يقرأ سواى الشعر فيطرب ويتمتع ، بمجلسه مع القصيدة مجلس مستريح في روضة زاهرة على شاطئ غدير ، أما انا فلا سطيب من القصيدة فى الدرجة العليا الا يعذب ويؤرق ! صار هذا ديدني منذ عرفت ابا العلاء المعرى فى صباى القديم حيث فتح عيني على آفاق تتوهج بالمرارة والشجى . اذ عرض من مأساة الحياة ما يسير الشجن ، ويصعد الزفرات الحارة حسى اصبحت لا أكاد أحفظ الا ما نحا منحاه واذ كنت قد عرفت ابا العلاء بعد أن عرفت البحترى فان هذه المعرفة العلائية جعلتني أقرأ البحتري فلا استطيب كثيرا جدا ما يجمع عليه الناس من روائعه كقصيدة " ايوان كسرى " مثلا ، ولكنى اقرا ديوانه لاقف مناوها عند مثل قوله :
من ارت الدنيا نباهة خامل
فلا ترتقب الا خمول نبيه
أو قوله :
لعمرك انا والزمان كما عدت
على الاضعف الموهون عادية الاقوى
أو قوله :
اذا شئت ان تستهون الخطب فالتفت
الى سلف بالقاع اهمل نائمه
هذا ما استطيبه من شاعر قريب الغور كالبحترى ، وقل مثله عن ابي نواس وبشار وشعراء اللذة الصاخبة من رجال اليتيمة ولست بحاجة الى ان اعرف ان فى نزوعى الى الشعر التأملي ضربا من التشاؤم فمن الذى يرى متناقضات الحياة ولا يتشاءم حين تجعل الرأس ذيلا ، والقمة سفحا ثم تهوى بالجميع الى قرار سحيق ، أقول هذا بعد أن قرأت أخيرا الملحمة الشعرية الخالدة : طوفان النور التى نظمها الشاعر العميق الانيق فارس سعد وقد كنت أقرأ فارس سعد فأراه يتمتع بترف أنيق في خواطره ومعانيه ، وباستقراطية ثرية فى صياغته ومبانيه . ثم انظر الى صورته الساطعة جوار قصيدته فأرى فى عينيه نفاذا يخترق الحجب ، وفي مظهره اناقة تستوحى الجمال ، ثم اقرأ شعره فأرى هذا البصر الحديدي يخترق في دنيا المعاني اسدالا كثيفة ليسلط عليها الضوء ، كما أشاهد اناقة الملبس تتخذ مظهرها الساحرى فى ديباجة رائعة تخضع خواطره الملهمة الى فيضها الآسر . . وتجيء - بعد - هذه المرارة الاليمة التى يمتلئ بها كأس الشاعر لا عن ولوع بالسفسطة النظرية ، او تكلف للتحليل النفسى بل عن خبرة صادقة بمتناقضات الدنيا ومآسيها ، فأجد روح أبي العلاء التى حببت الى افرادا من الشعراء
الخالدين . تطل بسطوع اخاذ في شعر فارس سعد : ! ولن يفهم احد ان معنى ذلك ان فارس سعد يستلهم ابا العلاء لان العصر الحديث يقدم من انواع الثقافة وضروب الاحاسيس ومشتجر التيارات مالم يتح لابي العلاء ، ولكن معناه اني اجد عند فارس سعد ما يرضيني من ثورة الاحساس وعمق التأمل ومرارة التجربة . واقرأ ان شئت قوله :
عجبت لذى الحرمان يشكو مذاقه
فهل كان بالاحلام لولاه ينعم
تعلم قلبي كيف يحلم عندها
رأي كيف اشقى في جهادى واحرم
تذوق ثغرى غير ما انا شارب
على شفتى شهد وفي الكاس علقم
وكم حلمت بالخمر نفسي فانتشت
وفي راحتيها من جنى الكرم حصرم
ساندب احلامي اذا ما تجسمت
ومن لى بان تبقى ولا تتجسم ؟
اتسالني عنها ؟ حسان جميعها
واحسنها الحلم الذي هو مبهم
سابقى عليه مشفقا لا أصوغه
لاني إذا ما صفته يتحطم !
فانت ترى كيف عمق الاحساس بالحرمان تعميقا يفتح نوافذ الضياء على سراديب مظلمة ، فالحرمان النفسي مصدر الأحلام البهيجة ، ولو خلت الدنيا منه لفقدنا مسرات الامائى وملذات الانتظار ، وهي جميعها حسان لطاف فلا بد ان نبقى عليه لنظل فى وهم السعادة وخدر الاشواق ! ان هذا الشرح المبتسر يفقد الشعر ايحاءه وهمسه . ولكن لا معدى منه فى هذا المجال .
ثم جاءتني ملحمته الخالدة " طوفان النور " فقراتها في دهش وذهول ، لأن الشاعر الانساني قد فضح الحياة فى ملحمته فضيحة نكراء فهي فى مختصر امرها :
جيفة قد تسترت بالرياحين والزهر
وكل الشعراء يقولون ان الدنيا جيفة قذرة ولكن الشاعر العظيم هو الذي يكشف الاغطية عن فواجعها الدامية حتى تراها رؤية تستثير كوامنك الدفينة . وأول هذه الاغطية وحشية الانسان التى ورثها عن الغاب وغلفها بالحرير والدماثة والعطر والابتسام ، فلم ينس طباع النمور والافاعى فيما يشن من حروب او يدبر من مكايد :
خجل من مظاهر الغاب فيه
ينتحيها بصبغه ودهانه
لا تسل عن فريسة الغاب صارت
سفرة العيد فوق زاهي خوانه
كل شئ من فطرة الغاب فيه
غاب في بشره وظرف ليانه
غير روح ابت شراستها الحجب
فثارت على سدول حنانه
دس على ذيله اذا ارتبت فيها
فتراها تطل من اجفانه
نعم تنساب بين فكيه والاظفار
على رؤوس بنانه
فاستجد بحديد مرهف باب
وغدا ظفره شبا سنانه
هذاس ، بوحشية لانسب فى حروبه وخالف هو الذى دعا الشاعر الى الهدف بالعالم الانسانية وتحدى نعرات القومية
والوطنية التى لا تقوم الا على سفك الدماء وبعثرة الاشلاء ، وله فى هذا المجال وثبات طائرة لا يغني الاستشهاد ببعضها عن قراءة جميعها ، لان الوحدة العضوية فى هذه الملحمة الرائعة قد أقامت منها قصر شاهق البناء لا تستطيع ان تكتفي بحجرة منه أو حجرتين عن تفصيل ما يحوى من ابهاء ومقاصير وما يمتد امامه من اشجار وجداول وتستطيع فقط ان تجد ما يشير الى هذا النمط الإنساني الحي في مثل قوله :
لا ابي قاتل اباك ولا اجداد
ك اجتاح سيفهم اجدادي
اللون عليك من غير لوني
وبجاد لبست غير بجادي
ولسان نطقت غير لسائى
وبلاد سكنت غير بلاد
تضحك الأرض من حدودكما خط
ت ستمحي بالمرهفات الحداد
وحدة الارض ليس يخشى عليها
من بنيها تنافر الاضداد
في اختلاف الالوان تأتلف الازهار
في حقلها ائتلاف وداد
فلماذا تباين اللون منا
باعث من خصامنا واللداد
ليت شعري والموت ظل التأخي
هل تظل الحياة ظل التعادى ؟
ولن نجد فى هذا المجال أروع من هجومه على سفاحى الانسانية ممن ندعوهم ابطال التاريخ أمثال جنكيزخان وهتلر ونابليون الذين اثاروا الحروب الطاحنة فيجرون الكوارث ويثيرون الزلازل والبراكين
متشدقين بالوطنية الكاذبة . . نسمع الى بعض ذلك في قول فارس على لسان جندي ساق الى العممة دون بصيرة تهدي
نفخ البوق قاندى وارانى
اننى جائع ولحمك زادى
ولهذا اصطفاك قائدي الاعمى
فسرنا في طاعة القواد
وخلعنا على الجنون نعوتا
لم تنكره فى عيون الرشاد
وضفرنا على سقوط ضحايا
نا شعارا من جرأة وعناد
وغسلناهم مواليد مجد
بجفون اسخن ماء العماد
فرحة النصر لن تميت المآسي
تحت ضرب الصنوج والاعواد
ليس هم الحديد قتل نفوس
همه قتل فكرة واعتقاد
قل إذا قلت امتي ذات حق
لا تقل ذات صولة وعتاد
حبة الرمل يا اخي ذات حق
فى ثراها كراسخ الاطواد
وجنون الرياح اعجز من ان
يخرج الرمل من حدود البوادى
فى الحرب من ملاحم نقد كان لفارس سعد فى هذا المجال لقطات متوهجة واشدها لذعا ما وفق اليه من تصوير العهر النسائي فى سلب المحصنات وهتاك العذارى واعداد هذا المنحدر الوبيل نجاحا يتيح اقتطاف الثمر ومجدا يرخص استباحة الحرمات ثم مرور الاجيال على اباحة هذا
العهر - ونبرير ما يسبب من فجانع رخيضة . ن بها المشاعر الانسانية اهانة منها فى الاوحال ماذا أريد ان اقول ان شخص لا يجدى فى أزمتى النفسية التى اثارتها هذه الملحمة الرنانة لتفرض على ، أن اكتفى بالوشل عن المحيط فاستشهد بمثل قوله :
شرس الشوق في الضلوع فامست
شهوة الحب شهوة الافتراس
وافتراع الابكار لونا من الفتح
وطعن الاقران والاحلاس
يوم اخرجت جارتى من خباها
تتلوى بقدها المياس
يوم روعتها بجارة ذنب
وهي في خدرها مهاة كناس
سمتها العرى من عفاف وثوب
ومن العدل ان تكون الكاسي
انت روضتها لعهرك بالسو
ط فذلت لديك بعد شماس
انت عابقتها بصولة فرن
فى دجى النفع طاعن دعاس
انت ضاجعتها على كوم القتلى
وبين الاقذار والارجاس
مثلما ضاجع الفريسة وحش
جائع بين موحش الارماس
ليواري الرفات بين رقات
ويذيب الادناس في الادناس
انا منك الثارت عهرا بعهر
فانتصفنا من كفتي قسطاس
وشفتني شفاه جارتك العذرا
. من سحر جفنها النعاس
فضفت الختام عن خمرها البكر
وخلفتها ثمان حاسي
سقطت دون عرضها تتعرى
بين اظفار كاطر فراس
انا عانقتها على سكرة النصر
وقرع الطبول والاجراس
هو فتح قد رافق الفتح جازت
بهما الحرب حنكتى ومراس
ولن استطيع ان انقل بعض ما قال الشاعر عقب ذلك فى ص ٥٨ اذ كشف فارس نزواتنا الساقطة كشفا جعلني أدارى وجهى خجلا من انسانيتى وانا اقرأ .
أما صراخ الشاعر فى تسجيل مجد الشرق بالنشيد السابع واستهزاؤه بانحدار البحث العلمي الى النسف والتخريب فى النشيد الثامن فما يروع ويعجب وله فى ذلك وثبات عبقرية تتجلى في مثل قوله :
، ها د . نارد الذي بخرته
حذوة الفكر عن سناما دخانا
حبسوه في قمقم العلم فاحذر
منه للختم ان تمد البنانا
بئس ذاك النبوغ ايحاء جن
قد تغالي به الجنون افتنا
قد تبرأت من نبوغي في الشع
ر اذا كان ملهمي شيطانا
لا تلوم الحياة من لم يعشها
عبقريا ان عاشها انسانا
ثم تتوالى الاناشيد على هذا الضرب من التفوق المتفرد بطابعه اتجاها وشعورا وخيالا وصياغة .
ان ملحمة " طوفان النور " مع قسوتها المفرطة فى تعرية الانسانية امام الاجيال لم تشأ ان تسد الطريق على مشرق الصبح ففتحت كوى للنور الوافد يحلم به المستقبل الجديد ، وانا اهنىء هنا الشاعر بعد هذا العرض السريع فان تهنئتى تساق غالبا الى شاعر متوسط يتنقل بين المروج والسفوح اما صاحب القمم العالية فهو فوق التهنئات .
مصر . الفيوم . دار المعلمات . .

