثر اللغة العربية فى انتشارها بالقدر الذى نريد لها لا فى الزمن الحاضر بل في الماضى أيضا وعزوت ذلك الى ما سميته " بسلطان الذاكرة " أو " الذاكرة

المنشدة " التى من شأنها أن تخضع نتاج اللغة الى قيود محكمة رغم ما فيها من جمال فى بعض الأحيان ولهذا اقتنع " العرب بأن النبوغ كل النبوغ فى الشعر " ولهذا كان " أدبهم لفظا أكثر منه معنى " ولهذا كان القرآن الى جانب الدين الذي أتى به " حدثا لغويا " أخرج العرب من سلطان الذاكرة التى كبلتهم الى عالم النشر الحقيقي ولكن هذه الثورة اللغوية لم تتواصل الا على يد بعض الأعلام مثل ابن المقفع والجاحظ وابن خلدون ولم يتحرر حتى أعلام الكتاب من سلطان الذاكرة وطلع علينا هذا القرن وما تلاه من عقود بشعراء وكتاب بلغوا شأوا كبيرا فى الخلق الأدبي ولكنهم لم يتحرروا تماما من سلطان الذاكرة ولم يدفعوا النثر العربى الى وثبته الحقيقية مثلما دفعه طه حسين.

إن عبقرية فقيد الادب العربى فى هذا الباب عجيبة لأن الرجل كان من المفروض - وهو المكره على ذلك - أن يعتمد على ذاكرته أكثر من أى شئ آخر ولكن عبقريته لا تتمثل فى ما قدر عليه فقط من استيعاب الثقافات المتعددة بل فى تمكنه من التحرر من سلطان الذاكرة وكسر طوق الذاكرة المنشدة الى خلق نثر جديد كان واعيا به أشد الوعى عندما يقول فى مجال الأساليب القديمة الموروثة عن كتاب الفترة العباسية " اننا لم نكن نحيى تلك الأساليب فحسب وانما كنا نحييها ونغنيها ونؤدى بها معاني وآراء وخواطر لم تكن تخطر للجاحظ وابن المقفع على بال " ولكنه يزيد فيقول : " وكنا نؤدى بها من ذات أنفسنا ما يلائم العصر الذي نعيش فيه من شؤون الحياة التى لا تشبه من قريب ولا من بعيد حياة الكتاب القدماء فى البصرة والكوفة وبغداد " ثم ان وعى طه حسين بخطورة الموضوع يتعدى مجرد اعتبار هذه الأساليب حاملة لروح بل انه يعتقد أن هذه الأساليب أى النثر العربى برمته يجب أن يتحول عما كان عليه فى القديم . ويؤكد : " ان النثر العربى هو الذى ارتقى حقا فى هذا العصر الحديث لأنه ابتكر أشياء لا عهد للقدماء بها دون أن يخل بفصاحة اللغة ورصانتها ودون أن ينحرف عن أصولها المقررة أو طبيعتها الخالدة على حين لم يستطع الشعر الا أن يحيى مذاهب العباسيين متأثرا لهم ومتأثرا بهم ايضا " .

وان توصل طه حسين الى التحرر من سلطان الذاكرة ومواصلته لثورة عباقرة النثر العربى ترتكز - حسب ما ذكرناه من أقواله - على التفاعل بين عنصرين اثنين اعتملا فى شخصيته الأدبية وفجرا فى نفسه هذه اللغة التى امتاز بها عن غيره . وكل عنصر من هذين العنصرين تتداخل فيه عوامل أخرى نشيطة :

العوامل الباعثة للغة طه حسين ( نثر طه حسين )

فالعنصر الأول الذى يقدمه طه حسين على العنصر الثاني وهو ملاءمة روح العصر استلزم أن ينصرف بكل جوارحه الى معرفة كل مآتي العصر فكريا وأدبا ولغويا واستيعابها بصورة أصبحت تجرى فى عروقه مجرى الدم ايمانا منه بأن انسانيته لا تكتمل الا بذلك وهى التى دفعته الى ابتكار أشياء جديدة سيذكرها بنفسه ولكن هذه الأشياء الجديدة ليست الا خصائص نثره وهي منبعثة بلا شك من ايمان آخر عبر عنه مرات عديدة عندما صدع بثقته فى ثقافته القومية المصرية . وسواء تغير رأيه فى هذا الموضوع فيما بعد أم بقى متمسكا به فان هذا الايمان كان فى اعتقادى حافزا على اكساب نثره الخصائص التى نعرفها عنه . قال طه حسين الثقافة " أن الثقافة المصرية مهما تكن ضعيفة ومهما تكن ناقصة ومهما تكن محتاجة الى التقوية والتنمية والاصلاح فهي موجودة ما فى ذلك شك . هي موجودة متميزة بخصالها وأوصافها التى تنفرد بها عن غيرها من الثقافات . وأول هذه الصفات المميزة لثقافتنا المصرية انها تقوم على وحدتنا الوطنية وتتصل اتصالا قويا عميقا بنفوسنا المصرية الحديثة كما تتصل اتصالا عميقا بنفوسنا المصرية القديمة أيضا. تتصل بوجودنا المصرى فى حاضره وماضيه . ومن حيث أنها تصور آمالنا ومثلنا العليا فى الحياة فهي تتصل بمستقبلنا أيضا بل هي تدفعنا الى هذا المستقبل دفعا " .

ثم هو لا يقتصر على مجرد أفكار عامة بل يحاول أن يحدد الطابع المصرى اذ يقول : " ولك أن تنظر في أى لون من ألوان العلم والأدب والفن التى تدرس فى مصر والتى ينتج فيها العلماء والأدباء والفنانون المصريون فسترى أنها مطبوعة بالطابع المصرى القوى الذى لم يستطع الزمان أن يمحوه أو

يعفى آثاره . سترى فيها هذا الذوق المصرى الذي ليس هو ابتساما خالصا  ولا عبوسا خالصا ولكنه شئ بين ذلك فيه كثير من الابتهاج وفيه قليل من الابتئاس . وسترى فيه هذه النفس المصرية التى تجمع بين الجدة والقدم والتي تثب الى أمام ولكنها تستأني وقد تقف من حيث تستأني وقد تقف من حين الى آخر لتنظر الى وراء ، سترى فيها الاعتدال المصرى الذى يشتق من اعتدال الجو المصرى والذى يأبى على الحياة المصرية أن تسرف فى التجديد".

وهذا واضح لا يحتاج الى تفسير لأن طه حسين يحس به ولو لم يحس به لما عبر عنه يمثل الوضوح الذى عرف عنه وهو الى ذلك يدخل فى العوامل التى ادت به الى خلق لغة خاصة به هي حديثه الذى دأب أن يمليه فى عفوية امتزجت فيها هذه العناصر التى ذكرها . وهو أكثر من ذلك يصف هذه اللغة فينسبها الى الكتاب المصريين بصفة عامة عندما يقول عن الثقافة القومية المصرية : " ثم ستراها قد اتخذت اللغة العربية المصرية لها أداة مرنة أنيقة رشيقة لا تنبو عن الذوق ولا تتجافى عن الطابع ولا تكلف قارئها مشقة وجهدا ولا تقل ان اللغة العربية مشتركة بين مصر وغيرها من البلاد العربية فهذا حق ولكن لمصر مذهبها الخاص فى التعبير كما أن لها مذهبها الخاص فى التفكير والبلاد الاخرى تتأثر بمصر ولعلها تتنافس فى تأثير مصر فى تفكيرها وتعبيرها " .

هذا ما يعتقده طه حسين وهو ما يسهل علينا تحليل لغته وارجاعها الى الطابع المصرى والشخصية المصرية بصورة عامة . وان طه حسين لمحق فى هذا اذ بدون هذا كيف يمكن فهم لغة ابن المقفع اذا لم ترجعها الى أصله الفارسي وكذلك ابن الرومى ووراثته الرومية وابن رشيق وافريقيتية وابن خلدون وتمسكه بمؤثرات بيئته والشاب وامتزاج شعره بروح شعبه.

وليس من الصعب اذن وقد اعترف بنفسه بتأثير الثقافة المصرية على لغته ان نحشر من جملة مؤثرات هذه الثقافة اللهجة العامية المصرية وما تمتاز به من خصائص واللهجة العامية المصرية هي عنصر من عناصر هذه الثقافة والمعبرة عن الشخصية المصرية أحسن تعبير . وإن البحث يقتضى أن ننكب على دراسة خصائص الجملة في العامية المصرية لنقابلها بالجملة فى نثر طه حسين وهذا عمل يتوجب القيام به من طرف الباحثين فى العلوم اللسانية. غير أنني ساقتصر في هذا المقام على ما ذكره طه حسين بنفسه وحدده فيما ذكرته من كلامه .

وبهدا يتضح أن ما اعتمل فى نفس هذا العبقرى من عوامل متشابكه متداخلة متناقضة فى بعض الاحيان هو هذا الأكسير فى صناعة الكيمياء الذي تحدث عنه ابن الأثير فالرجل استوعب التراث العربى الاسلامى وتأثر به أشد التأثر ولكنه لم يفهمه على وجهه الصحيح الا عندما غاص فى الثقافات القديمة واتجه يكرع من الثقافات العصرية ويتطبع بروح العصر ولكن روح العصر لا يمكن أن تؤتى أكلها وتوجد لصاحبها التوازن وتدفعه على الخصب والخلق والابتكار اذا هي لم تتفاعل مع الشخصية القومية ومقوماتها ومن بينها القدرة على التشبع بروح لهجته وموسيقاها ونبراتها وايقاعاتها ويضفى كل هذا على اللغة الفصحى التى يكتب بها فتتمازج موسيقى اللهجة مع هيكل الفصحى .

هذا هو الحل الذي ارتآه طه حسين فى المشكل القائم بين لغة الكلام ولغة الكتابة وحل العباقرة لا يتوصل اليه الا النادر من الكتاب وهو الكفيل بالقفز باللغة العربية ولعله الطريق الوحيدة التى توخاها عباقرة الكتاب فى جميع انحاء العالم . أما الحلول الاخرى فهى كلها حلول سهلة يتوصل اليها عامة الكتاب .

ولنأخذ على سبيل المثال فقرة من نثر طه حسين يقول عن على بن أبي طالب : " وقد كان يرى انه / أحق الناس / بالخلافة منذ وفاة النبي / ولكنه / صبر / حين صرفت عنه / الى الخلفاء الذين سبقوه / . فلما جاءته / الخلافة / لم ت / جئه صفوا / ولا عفوا / . وانما جاءته /بعد فت / نة / منكره / وكلفته / وكلفت / أصحابه / معه / أهوالا ثقالا / ثم أسلمت /ه بعد ذ / لك الى هذا / الموقف ال / بغيض / الى / كل نفس / أبية / والى / كل مؤمن صادق الايمان . . " .

هذه الجمل المتلاحقة التى تظهر فى انصبابها وكأنها جملة واحدة تتصف بالخصائص التى ضبطها طه حسين عند حديثه عن النفس المصرية وعن لغة التعبير المصرية .

أول ما يلاحظ أن التمسك بكل ما يمس عبقرية اللغة أى نحوها قد حافظ عليه طه حسين أشد المحافظة سواء كان ذلك فى التركيب أو الصيغ أو الاعراب ولكنه ادخل على الجملة نفسا يضفي عليها سهولة لا تكلف مشقة

ولا جهدا كما قال لأن لأن الرصيد اللغوي قديم وجديد في آن واحد قديم لأنه ليس هناك أية كلمة يمكن أن يقال أنها من ابتكاره فالألفاظ قديمة ولكنها جديدة لأنه أضفي عليها ثوبا من العصرية جعلها تبدو وكأنها ألفاظ مبتكرة ( صبر_ صرفت - أحق الناس - سبقوه - جاءته - لم تجئه - صفوا عفوا ) .

ثم ان الجملة فى مستواها الصوتى لها موسيقى تشبه ما حدده طه حسين بالضبط عندما يقول انها " تثب الى الامام ولكنها تستأنى " ثم هى " تقف من حيث تستأنى وهي أيضا " تقف من حين الى حين لتنظر الى الوراء " ، فقد حاولت فيما وضعته على سبيل التقريب من فواصل أن أبين النبرات الموجودة في الجملة وهي بالتالي تضبط الايقاعات فبدء الفقرة ) قد كان يرى . . الذين سبقوه ( انطلق منسابا والنبرات لم تعطل رغم شدتها النسبية فى وثبة الحملة ولكنه سرعان ما تستأني عندما يكرر فعل جاء ثلاث مرات وفعل كللف مرتين وحرف الى مرات عديدة ) الى هذا . . الى كل . . الى كل .. وان هذا التكرار لا يثقل الجملة بل يعطيها ايقاعا خاصا هو هذا الذي أراده طه حسين . ولا يفوتنا أن فى الفقرة نبرات كأنها قافية فالتاءات المتكررة واللامات ثم التنوين المكسور فى آخر الفقرة يكمل كل اجزاء الموسيقى فى الجملة .

والأمثلة كثيرة فى هذا الباب لا نستثنى القصص والروايات ولا البحوث والدراسات لأن لغة طه حسين قد تكيفت على حسب الطابع المصرى من دون تكلف ولا اصطناع وقامت في عصرنا بالدور الذى قامت به لغات العباقرة السابقين أمثال ابن المقفع والجاحظ وابن خلدون وابن رشيق.

هذه مساهمة متواضعة فى ذكرى طه حسين الذى قدم أجل خدمة للغة العربية وقفز بها قفزة مكنتها من أن تتحدى بهذه الصورة التى حددناها كل العراقيل والنوازع وجعلتها حية تواكب العصر وتدعو أبناءها للمضى قدما والانطلاق بها مرة أخرى من حيث وصل بها عبقرى العربية طه حسين.

واننى أرانى مدفوعا فى هذه الذكرى اشادة بالراحل الكريم وتخليدا لأعماله الى أن اقترح على هذا الجمع الكريم عملا من شأنه أن يؤكد اعترافنا بالجميل للفقيد وهو أن نكون هيئة تسمى هيئة طه حسين تتكون من أدباء من كافة البلدان العربية ويكون هدفها العمل على تيسير اللغة العربية فى زمن

محدود جدا ويقتصر على اقتراحين قدمهما طه حسين وهما تيسير الكتابة العربية وتيسير النحو العربى.

بعض المراجع : * طه حسين ، المجموعة الكاملة لمؤلفات الدكتور طه حسين ، دار الكتاب اللبنانى ، بيروت. * الى طه حسين فى عيد ميلاده السبعين ، دراسات مهداة من أصدقائه وتلاميذه أشرف على اعدادها عبد الرحمان بدوى ، دار المعارف ، 1962 . * سامي الكيالي ، مع طه حسين ، دار المعارف بمصر (سلسلة اقرأ ) 1952 * الدكتور شوقي ضيف ، الأدب العربى المعاصر فى مصر ، دار المعارف بمصر 1957 . Jacques Berque, les Arabes. La Bibliothèque arabe Sindbad 1973.  A. Martinet, Eléments de linguistique générale, Armand Colin, Collection U2. 1971.  - Anthologie de la littérature arabe contemporaine. Le roman et la Nouvelle, Editions du Seuil 1964.

اشترك في نشرتنا البريدية