الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

طه حسين رائد مدرسة وأستاذ أجيال

Share

منذ سنوات عشر ، غاب عنا الدكتور طه حسين ، غيابا لا بد ان ينتهى اليه كل حى من بنى الانسان ، تاركا وراءه تراثا خصيبا ، حافلا بالوان المعرفة والرأى والمنهج وحياة عظيمة باكمل معانى العظمة ، زاخرة بفنون الكفاح والصبر والنضال ، لا تأبه للصعاب ولا تضعف امام الاحداث ، مهما اشتدت أو قست ، فهى مشدودة الى مثل أعلى ، اخلص له صاحبه منذ الطفولة ، وظل يسعى وراء تحقيقه ، عنيدا مكابدا ، حتى ادرك فى النهاية انه حقق بعض ما كان يرجو ويأمل ، وانه اصبح جديرا باداء مهمته الانسانية فى الحياة ، كأحسن ما تكون الجدارة ، قدوة ونفعا وتوجيها وتنويرا .

وقد شهدت سنوات الغياب هذه ، كثيرا من ألوان العناية والاهتمام بفكر طه حسين واعماله الابداعية ، ويصنوف دراساته النقدية والادبية والتاريخية ، ومختلف نظرياته الاساسية فى ديمقراطية التعليم ، وتحديث الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية ، وموقفه من العلاقة التى ينبغى ان تكون بين الحضارة والثقافة العربية ، ساكنة او تتطور ببطء ،

وبين الحضارة والثقافة الاوربية فى صورها الحدبثة المتطورة ، التى ما تنى تتقدم وتسرع فى التقدم الى مدى لا ينتهى ابدا ، واذا كان الوفاء والعرفان بالجميل ، قد دفع الكثير من مؤسسات العلم والثقافة ، خاصة المصرية ، الى اقامة ايام دراسية لشرح ظاهرة طه حسين ، واثرها العلمى والادبى فى من حولها ، وما ارست من تقاليد منهجية فى البحث الجامعى ، وطرق الاستفادة من تطور العلوم الانسانية ، لغوية واجتماعية ونفسية ، وتوظيف منجزاتها فى فهم النص الادبى ونقده ، واكتشاف جوهره من ركام الاشارات الغامضة والاحداث المتداخلة ، وانواع التلبيس التى تتسلط عليه من هنا وهناك ، واذا كان العديد من الاصدقاء والتلاميذ والمريدين ، قد خصصوا الصفحات الطوال والقصار ، لما اعتقدوا انه يفيد القارىء فى معرفة حقيقة طه حسين ، وما اتسعت له من فنون الابداع والقول ، اذا كان هؤلاء واولئك قد ركزوا

على النواحى الايجابية فى حياة الرجل وادبه وفكره ، فان آخرين وهم كثيرون قد وقفوا موقفا آخر ، يختلف اختلافا جذريا عما فعل الاولون ، اذ نجدهم قد عقدوا له المحاكمات العلنية ، وقدموا بين يديها ادلة الاتهام والادانة ، حول حياته وما اكتنفها من علاقات خاصة وعامة ، وصوروا عمله الادبى والنقدى تصويرا شائنا ، يخدم فى جملته جهات اجنبية ، همها الاول الكيد للعربية وآدابها ، وتحطيم تراثها وتاريخها الذى به تعتز وتزدهى بين الاقوام !:

فهذا الاستاذ (( أنور الجندى )) يخصص كتابا كاملا ، يبين فيه مساوىء طه حسين ، فهو مرة احد دعاة التبشير المسيحى ، وهو اخرى عامل نشيط للمذهب الماركسى ، وهو ثالثة ممالىء للصهيونية ، من خلال إدارته لمجلة ((الكاتب المصرى)) فى منتصف الاربعينات ، الممولة من عناصر يهودية أو صهيونية ، كانت تخطط قبيل سنة 1948 ، لاستيعاب الكتاب العرب المصريين والهائهم عن قضية فلسطين العربية ، وهو رابعة عميل للثقافة الفرنسية ، اعتمادا على احاديثه وكتاباته عن الادب الفرنسى ، وهو اخيرا عدو للاسلام ، يسعى ما وسعه السعى للتشكيك فى مبادئه واصوله الجوهرية وانهامات اخرى ليس هنا مجالها .

وهذا المحقق المعروف الاستاذ محمود محمد شاكر ، الذى اخذت تسطع من حوله الاضواء ، وتخصص له جوائز التقدير فى مصر ، يعيد نشر كتاب له قديم عن (( المتنبى فى مجلدين كبيرين ، يروى فى مقدمته الطويلة قصة علاقته باستاذه الدكتور طه حسين ، وكيف اختلف معه فى اطروجتة الشهيرة عن (( الشعر الجاهلى )) وكيف استبان وهو يستمع الى دروسه درسا فدرسا ، ومحاضرة بعد محاضرة ان هذه الآراء مقتبسة من مقالة مرجليوت : (( المستشرق المعروف )) ومع كل واحدة يرتد الى رجع من هذا الكلام الاعجمى الذى غاص فى يم النسيان ))

بل ان الاستاذ شاكر ليتجاوز الى اتهام الدكتور طه حسين ، بالسطو على كثير من آرائه كما وردت فى كتاب (( المتنبى )) ويسوى بها كتابه (( مع المتنبى )) ، ويطيل فى ذلك ويسرف الى درجة يخيل لنا معها ، ان طه حسين فارغ عاجز متبطل ، دعى على الادب والادباء ، يعيش عالة على انتاج غيره ، وعلى كتاب الاستاذ شاكر بالذات : (( ونحن هنا لا نفخر باننا اول من كتب تاريخ المتنبى على هذا الوضع الذى تراه فى كتابنا ، ولكنا نقرر ذلك اقرارا لتحق ، وبيانا  للذى فعله معنا الدكتور طه ، حين اخذ آراءنا فافسدها ووضعها فى غير

موضعها ، واستعملها بغير حقها ، واخرج كتابه على غرار كتابنا . غير متهيب ولا متورع من مذمة او اثم ، واغراه بذلك ما يعلم من عظيم شهرته وبعد صيته ، وما يعلم ما نحن فيه من الخفاء والصمت وقلة الاكتراث بالدعاية الملفقة لانفسنا )) (1) ، ياتى هذا الاتهام وغيره مما ذكرت وما لم اذكر ، ضمن حملة كبرى ، تفرغ لها الاستاذ شاكر منذ امد بعيد ، فى جل كتاباته فى مجلة الرسالة وغير الرسالة ، والتى يمكن الرجوع اليها فى كتابيه (( اباطل واسمار )) و (( المتنبى )) ، فحواها ان هذه النهضة الحديثه التى عرفتها مصر وغيرها من الاقطار العربية ، وشملت ميادين الحياة كلها تقريبا ، منذ ايام محمد على وحملة نابوليون بونابرت ، الى ايامنا الراهنة ،

ما هى الا اثر من اثر الوقيعة التى دبرها الغزاة الاوربيون ، لاخضاع العرب والمسلمين حيثما كانوا : للهيمنة الاوربية ، باحداث تحول جذرى فى واقع الحضارة والعقيدة والدين ، ووقع التمهيد لذلك بايفاد البعثات العلمية الى أوربا ، (( وكان الغزاة يقنعون يومئذ من هؤلاء المبعوثين ، بان يعودوا الى بلادهم ببضعة أفكار يرددونها ترديد الببغاوات ، تتضمن الاعجاب المزهو ببعض مظاهر الحياة الاوربية ، مقرونا بنقد بعض مظاهر الحياة فى بلادهم ، وبان يكاشفو امتهم بان ما اعجبوا به هو سر قوة الغزاة وغلبتهم ، وان الذى عندنا هو سر ضعفنا وانهيارنا وقد وجدت ذلك ظاهرا ممثلا أحسن تمثيل عند رفاعة الطهطاوى واشباهه (2) ، ونتيجة ذلك هذه الاجيال العاجزة المفرغة من كل ما هو أصيل وتليد (( واحسست انى انا والجيل الذى انا منه ، وهو جيل المدارس المصرية ، قد تم تفريغنا تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضينا كله ، من علومه وآدابه وفنونه ، وتم ايضا هتك العلائق بيننا وبينه ، وصار ما كان فى الماضى متكاملا متماسكا مزقا متفرقة مبعثرة ، تكاد تكون خالية عندنا من المعنى ومن الدلالة ، ولانه غير ممكن ان يظل الفارغ فارغا ابدا ، فقد نم ملء هذا الفراغ ، بجديد العلوم والآداب والفنون ، لا تمت الى هذا الماضى بسبب ، واننا لنستقبله استقبال الظامئ المحترق ، قطرات من الماء النمير المثلج))  (3).

فانت ترى ان هذه الحملة العنيفة ، التى يشنها الاستاذ محمود شاكر ويظاهره فيها آخرون كثيرون ، وتطالعك فى الصحف والمجلات والكتب ، وتستمع اليها فى النوادى واماكن الخطابة والوعظ ، لا تستهدف الدكتور طه حسين فحسب ، وانما تتجاوز الى مثقفى اجيالنا الكبار فى الماضى والحاضر ، بل كل من نال قسطا كبيرا او صغيرا من التعليم الجامعى ، بل هى لتصل ذروة التطرف حينما تهاجم فترة هامة من تاريخ الامة العربية فى عصرها الحديث ، هذه التى استيقظت فيها النفوس والعقول ، على وقع الاتصال العنيف وغير العنيف بالغرب الاوربى ، واكتشفت فيها اجيالنا السابقة ، ان واقعنا عاجز عن المجابهة والتحدى ، وان قرونا من التطور والتقدم تفصل بيننا وبين اوربا الغازية ، وكان لا بد ان نستيقظ وان نعيد النظر فى كثير من مسلمات حياتنا الفكرية والادبية والاجتماعية وان نعيد ترتيب البيت وفق مقتضيات العصر الجديد ، وكان التعليم العصرى هدفا

اساسيا تقوم عليه نهضتنا المرجوة ، فكانت المدارس والمعاهد والجامعات وكانت هذه الاساليب الجديدة فى الدرس والتدريس ، واعتماد العقل قاعدة اساسية فى البحث ، لا ينبغى ان يصده عن ذلك اى مانع من موانع الرهبة الزائفة او غير الزائفة ، فقد استقام امام طلائع اجيالنا ان ماساة التخلف والتقهقر الذى اصاب الحضارة العربية الاسلامية ، وقعد بها طوال خمسة قرون تقريبا ، نابع اساسا من غياب العقل المنطقى وعدم تحكيمه فى شؤون حياتنا الروحية والمادية ، والانصياع الكامل الى دعاة المحافظة على ما هو كائن ، والقول بأن باب الاجتهاد قد اقفل ، وان كل قديم حسن وكل جديد سئ وبدعة لا ينبغى ان تقترف ، وبهذه المنجزات الجديدة اصبحت الحياة العربية تتطور وتتقدم ، وبدات تعرف كيف تفكر فى غدها وفى تخطيط مستقبلها آجلا وعاجلا .

والحق ان الانسان ليحار فى فهم الادعاء بأن تطور الحياة العربية ، وبخاصة فى حقول التعليم الجامعى وغير الجامعى ، وفى تطور الادب الحديث ، هو اثر من اثار تدبير الغزاة الاوربيين ، لبسط سلطانهم على الارض العربية وقهر مجتمعاتها حتى تدين بالولاء والتبعية لهم ، وان كل الذين تخرجوا فى الجامعات الاوربية وتكونوا وفق المناهج الحديثة السائدة فى جامعات أوربا وامريكا ، هم مكلفون بوعى منهم او بغير وعى ، باحداث انقلات وتحول فى طبيعة مجتمعاتهم ، يخرج بها عن حضارتها الى حضارة اخرى ، ويفرغ الاجيال الجديدة الشابة مما هى مسكونة به من الولاء للوطن وللحضارة والعقيدة والتاريخ ، فان الذى حدث ويحدث يقول غير ذلك ، فقد اصبحت

هذه الاجيال المتعلمة فى الجامعات العربية بالخصوص ، تنظر الى حضارتها وتاريخها وعقيدتها نظرة موضوعية جادة ، وتنزلها منزلتها الواجبة بين حضارات العالم ، قديمة كانت أو حديثة ، وتكتشف فيها ما تمتاز به فى جوانب كثيرة منها ، من معان باقية وقيم اصيلة خالدة ، ومن آراء صائبة ما زالت لها القدرة على النفع والتوجيه ، وباتت هذه العقول الجديدة ، بفضل هذه النهضة الجديدة ، تتعامل بوعى وبيقظة تامة ، مع احداث عصرها ومع النظريات والايديلوجيات الجديدة التى تسعى الى الانتشار والذيوع ، واحتواء الافراد حيثما كانوا فى كل انحاء الارض ، بل لم لا نقول : إن الذين تصدوا للغزو الفكرى والعسكرى الاوربى ، وتولوا الدفاع بكل بسالة وبطولة ، عن الارض والعقيدة والحضارة ، هم بالذات هذه الاجيال الجديد التى تكونت فى مناخ العلوم والثقافة العصرية ، واحتكوا احتكاكا قويا او ضعيفا بالمجتمعات الاوربية ، سواء بالدراسة او الاطلاع والحوار والمباشرة ؟

فلاول مرة نجد هؤلاء ينظرون إلى الواقع الجديد ، واقع الغزو الاوروبى للارض العربية نظرة موضوعية خالصة ، تخلو من اية خرافة او وهم ، او شعوذة تنسب كل ما اصاب امة العرب والاسلام الى القضاء والقدر ، او ان الله سلط نقمته على الناس ، فابتلاهم بالاستعمار والاحتلال والتخلف ، وانما هم نظروا الى هذا الغزو كظاهرة اجتماعية حضارية ، تخضع للاسباب والعلل ، ومن هنا فقد بدأوا يعدون العدة ويمهدون الوسائل ، داخل النفوس والعقول ، وداخل البيئة والمجتمع ، حتى تكون المواجهة متكافئة بين قوى الصراع المختلفة ، وبالفعل استطاعت شعوب الامة العربية الوقوف على قدميها ، وصد الغزاة الاوربيين صدا عسكريا وسياسيا لا شك فيهما وان ظل البون شاسعا بيننا وبينهم ، فى مجالات العلوم والتكنلوجا ، والرقى الاجتماعى والتطور الاقتصادى .

صحيح ان جيل طه حسين ، فى مصر وفى الاقطار العربية الاخرى ، قد احدثوا انقلابا اجتماعيا وفكريا وثقافيا فى الواقع العربى ، ولكنه انقلاب وتحول باتجاه التاريخ والمستقبل ، وفى صالح الانسان العربى وضرورة حروجه الى ساحة العصر الجديد ، ومشاركته مع غيره لتقرير المصير الانسانى على اسس من العدل والمساواة ، واحترام الشعوب بعضها لبعض ، بعيدا عن العنف والقهر والاستعمار ، دون ان ينال هذا الانقلاب والتحول من شخصيتنا الحضارية العربية الاسلامية ، بل ان هذه الشخصية ازدادت فى عصرنا الحديث توهجا ولمعانا ووضوحا ، حينما وقع الكشف عن جوهرها الاصلى من وراء اكداس التعمية والقوالب الفارغة ، ومتون التلاخيص المخلة بالعلم

والتحصيل - كما يقول بحق ابن خلدون - ومن وراء النقول الموجزة وغير الموجزة والاحكام الجائرة الباتة القاطعة ، على اجتهادات المجتهدين ، فلاسفة كانوا او متكلمين او ادباء وشعراء ، او رجال دين ايضا ، بدت من وراء ذلك متكاملة متزنة ، تحفل بالفكر العميق وبالرؤية الشاملة وبالقول الدقيق الجميل وبالعمارة الهندسية الرائعة ، لا غلو فيها ولا اسراف ، ولا خرافه ، تلهى الناس عن حياتهم ، والكفاح من أجل الوصول الى درجات أرفع من الحياة الكريمة ، فى وطن يعتز بانتماءاته الحضارية ، ويتهيأ دوما للدفاع عنها بكل بسالة وفداء .

ولا احسب ان احدا - الاستاذ شاكر أو غيره ، ينكر ان الفترة الحديثة من حياة الامة العربية ، هي التى عرفت بشكل علمى دقيق ، رموز الفكر العربى والذين نهضوا بارساء قواعد الحضارة والثقافة العربية على خير الوجوه ، أمثال المتنبى والمعرى وأبى تمام والبحترى وابن الرومى ، وغيرهم من الشعراء ، والجاحظ وابى حيان التوحيدى وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب ، من الادباء المفكرين ، والفارابى والكندى والرازى والشيخ الرئيس ابن سينا وابن رشد وابن خلدون ، واخوان الصفاء وفرق المتكلمين معتزلة وغير معتزلة ، وغيرهم من الفلاسفة ، كلما احسب ان احدا لا يستطيع ان ينكر ، ان جيل طه حسين - وهم متوزعون فى كل الارض العربية - هو الذى نهض بالعبء الاكبر فى هذا الخصوص ، فلاول مرة يجد المثقف العربى تاريخا امينا وموضوعيا للفكر العربى الاسلامى ، فجرا وضحى وظهرا ، على يد الدكتور أحمد أمين ، ويجد دراسات اسلامية عميقة للفلسفة القرآنية وللعبقريين الكبار فى تاريخ امة الاسلام ، على يد الاستاذ عباس محمود العقاد ، ويجد غير ذلك من الوان الدراسات العلمية الدقيقة ، حول الشعر والادب العربى منذ جاهليته الى الآن ، انجزها الدكتور طه حسين وزملاؤه فى الجامعة وغير الجامعة ، امثال الدكتور محمد حسين هيكل والمازنى والعقاد وشوقى ضيف ، وغيرهم كثير فى مشرق الوطن العربى ومغربه ،

بل ان خدمة التراث العربى الاسلامى ، فى شتى مجالاته المتنوعة ، لم تظهر هذا الظهور المشرف الا بفضل البحث الجامعي المنهجى ، وما استجد من اصول وطرق ، فى تحقيق التراث والكتاب بعامة ، ولو لا ذلك لما تيس الباحثين والنقاد والمثقفين والقراء بعامة ، الاطلاع على تراث ابن خلدون وا الفرج الاصبهاني وابى الغلاء المعرى وابى حيان التوحيدى وابى عثمان عمر بن بحر الجاحظ . ولما وقفوا على تفاسير المفسرين واحاديث المحدثين ، و كتب عنها وحولها ولما حدث هذا الالمام الجيد الواسع ، بترائنا وحضارت

وبفكرنا النير الاصيل ، المصفى من كل بدع التلخيص والتعاليق الهامشية ، التى كثيرا ما اخرجت النصوص عن حقيقة مدلولاتها ، واتهمت اصحابها بتهم الزندقة والمروق ، ولولا ذلك ايضا ، لما ظهرت هذه الاجناس الادبية الجديدة ، فى حياة ادبنا العربى الحديث ، كالرواية والمسرحية والمقالة والقصة القصيرة ، ولما حدثت هذه الالوان الجديدة فى النقد الادبى ، متأثرة طورا بالنقد الادبى القديم ، وطورا آخر بالنقد الاوربى الحديث ، حسب مناهج نتطور وتتقدم باستمرار ، والاهم من ذلك ، لما حدثت هذه الثورة الشعرية الجديدة ، بطورها الرومانسى عند على محمود طه والشابى شبكة وجماعة المهجر وجماعة ابونلو ، وطورها الحديث عند بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتى وصلاح عبد الصبور واحمد عبد المعطى حجازى ، وشعراء الحداثة الفلسطينيين ونتيجة لذلك كانت هذه الروح الجديدة التى اخذت تسرى فى انفس شعرائنا العرب ، وتضطرهم اضطرارا الى البحث عن منابع التجربه الشعريه الصادقة ، والسعى الدؤوب لصياغتها الصياغة الملائمة ، فى غير ما تعمل او اتباع لخطوات قديمة او حديثة .

وغير خفى على الذى يقرأ كتابات الاستاذ محمود شاكر ، متفرقة كانت او فى كتاب ، انه ينتسب انتسابا قويا الى مدرسة سلفية ، موغلة فى سلفيتها تفهم الدين والادب والتاريخ ، على انه المحافظة الشديدة على الصيغ القديمة والتقيد المتزمت بمناهج البحث القديمة ، وان كل محاولة لديها لابداء وجهة نظر جديدة ، ولو كانت تعتمد معطيات معينة من داخل النصوص ووقائع التاريخ ، هى مس بقداسة التراث والعقيدة ، بل انها فرصة للاتهام والتجريح ، وتأليب الغافلين على هذا الباحث الجديد ، الذى يحاول الاساءة الى التاريخ والعقيدة والحضارة ، وتهشيم الصورة السلفية التى تنزوى فى كثير من الاذهان ، ويرونها (( صك الغفران )) الذى يقربهم من الله زلفى ، وقد اتيح لهذه المدرسة السلفية ، فى وقت من الاوقات ، بمصر وغير مصر ،

ان تمد يدها وان تضرب بها يمينا وشمالا ، فتقف فى وجه الشيخ على عبد الرازق - وكان من هيئة كبار علماء الازهر - حينما أصدر كتابه الشهير (( الاسلام واصول الحكم )) ، وقال فيه ان الخلافة ليست اصلا من اصول الاسلام وانها دنيوية سياسية لا صلة لها بالدين ، وان القرآن الكريم والاحاديث النبوية الصحيحة ، لم يشيرا اليها ، ولم يبنيا محتواها ، وما عددا شروط الخليفة ، والاسس التى يقوم عليها اختياره ، وكانت حملات مركزة خرج بموجبها الشيخ على عبد الرازق من الهيئة العلمية للزهر ، وجرد من شهائده وانزوى فى داره الى وقت طويل ، نفس ما حدث للطاهر الحداد بتونس ،

غير ان الشيخ عبد الرازق لم يكن وحده فى الساحة ، فقد عاد طه حسين من أوربا وانضم الى عدد من مفكرى مصر ، يمثلون جميعا هذه المدرسة التى يمكن ان تسمى  (( مدرسة التجديد ))، فوقف فورا الى جانب الشيخ الطريد ، وكتب مقالا بجريدة (( السياسة )) التى يديرها الدكتور محمد حسين هيكل ، فرق فيه بين الدين والازهر ووجه الخطاب الى الشيخ الثائر قائلا : (( دعتا نتحدث فى حرية ، ولا تكن ازهريا لقد خرجت من الازهر ، نعم سنضحك منك ومن كتابك ، وسنضحك من الازهر ومن الذين اخرجوك منه ، فماذا قلت فى هذا الكتاب ؟ قلت ان الخلافة ليست اصلا من اصول الاسلام ، فهلا اكملت البحث واتممت النظرية ، فالخلافة ليست اصلا من اصول الاسلام ،

وانما هى اصل من اصول الفقه الرومانى ، سنرى ان الخلافة عند المسلمين   ليست الا مناصب الامبراطورية الرومانية وان الخليفة ليس الا امبراطورا ، وان مناصب الحكم عند المسلمين ليست إلا مناصب الحكم عند الرومانيين ))  (4) وطبعا فان موقفا كهذا من طه حسين ومن اصدقائه ، لن يعجب المدرسة السلفية ، ولن يعجب صاحب القصر الكبير الملك فؤاد ، الذى كان يتوق كثيرا للقب الخلافة ، بعد ان فقدها عبد الحميد سيد العثمانيين ، بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى ، وكان الترقب والانتظار لتصفية الحساب مع هذه المدرسة الجديدة ، التى أخذت تنشيط فى كل مجالات الحياة المصرية الجديدة .

وجاءت الفرصة بين أروقة كلية الآداب حينما أعلن الدكتور طه حهسين : (( ان الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ، ليست من الجاهلية فى شىء ، وانما هى منتحلة مختلفة بعد ظهور الاسلام ، فهى اسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم واهواءهم ، اكثر مما تمثل حياة الجاهليين ، واكاد لا اشك فى ان ما بقى من الشعر الجاهلى الصحيح قليل جدا ، لا يمثل شيئا ولا يدل على شىء )) ، فثارت الثائرة ، وارتفعت الاصوات بالنكير والتهديد والوعيد ، وصدرت الكتب المعترضة تباعا ، تدين وتتهم ، واستغلت السياسة الرسمية الموقف ، فابعدت طه حسين عن الجامعة ، وبرز مصطفى صادق الرافعى ينقد طه حسين (( تحت راية القرآن )) ، يرجع  فيها كل كلمة لطه حسين ، الى انها مس بالدين والتراث وعقيدة الناس ، اثناء هذه الضجة العنيفة كان محمود محمد شاكر يدرس بكلية الآداب ، تلميذا لطه حسين ، فينشق عنه ويعتزل

الجامعة والحياة العامة ، الى ان تتهيأ له الفرصة فى منتصف الثلاثينات ، فتطلب منه مجلة (( المقتطف ))  مقالا عن ابى الطيب المتنبى بمناسبة ذكراه الالفية ، فيكتب لها كتابا كاملا ، اصدرته فى عدد خاص بالشاعر العربى الكبير ، وهو هذا الكتاب الذى اعاد نشره سنة 1977 ، بعد ان اضاف اليه اشياء اخرى كتبها حين صدور كتاب (( مع المتنبى )) للدكتور طه حسين ، وفيها يقول كما اشرنا فى بداية هذا الحديث ، الى ان طه حسين اخذ عنه منهجه فى دراسته للمتنبى ، وهو منهج التذوق للشعر ، واستخلاص النتائج وفاقا لعملية التذوق ، وهو لعمرى ادعاء تنقصه الحجة البينة ، فمتى كان التذوق منهجا خاصا لمحمود شاكر ، اذا ذكر لا يتعدى الا اليه ! ؟ فمنذ القديم منذ الجرجانى والآمدى ، كما بين الدكتور محمد مندور فى كتابه العظيم (( النقد المنهجى عند العرب )) الى ايامنا هذه ، وعملية تذوق النص الادبى ،

شعرا او غير شعر ، ركن اساسى فى العملية النقدية ، بل هى لا تحقق نتائجه الايجابية الا بالانطلاق منها والرجوع اليها ، وثقافة طه حسين النقدية كما تظهر فى كتبه وأحاديثه ومحاضراته ، ثرية الى ابعد الحدود ، تلم الماما واسعا بالنقد العربى القديم والنقد الاوربى الحديث ، وتحسن توظيفها فى كل عمل ادبى تتصدى له .

مسألة منهج (( تذوق الشعر )) هذه التى يطرحها الاستاذ شاكر ، فى قضية خلافه مع حسين حول المتنبى ، نجدها مرة اخرى تطفو فى مواجهة شك طه حسين فى اغلب . الشعر الجاهلى ، فهو يرى ان عملية التذوق ينبغي ان تسبق الشك ، ((والى ضرورة قراءة الشعر الجاهلى والاموى والعباسى ، قراءة متذوقة مستوعية ، ليتبين الفرق بين الشعر الجاهلى والاسلامى ، قبل الحديث عن صحة نسبة هذا الشعر الى الجاهلية ، او التماس الشبه لتقرير انه باطل النسبة ، وانه موضوع فى الاسلام ، من خلال روايات فى الكتب هى ذاتها محتاجة إلى النظر والتفسير ))  (5)  ، ولكن المنطق البدهى يقول غير هذا ، واصول البحث الجديد والقديم تقضى بغير ذلك ، فلكى اقرا نصا واتذوقه واستوعبه ، لا بديل ان احقق نسبته الى صاحبه والى عصره ، ولا يستطيع ناقد مهما كان نافذ البصيرة ، ان يفرز بالتذوق خليطا هائلا من الشعر ، لا يدرى احد من هم قائلوه ، وما هو العصر الذى نجموا فيه ، اذن لابد من

تصحيح نسبة الشعر الى قائلة ، والى معرفة العصر الذى ظهر فيه ، قبل الدخول فى أية عملية تذوق ، يترتب عليها بيان خصائص جمالية وفكرية اجتماعية ، على ان الدكتور طه حسين حينما اعلن شكه ذاك . لم يقصد ان يحذف العصر الحاهلى من الادب العربى ، وانما اضاف ان معرفه العصر الجاهلى وحياة الجاهليين بعامة ، يمكن الوقوف عليها والتعرف الى خصائصها واجوالها العامة والخاصة ، بدراسة القرآن ، اذ تعرض إلى نقد أفكار ومعتقدات واخلاق الجاهليين ، نقدا تفصيليا مركزا ، يفيد حتما فى تصور ذلك العصر ، ومعرفة ما كان يدور فيه من ألوان الصراع الفكرى والاجتماعى والادنى ، بيد ان الاستاذ شاكر لا يريد ان ياخذ بمنطق عقلاء الناس ، ولا بما درجوا عليه ويدرجون ، حينما يدرسون ، او يتصدون لقضية طال عليها الامد ، واختلفت حولها الاقوال والروايات ، حتى عند اصحاب كتب الطبقات كابن سلام الجمحى وغيره من اهل البصر بالشعر والادب والنقد ، وانما هو منصرف انصرافا كليا الى هدم طه حسين ، وبيان فساد منهجه فى دراسة الشعر الجاهلى ، وفى الاجتراء على افكار الآخرين فى دراسته لابى الطيب !

وكما هو واضح ، فان خلاف الاستاذ شاكر مع طه حسين ، ينبغى ان يرد الى خلاف اساسى بين مدرستين ، مدرسة سلفية ، تنظر الى الحياة والمجتمع والادب ، نظرة تقليدية ، لا تقبل بأى شكل من الاشكال ، أى تطور أو تغيير فى ما تركه لنا القدماء اخطأوا ام أصابوا ، ومدرسة جديدة ، رد كالية ان شئت ، تثقفت ثقافة جديدة ، وتكونت تكونا متينا فى معرفة الحضارة والادب العربى والفكر الاسلامى ، واحتكمت الى العقل فى كل ما تقبل عليه ، لانه اداة المعرفة الوحيدة فى هذا السبيل يحدوها طموح كبير ، الى ان تغير من واقع الحياة والناس ، حتى يصبحوا كغيرهم من أولئك الكثيرين ، الذين غيروا بالعقل والعلم والبحث ، حياتهم ووجودهم نفسه ، وسخروا الطبيعة لارادتهم فغدت طيعة ذلولا ، واذا كان يخيل للمتأمل فى بعض اللحظات ، ان قليلا من الشك بدأ يصيب عددا من متعلمينا ومثقفينا ، فى جدوى العلم  ،

وجرأة البحث ، عودا على بدء ما كان يحدث منذ خمسين سنة ، قبل انتشار التعليم وارساء الجامعات ، فانما هى سحابة عارضة ، مصدرها هذا الفشل السياسى والاجتماعى ، الذى احدق بامتنا العربية ، سريعا ما تنقشع ، ويعود الامل القوى الى النفوس ، والايمان الواثق بقيم العلم والعقل ، هذه القيم التى كانت جوهر الحضارة العربية ، وجوهر الفكر الاسلامى ، وخلوده على مدى القرون .

لقد مضت عشر سنوات بعد وفاة الدكتور طه حسين ، حدثت اثناءها احداث وخطوب ، وألم بالعرب ما هو جدير بأن يملأ النفس هما وحزنا ، وما هو جدير ان نتوقف عنده ، فنتامل ونعيد النظر فيما انجزنا وفيما لم ننجز ، وقلت لنفسي : ما اجدرنا فى هذه المرحلة الراهنة بالذات ، الى منهج الدكتور طه حسين فى البحث والدرس والتفكير ، فقد طغت الترهات والاباطيل ، وران على كثير من النفوس قناعة وسكون ، هما اعدى اعداء العمل والطموح ، وما اجدرنا ان نتعظ بحياته العظيمة ، وبكفاحه القوى ضد الآفة الطبيعية وضد العادة الموروثة ، وضد الباطل مهما كان مصدره ، وان نتذكر مقولته المحببة اليه دائما : (( حب للمعرفة وصبر على المكروه )) .

اشترك في نشرتنا البريدية