الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

طي المغني، الشر

Share

توقفت السارة الفخمة على حين فجأة ، تاركة " بصمات عجلاتها على الاسفلت ، وتساءل الذين كانوا بداخل السيارة عن سبب هذا الوقوف المفاجئ . . ولكنهم عندما شاهدوا شرطى المرور يقترب منهم ادركوا ان الأوامر المفاجئة أتت من " حارس النظام "

وأتم السائق انزال زجاج نافذته اليسرى ، ثم أخذ يخرج أوراق السيارة قيل أن يطلبها منه شرطى المرور . . ولكنه تردد فى تسليمها لما سمعه يقول له بصوت شحي : " هات أوراقك هات . . "

وابتسم السائق ، وهو يقول له : " صباح الخير . . "

وأجابه الشرط بصوت جهورى وهو ما يزال يغنى : " أقول لك هات اوراقك ، وتقول لى صباح الخير يا حبيبي ?? ؟ ! "

وابتسم السائق وهو يلتفت هذه المرة الى من معه فى السيارة علهم يسعفونه في انقاذ الموقف قبل أن ينفجر ، ولكنه شده لما وجدهم ينظرون باستغراب الى شرطي المرور ، الذى صاح أكثر من ذى قبل ولكن بصوت منغم : "  راقك . . وإلا . . وإلا . . " وتوقف عند "وإلا " كما لو كان عطب ما حصل بجهاز الحاكى فغدا يردد نفس اللحن.. .

وخشي السائق أن يتطور الموقف الى ما لا تحمد عقباه فبادر بسؤاله " ..؟!ولماذا . .؟ هل قمت بمخالفة لا سمح الله . . " وأجابه الشرطي وهو يغنى بصوت رخيم : " تجرى بكل هذه السرعة

وتتساءل لماذا . . أمرك عجيب يا حبيبي.." - إننى . . إنني

وقاطعه الشرطى وهو يغنى : " أوراقك . . أوراقك ولا تكثر من كلام لا فائدة منه . . " منه " . . " منه " . . " منه " فقد توقفت إبرة الحاكي مر جديد الشيء الذى دفع أحد ركاب السيارة الى أن ينفجر ضاحكا بصوت مسموع . .

وانحنى الشرطى قليلا لينظر شزرا اليه من خلف زجاج النافذة . . ولكن السائق كان قد أسرع بتسليمه الاوراق ، فأخذها منه ، وهو ينقل نظراته الى الراكب . . ولكنه سرعان ما ظهرت عليه علائم الخوف لما قرأ الاسم . ووقف وقفة عسكرية ، وحيا السائق تحية حارة ، وسلم اليه الاوراق وهو يعتذر : " آسف . . يا حبيبى الجنرال . . الجنرال . . الجنرال " . . .

وعلا ضحك ركاب السيارة هذه المرة . . وسأله ) الجنرال ( قائلا : " لا شك أنك نمت نوما مريحا ليلة البارحة ، أليس كذلك؟! . . "

ورد الشرطى بصوت غنائى : ولماذا ؟ يا حبيبي الجنرال ؟ " - إنه يظهر من غنائك هذا . . - أنا أغنى . . " أغنى " . . " أغنى " ?? ؟ ! وكشر الجنرال قليلا وهو يقول له - " لا . . أنا . . كف عن المزاح . . ما هذه المعاملة ؟ وعلت الحمرة وجه الشرطى قبل أن يجيبه وهو ما يزال يغني:

عفوا . . عفوا . . أنا لا أريد أن امزح معك . . ألا ترى أننى أقوم بواجبى يا حبيبي . . يا جنرال . . يا جنرال . . يا جنرال . . . " وأردفها بتحية عسكرية حارة ، مما دفع ) الجنرال ( الى أن يضغط على دواسة البنزين وهو يكاد يتميز من الغيظ ، وانطلق مسرعا تاركا وراءه الشرطي يمسح عرقه بمنديله الابيض.

نادى عميد الشرطة رئيس قسم الموظفين الى مكتبه على استعجال ، وعندما مثل أمامه قال له العميد: - إنك لم تكن محقا فى سلوكك ازاء " الشرطى المغني " -  ..؟! لماذا ..؟ هل حصل شيء جديد  - لقد كان من اللازم ألا أستمع الى أقوالك ، فها هو قد أخذ يجلب علينا المصائب . . هذه المرة مع ) جنرال ( . - ولكن القوانين..؟

- أية قوانين..؟!  - ..إن الرجل سليم ويقوم بواجبه أحسن قيام - ويغنى أيضا ..? متى رأيت شرطيا يغنى - ولكن يا سيدى. - ابحث لك عن مخرج لابعاده أو توقيفه على الاقل . . - ومن سيعيل أسرته ؟ - ..لا تهتم لذلك . . المهم أن تنقذ الموقف قبل أن يتفاحش

وفي مستشفى الامراض العقلية فتح ملف ( الشرطي المغني ( مرة أخرى وأجريت عليه ، من جديد ، كل الفحوص الضرورية ، فلم تنته الى نتيجة "سارة " . . إنه رجل طبيعي . . وطبيعى جدا . . رجل مستقيم ، ورب أسرة مسؤول ، لا يدخن ولا يتناول مخدرات . . يقوم بواجباته ، يضبط مواعيده ، يحلق ذقنه كل صباح ، يرتدى زيه نظيفا ، يلمع حذاءه ، يحلق شعر رأسه كل عشرين يوما ، يتطوع فى كل مناسبة تحتاج الى تطوع يعمل فى نكران ذات ، لا يطمع فى أى شىء سوى ارضاء رؤسائه ، الجميع يقدره ويحبه ، الا انه ظهرت عليه ، قبل سنتين ، أعراض غريبة ، وهي أنه أخذ يغني . يغنى طيلة الوقت بمواويل أولا ، ثم أخذ يردد أغاني كلاسيكية لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ، ثم لمحمد فويتح والرياحي ، وأحيانا لشادية التى يخصها بأغنية " سوق على مهلك سوق" فقط . .

واستفحل أمره فى الاشهر الاخيرة اذ تجاوز غناؤه الى كلامه ، فاصبح لا ينطق الا بكلام موزون ومنغم ، وأحيانا يختمه بمواويل ، وأحيانا أخرى بتوقف اضطرارى ولكنه منغم . .

وتساءل المحللون فى ) المستشفى ( ألا تكون موهبة الغناء قد أدركت صاحبنا على حين غرة ، بعد أن كتبت زمنا طويلا؟ . .

وبحثوا فى ماضيه ، فلم يعثروا على شىء من ذلك ، بل إن الرجل أبعد الناس عن كل ما يتعلق بالفنون ، وحتى صوته لم يكن شجيا ، بل إنه وهو يغنى يكثر من النشاز . .

وتساءل أطباء آخرون : ألا يكون الارهاق فى العمل هو سبب هذه " الظاهرة " ولكن الاجابة كانت واضحة بما فيه الكفاية تظهر بطلان هذه العلة ، فهو الآن يعمل شرطى مرور ، وقد كان من الممكن أن يكون الارهاق سببا فى ذلك لو أنه ظل يعمل فى " الداخل " كما كان فى السابق ، ولكنه الآن يعمل فى الشارع .

واستدعى الرجل من جديد الى مستشفى الامراض العقلية . . وألقيت عليه من جديد أسئلة مماثلة للسابق ، وأجاب عنها بمثل ما أجاب من قبل . غير أنهم فوجئوا هذه المرة عندما سألوه :

" لماذا تغنى . . " أنه أجابهم فى استغراب وهو يغنى : " أغنى . . متى أغنى ?.. " - الآن مثلا . . - لا شك أنكم تمزحون معي . . " معى " .. "معى" .. "معي" ?? - ؟! أنت لا تغنى إذن . . - أحيانا . . ولكن ليس الآن . . - !حقا .. ؟ ! -  .."بكل تأكيد . . ما هذا الكلام الذى تقولونه . . " نه .

واستنتج المحللون أن القضية قد تتعلق بخلل فى الجهاز الصوتى ، وكان عليهم أن يعرضوه على الاطباء الاخصائيين فى هذا الباب .

وفتح ملف ( الشرطى المغني ) هذه المرة أمام إخصائى فى الجهاز الصوتى . . وتقدم الشرطى أمام أجهزة دقيقة ، واستغرق الامر منه أكثر من شهر وهو يتردد على الاخصائى الذى انتهى فى الاخير الى أن جهازه الصوتى سليم ، وفي استطاعة صاحبه أن يستعمله فى الحديث العادى كما فى استطاعته أن يستعمله فى الغناء . .

                                   *** واحتار رئيس قسم الموظفين فى شأن هذا الرجل الذى يعطف عليه ما دام الامر فوق طاقته . . وحيث أنه من الممكن أن يكون المرء حزينا وكلامه وقحا غليظا ، فلماذا لا يكون العكس ..? وتساءل : " كيف يمكنني الحصول علي سبب لابعاده أو توقيفه على الاقل ..? " ولم يجد أمامه إلا وسيلة واحدة هى العطل الطويلة الامد ، معضدة من طرف أحد الاطباء النفسانيين الذين اهتم به - لحسن الحظ - ما دام الامر يتعلق بكون الشرطى لا يعرف أنه يغني ولذا عليه أن يجرى عليه عدة تجارب ربما تسمله الى نتائج " سارة " تفتح أمامه سبل شهرة عالمية ، ولذا لم يبخل على صاحبنا بشهادات مرضية كل خمسة عشر يوما . . وبذلك تم " توقيف " الشرطى بأسلوب لائق نسبيا ..

غير أن عدوى الغناء انتقلت الى بعض رجال الشرطة أيضا ، واعتقد عميدهم بأن الامر يتعلق بنية التلاعب على الادارة حتى يحصلوا على اجازات للاستراحة كما حصل مع ( الشرطى المغنى ) . . لذا جمعهم فى الساحة ونبههم الى أنه اذا سبق له أن تساهل مع أحدهم فانه لن يتساهل مع أى أحد آخر ولذا عليهم أن يكفوا عن هذه اللعبة المقيته ، وعليهم أن يؤدوا واجبهم بكل ما يتطلبه من حدة ، ورجولة ، وبعبارة موجزة بكل غلظة وخشونة ، والا فان  زمام الامر سيفلت من بين أيديهم ويصبحون أضحوكة الجميع .

وتفرق رجال الشرطة كل الى عمله خارج المركز ، وما هى الا بعض لحظات حتى أخذت المكالمات الهاتفية تتوارد على مركز الشرطة تتساءل عن هذا الاسلوب الجديد الذى سنته الشرطة فى معاملة المواطنين ، بل إن بعض

الصحفيين تحرأوا هذه المرة ، وطاردوا عميد الشرطة بأسئلتهم الحرجه التى كادت تطير بصوابه . .

ودخل عميد الشرطة على رئيس قسم الموظفين مسرعا وهو يلهث ، وما أن جلس على كرسي يسترد أنفاسه حتى طلب منه أن يجد له حلا لهذه الكارثة التى حلت بادارته . وتساءل - ماذا سيقول عنى رؤسائى ..؟ - ليس الذنب ذنبك . . - لكن . . لماذا أصبحوا كلهم يغنون ..؟ لماذا ؟ - لست أدرى . . - ابحث لى عن مخرج . . أرجوك . . إنى أعرف عبقريتك فى ايجاد الفتاوى الصائبة . .

- ولكن الامر فوق طاقتنا . . ها أنت ترى . . إن رجالنا من أفضل رجال الشرطة . . ولكن الامر يبدو فوق طاقتهم . - ألا ترى أنهم يتصنعون ذلك ?.. - ما أعتقد . . لقد أصبحوا كلهم يغنون - وما العمل إذن . . إنى انتظر من حين لآخر استدعائى الى رؤسائى فبأى شىء أجيبهم ?.. - لدى فكرة . . - هات . . قل ? - ..ولكنى أخشى أن تغضب منى

- لا عليك . . بل إني أعرف دهاءك . . - ما رأيك في أن تتحدث الى رؤسائك وأنت تغنى - أتمزح ..? ! ما هذا الذى تقوله . . ؟ - .لقد قلت لك انك ستغضب منى - ولكن . . اليس لك غير هذه الفكرة . .؟ - لا .. حقا إنها غير صالحة . . إنني . . لست أدرى ماذا أقول . . إننى وغادره العميد وقد تركه يبحث له عن عذر .

وتم استدعاء عميد الشرطة الى الدوائر العليا ، وتم " استنطاقه" فى موضوع الغناء . . ولكنهم فوجئوا بأنه يجيبهم وهو يغنى..

وعندما اختلى عميد الشرطة برئيس قسم الموظفين قال هذا الاخير: "لقد كانت فكرة عجيبة . . أليس كذلك ..؟" فأجابه العميد وهو يغنى " أية فكرة يا حبيبي ؟ ! " فقال رئيس قسم الموظفين : " ولكننا الان ، وحدنا . . يمكنك أن تتحدث الى عاديا . . كما كنت تتحدث أمس . . وصاح العميد وهو يغني نشازا : " أى هذا الكلام الذى تقوله ؟ ! الا أتحدث اليك عاديا . . " عاديا " . . " عاديا " . . .

وانحدرت دمعتان من عيني رئيس قسم الموظفين وردد فى داخله : " مساكين رجال الشرطة . . "

اشترك في نشرتنا البريدية