الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

ظاهرة المزج اللغوي عندنا

Share

أنا تونسى غادرت أرض الوطن منذ 1966 الى أمريكا الشمالية حيث درست علم الاجتماع وعلم النفس فى كل من الولايات المتحدة وكندا . وأنا الآن بصدد كتابة أطروحة شهادة الدكتوراه ، وفي نفس الوقت أدرس العلوم الاجتماعية بجامعة كندية انفليزية وأخرى فرنسية .

منذ مغادرتى لتونس الى أمريكا الشمالية فى السنة المذكورة أعلاه لم أكلأ جهدا فى زيارة أرض الوطن كلما سمحت لى الظروف بذلك . فزيارتي هذا الصيف ( 1975 ( لتونس تعد المرة الرابعة التى أرجع فيها الى الوطن زائرا للأهل والاصدقاء ولبعض المناطق من الجمهورية .

وفي كل مرة رجعت فيها للزيارة حاولت شخصيا أن أتفهم بعض الملامح والظواهر فى مجتمعنا وحياتنا التونسية التى ربما أنا الآن أكثر تجربة لفهمها . فحياتى ودراستى فى مجتمع أمريكا الشمالية أعتقد أنها مدتني وتمدنى بنظرة تحليلية خاصة فى تطور المجتمعات وتفاعلاتها . ولعل دراستي لعلمي النفس والاجتماع أعطتني قدرة جديدة تمكنني من فحص حياة المجتمعات وسلوك افرادها بطريقة أقرب الى الموضوعية والروح العلمية .

إن علماء النفس والاجتماع فعلا يدرسون ، فى الوقت الحاضر ، الافراد والمجتمعات حسب طرق ومقاييس جديدة تجعل الظاهرة النفسية والاجتماعية ممكنة الدرس موضوعيا وتجريبيا ، وهذا يعنى أن هذه المحاولات في العلوم الاجتماعية تسعى الى فهم علمي للظواهر النفسية والاجتماعية بما للدلالة العلمية من مفهوم حديث فى العلوم كالفيزياء والطبيعيات والكمياء . إلا أن المتخصص فى العلوم الاجتماعية يلاقى أكثر صعوبات من المتخصص في العلوم البحتة إذ أن الظاهرة النفسية والاجتماعية أثبتت للمختصين فى هذا الميدان أنها ليست يسيرة المنال أحيانا لكل شغوف بفهمها . ولهذا فهي تتطلب عندئذ مقاييس ومعايير أكثر نضجا ودقة . واذا كانت طبيعة الظاهرة النفسية

والاجتماعية لا تخلو من تعقيدات جدية - قبل الوصول لفهمها - فان هذا يملى علينا موقف التفهم حيال البحوث الاجتماعية والنفسية التى قد لا تظهر نضجا ودقة علمية فى فروضها وخلاصاتها . والمهم دائما فى كل العلوم هو أن نتوالى المحاولات لفهم ما صعب فهمه وإكتشاف الجديد

فمن الظواهر الاجتماعية التى وجدت نفسى مشدودا لمتابعتها وفهمها هذا الصيف فى تونس الجمهورية هى ظاهرة المزج اللغوى

وأعنى بالمزج اللغوى " هنا هو مزج دارجتنا التونسية خاصة بالكلمات والعبارات الفرنسية . فمما يلاحظ في هذا الصدد أن المواطن التونسى المازج يبلغ أوج المزج اللغوي عندما يستعمل الدارجة التونسية . وأما الفرد التونسى الذى يتكلم العربية الفصحى أحيانا فانه نادرا ما يمزج بالفرنسية عربيته حتى وإن كان يتقن هذه الاخيرة . فغالبا يقع المزج عنده اذا اضطر الى استعمال اصطلاح فرنسي شائع عند مخاطبيه أو بيئته . وهذه الملاحظة تومئ الى أن متكلم العربية الفصحى له نوع من الحصانة ضد الانسياق في نيار المزج اللغوى المبالغ فيه . وهذا يعنى أن تكلم العربية الفصحى عند أفراد أمتنا يعطيهم شعورا ذاتيا أكثر بلغتهم وحضارتهم وذاتيتهم ، ولهذا تجدهم عموما يمتنعون أكثر من غيرهم ، فى المجتمع التونسي ، من الانزلاق فى المزج اللغوى المبالغ فيه . وفي نظري فان القدرة - وليس حتى التطبيق الفعلي - على التعبير بالعربية الفصحى بسهولة ينقص من نسبة المزج عند المواطن التونسى ، لأن إحدى الاسباب لتعاطي المزج اللغوى عند أى فرد وأى مجتمع هو عدم قدرتهما - بسهولة ووضوح - التعبير عما يريدان التعبير عنه فى تيار الحياة الاجتماعى والفردى .

إذن فمتابعتى لهذا النوع من المزج اللغوي ( الدارجة التونسية مخلوطة بكمية لا بأس بها من الكلمات والعبارات الفرنسية ( عندنا في الجمهورية مبنية على أن هذا المزج أكثر وقوعا فى مجتمعنا التونسي من المزج مثلا بين العربية الفصحى والفرنسية وأكثر نشازا من المزج بين العربية الفصحى والدارجة نظرا لقرب هاتين اللغتين بعضهما من بعض وبعد الدارجة التونسية عن الفرنسية اصالة وتركيبا ونطقا ورنة .

ومتابعتى لهذه الظاهرة مستندة على أن هذا النوع من المزج له انعكاسات نفسية واجتماعية تختلف فى طبيعتها عن انعكاسات النوعين الآخرين من

المزج اللغوى . ثم أن ظاهرة هذا المزج اللغوى - فى تقديرى - لم تقل انتشارا فى البلاد التونسية بعد حصولنا على الاستقلال التام . كل هذا جذبنى لكي أراقب حدوث ظاهرة المزج وأنا أسافر فى ربوع الجمهورية من شمالها الى جنوبها هذه الصيفية ) 1975 ( . وقبل أن أدلى ببعض الملاحظات عن انعكاسات هذه الظاهرة ، ظاهرة مزج الدارجة بالفرنسية ، دعنا ندع بعض الامثلة والعينات لهذه الظاهرة عندنا فى الجمهورية تتكلم عن نفسها كما شاهدتها شخصيا تحدث بين تونسيين من الشمال الى الجنوب مدة تجوالى هذا الصيف

1 - ذهبت الى المركز السياحي بسوسة بغية أخذ بعض الاسترشادات السياحية لما كنت بصدد أخذ بعض التفاصيل عن أفضل الطرق للذهاب الى جربة . وإذ أنا اتحدث مع المكلف دخل شاب تونسي فى العشرين من عمره وطلب بالدارجة من المكلف استرشادات عن كيفية تقديم مطلب للشغل بالمصلحة السياحية ورد المكلف على الشاب برد يحتوى على أكثر من النصف بالفرنسية ذاكرا للشاب الاوراق اللازمة والعنوان الذي يجب ارسال الاوراق إليه . وإذا بالشاب وكأنه يتأثر بلغة المكلف ) ذي السلطة على الشاب حينئذ يأخذ هو الآخر بمزج لغته الدارجة بالفرنسية تقريبا بنفس نسبة المزج التي اتبعها المكلف على المصلحة السياحية بسوسة

2 - لما كنت مارا بصفاقس فى اتجاه جربة أردت مهاتفة صديق تونسى كي أبلغه تحيات صديق تونسى له بكندا . فذهبت الى نزل سياحي وسط المدينة باحثا عن تلفون كي أكلم منه صديق صديقى . أعطيت الى الفتاة المتكلفة بالمكالمات الهاتفية الرقم الهاتفى باللغة الدارجة التونسية ، فاذا بي رى على وجه الفتاة نوعا من عدم الرضا إما أن يكون سببه عدم فهم الرقم بدارجتنا التونسية أو عدم رضاها وخجلها من ذكر الرقم لها بالدارجة !

لما رأيت هذا النوع من الحيرة فى وجهها أعدت اليها نفس الرقم بالدارجة التونسية ، فاذا بها تفهم وتعى الرقم هذه المرة لكن تكرره لنفسها - ولربما لى تأنيبا - بالفرنسية كأن تكراره بهذه الاخيرة أعطاها سكينة ونضجا حضاريا ليس لغة الوطن قادرة عليه !

٤ - ذهبت الى مسرح قرطاج الاثرى لأشاهد " كاركالا " ذلك البالى اللبنانى . كان ذلك ليلة 9 أوت 1975 . قبل بدء هذا البالي أعلن مسؤول وهو بتكلم فى مضخم صوت عن العثور على رخصة سياقة ضائعة . أخذ المسؤول

يعطي أوصاف ونوع السيارة الخ . . . ولما حان ذكر رقم السيارة لم يستطع المسؤول أن يواصل التكلم بالدارجة التى بدأ بها هذا الاعلان ولاذ حينئذ الى ذكر رقم السيارة بالفرنسية !

إن المثالين السابقين يومئان الى نوع خاص من حب المزج اللغوي عندنا . ذلك أن كثيرا من التونسين خاصة إذا كانوا فى مصالح اداريه حكومية كالهاتف ، ومحطة القطار والمصالح السياحية يجدون أنفسهم يفضلون نطق الارقام بالفرنسية عوضا عن الدارجة . وإنى شخصيا لمست هذه الظاهرة لمسا فعليا عند احتكاكي بالمواطنين التونسيين فى مناسبات متعددة وجهات مختلفة من الجمهورية . وللمرء أن يتساءل لماذا يلجأ التونسى فى كثير من الاحيان الى ذكر الارقام بالفرنسية عوضا عن الدارجة ؟ فى نظري لا بد أن يكون له تفسير . يمكن أن يكون راجعا الى شعور بالرشاقة لدى الفرد المازج عند ذكر الرقم بالفرنسية . يمكن أن يكون راجعا الى عادة إكتسبها الفرد التونسي على مر السنين . والشغوف بهذه الظاهرة الخاصة فى امكانه أن يغوص فى لب هذه الجزئية من المزج اللغوى عندنا .

4 - في محادثاتي في الشمال والوسط والجنوب كنت ألاحظ ظاهرة المزج اللغوي ) أعني مزج الدارجة بالفرنسية ( باطراد . وكانت الكلمات الفرنسية تزداد في كلام محدثي كلما علموا أني أعرف الفرنسية والانفليزية وأن لي عددا من السنين فى أمريكا الشمالية . كان الامر هكذا حينما كنت اتحدث مع شاب دستورى فى البقالطة . كان هذا الشاب مسؤولا على مجموعة من الشبان المتطوعين لبناء ناد للشباب في هذه القرية . كان الشاب طالبا جامعيا ولكن حديثنا كان بعيدا عن المسائل العلمية ، بل كان حديثا بسيطا يدور حول عدد الشبان المتطوعين ، نوعية وعدد الأكلات التى تطهى لهؤلاء الشبان والحسابات المالية التى يتطلبها عدد هذه الآكلات . رغم بساطة حديثنا ومقدرة دارجتنا العربية - لغة الحزب قوميا - إختار محدثي أن يكثر نسبة الفرنسية فى تفسيره لبعض التفاصيل . وكنت أتكلم معه دائما بالدارجة ولم يوح اليه ذلك أنى غير مجذوب للمزج اللغوى بل أني أفضل الصفاء اللغوي

5 - ظاهرة المزج اللغوي لاحظتها عند الكهلة التونسيين مثل شواش بعض المؤسسات عندنا . لاحظت أنهم يكثرون فى المزج كلما علموا اني أعيش فى أمريكا الشمالية منذ سنوات وأنى أحسن الفرنسية والانفليزية . ونفس

الشئ يمكن أن يقال عن سلوك شبابنا التونسى الذى سمحت لى الفرصة أن تحدث معه بعد أن عرف شيئا عن حياتى فى الخارج وثقافتى . أعني هنا أن المرء يمكن له أن يلاحظ بسهولة هذه العلاقة بين الاكثار من المزج اللغوى عند كثير من التونسيين الذين يعرفون الفرنسية أو شيئا منها الى جانب الدارجة ومدى تغرب محدثهم ثقافة . باختصار أني لاحظت أن محدثي أكثروا من الغلط اللغوى كلما اكتشفوا أن لى زادا من الحضارة الغربية من حيث ثقافتى وعدد السنين التى قضيتها هناك

6 - من الملاحظات الاخرى التى سجلتها أثناء احتكاكى بالمواطنين التونسيين أن ظاهرة المزج وصلت عند بعض الافراد ، على الاقل ، عالم اللاشعور " أو درجة السلوك " اللاإرادى " Obsession . يتضح هذا فى حالات مع بعض الاصدقاء خاصة حيث أثيرت مشكلة المزج اللغوي ونوقشت وآتفق هؤلاء الاصدقاء على أن هذه الظاهرة ظاهرة مشينة للمواطن التونسى . لكن هؤلاء الاصدقاء انفسهم يعودون فى مناسبات أخرى الى المزج اللغوي خاصة إذا تحدثوا عن أرقام أو تواريخ مثل 25 أوت . . . فانهم كانوا يفضلون ذكر ذلك التاريخ بالفرنسية . .

بهذه الامثلة المحدودة من مجتمعنا التونسي لا اقصد المجيء بالجديد لكل من يملك حاسة الملاحظة الاجتماعية . بل هدفى من هذه الامثلة ذكر حالات واقعية مشاهدتها تقع بين مواطنين تونسيين أثناء زيارتى لارض الوطن هذه الصيفية . وإنها هكذا ليست حالات خيالية يصعب على المرء التكهن بامكانية وقوعها .

ولنفهم دوافع المزج اللغوى عند المازجين يجب على المرء أن يتفهم بعض وظائف اللغة .

أ ( من أولى وظائف اللغة - طبعا - التخاطب والتفاهم بين الافراد والجماعات والمجتمعات .

ب ( فى تقديرى أن من مهام اللغة تلك الوظيفة النفسية التى تؤديها الى المتكلم بها . أعني المتكلم بلغة ما فى عصرنا الحاضر خاصة أنه يمكن له أن يبلغ - عن طريق استعمال اللغة التى يختارها - مطلبا ترغب فى اقتنائه شخصيته كحب كسب صفة التعصر والتحضر والمدنية والبعد عن صفات أخرى لا تحبذ الاتصاف بها شخصيته مثل البداوة والتخلف والتحجر العقلي الخ . .

إن الفرد في عصرنا الحديث يتطلع الى ما يسمى بالحضارة المتقدمة لان هذه الحضارة - رغم ما قيل فيها خاصة أخيرا - ما زالت لها قوة جذب فى أرجاء المعمورة . ومحاولة الانتماء الى هذه الحضارة المتقدمة - خاصة الحضارة الغربية تحقق لدى الفرد طلبا نفسانيا هو حب الشعور بالانتساب الى العالم المتحضر وما لذلك من انعكاسات على شخصية الفرد وآفاق حياته . إن عالمنا المعروف بالمتحضر اليوم سمح للفرد بمكاسب كثيرة لم يكن هذا الاخير قادرا حتى على الحلم بها قبل ظهور فكرة التقدم فى أوروبا التى كانت مقرونة بمفهوم العلم كل ذلك يجعل الامر طبيعيا أن يحاول الفرد بكل الوسائل ، ومنها اللغة ، أن ينتسب - ولو قليلا - الى حضارة التقدم أو الحضارة الغربية بصفة أخص

وبما أن اللغة عنصر عمودى للانتساب الى أى مجتمع أو حضارة فبان للفرد أن أقرب وأسهل الطرق للانتساب الى حضارة التقدم هو تكلم لغه الحضارة الغريبة ومزجها - بنسبة أقل أو أكثر حسب المناسبات - بدارجة البلاد هذه العملية المختصرة توهم للمازج أن عملية الانتساب قد تمت الى الحضارة الغربية المنشودة رغم أن عناصر أخرى مهمة فى الانتساب الصحيح الى هذه الحضارة ما زالت مفقودة عند المازج التونسى الذى يخلط دارجته بالفرنسية بافراط .

ج ( وفى تقديري أيضا أن استعمال المزج اللغوى يؤدى وظيفة اجتماعية الى المازج شبيهة بالوظيفة النفسانية التى يتحصل عليها الفرد من الخلط اللغوي فى مجتمعنا التونسي . وهذه الوظيفة الاجتماعية تتلخص فى أن الخلط اللغوي يعطى لخالطه - تصورا وإعتقادا - شعورا بالاحترام والسطوة الاجتماعية لدى المحتكين به . فالمازج للعامية التونسية بالفرنسية كثيرا ما يعتقد أن تأثيره الاجتماعى يزداد قوة وصلابة اذا هو قام بعملية الانتساب هذه عن طريق امتطاء اللغة الفرنسية كوسيلة الى ذلك الهدف . هذا التصور الذى يشغل بال الفرد المازج يجعله فى النهاية يشعر أنه من الفئة المتحضرة لمجتمعه وما لهذا التصور من انعكاسات على علاقة هذا الفرد ببقية مجتمعه من حيث مكانه فى الهرم الاجتماعي لمجتمعه . باختصار إن الخلط اللغوى قد يبوىء - توهما أو واقعا - صاحبه مكانا مرموقا فى التركيب الاجتماعى لبيئته . وهذا لعمرى كسب اجتماعى غير حقير للمازج اللغوى

وبالكسبين النفسى والاجتماعى يشعر المازج انه بخلطه هذا يكسب علاقة اجتماعيه وشعورا نفسانيا ساطعة شمسهما . وهذا السطوع يتمثل فى شعور

الخالط اللغوى أنه لم يعد حقيرا نفسانيا واجتماعيا . وأن علاقاته بأفراد المجتمع تتحسن أكثر فأكثر اذا هو حافظ على المزج اللغوى فى احتكاكه بأفراد مجتمعه الذين هم الآخرون لهم نوع من ذلك التصور وبذلك يشجعون المازجين على الاستمرار على الخلط وينعدم بذلك الشعور الاجتماعى الذى كان يمكن أن يلعب دور المقاوم للمزج اللغوي فى المجتمع التونسى . وشخصيا فانى لاحظت عدم وجود الشعور الاجتماعى ضد ظاهرة الخلط فى الاوساط التونسية بصفة عامة وخاصة بين أفراد مجتمعنا الذين لهم ثقافة أمتن باللغة الفرنسية .

فى تقديرى أن عدم وجود شعور قومى عام ضد ظاهرة الخلط اللغوى يضع مجتمعنا التونسى أمام حقيقتين

1 ( أن نسبة الخالطين فى مجتمعنا التونسى سوف تزداد بدل أن تنقص وذلك لعدم وجود المعارضة العلنية الاجتماعية للمزج اللغوى ولكثرة نسبة المواطنين التونسيين بعد الاستقلال - لتعميم النظام التربوى فى كل أنحاء الجمهورية - القادرين على إتقان قدر ما - على الاقل - من الفرنسية . فهذان العاملان في نظري يومثان إلى أن ظاهرة الخلط اللغوى فى مجتمعنا التونسي ليست فى طريق الانقراض ولا حتى فى طريق الاصلاح الجزئى

2 ( الحقيقة الثانية هي أن مشاريع التعريب عندنا لا تجد تشيعا اجتماعيا دافعا ولذلك - فى نظرى - فان هذه المشاريع - وحتى وإن وجدت - ستبقى حبرا على ورق ما لم تلق تشجيعا اجتماعيا جديا يحول قضية التعريب الى واقع ملموس فى حياة الفرد والجماعات والمجتمع بصفة عامة .

ولسائل أن يسأل فى هذا الصدد : هل المزج اللغوى ضرورى ؟ وهل يجب تشجيعه - اجتماعيا وفرديا - ؟ وهل أن دوافعه يمكن الدفاع عنها فى كل الحالات ؟

أولا : إن المزج اللغوى يمكن أن ينظر له بأنه أصبح ضروريا خاصة فى عصرنا الحاضر الذي صغر فيه العالم لوجود وسائل المواصلات وكنتيجة لذلك كثر عدد الافراد الذين يعرفون على الاقل بعض المفردات والعبارات من لغات اجنبية اخرى . وعلى هذا الاساس فهذا النوع من المزج اللغوي ظاهرة منطقية لواقع جديد خاصة فى عصرنا الحديث .

فهذا النوع من الخلط اللغوى يختلف فى دوافعه عن أنواع أخرى من المزج اللغوي . فهو مزج يستعمل بعض العبارات والمفردات المحدودة التى أخذت طابعا عالميا مثل " بلوجينس " ، " التلفزيون " ، و الراديو " الخ هذا النوع من الخلط اللغوى هو ضرورى نوعا ما وغرض المازج عامه هو غرض استعمالي وعملى

فهو إذن مزج لا يحتم علينا تأنيب فاعله لانه خلو الى حد كبير فى غالب الحالات من الدوافع النفسية والاجتماعية التى لها انعكاسات غير سليمة على الفرد والمجتمع

ثانيا : أما المزج اللغوي الذي يترقب من ورائه الفرد نفعا نفسيا اجتماعيا فهو الذى يتطلب تفهما أعمق واتخاذ موقف جدى منه .

فى نظري إن هذا النوع من المزج يغالط الفرد فى تقييم نفسه نفسيا ) ذاتيا وحضاريا ( واجتماعيا ) علاقاته بالافراد فى الهرم الاجتماعى ( وهو ايضا تصور خاطئ يحسبه المازج واقعا اجتماعيا هو جدير بتبوئه . فمن هذين الزاويتين يبدو أن هذا النوع من المزج اللغوى لا يؤدى الا تصورا خاطئا للفرد حيال نفسه وحيال علاقاته ببقية المجتمع . وإن السماح للمزج اللغوى كعنصر لتفريق مجتمعنا هو ضربة الى وحدة للوطن التى تحتاج الى العنصر اللغوي كموحد لا مفكك لنا . ورغم عدم وجود معارضة جماعية بارزة ضد الخلط اللغوى فان نوعا من الشعور - على الاقل - المنتقد للخلط اللغوي موجود بين فئات وإن كانت هذه الفئات لا تمثل الاغلبية . وهذا ما أعني بأن الخلط اللغوي يمثل - فعلا - نوعا من التمزق الاجتماعى الذى لسنا بحاجة اليه ولا ينبغى لنا أن نكون فخورين به ونلهى بعضنا البعض بالنقد والفخر على أن ذلك عصرى وهذا تقليدى . وفى اعتقادى أن تلافى هذا التمزق الاجتماعى ممكن اذا قمنا جديا بتقويم نظامنا التربوى حضاريا ونشر الوعى الاجتماعى حول الخلط اللغوى كا قمنا بحملات اجتماعية حول التنظيم العائلي ، حول النظافة حول محو الأمية الخ ٠٠ .

إن نظامنا التربوى الحالى لا يعطى التلميذ ولا الطالب زادا كافيا من الثقافة العربية يمكنه من التعبير عن نفسه بسهولة بالعربية . إن التعريب الجدى فى صلب برامجنا التربوية يجب - على الاقل - أن يمكن المتحصل على شهادة الباكالوريا من التعبير عن نفسه فى الحياة العامة وفي المسائل الثقافية بقدرة

تعادل - على الاقل - قدرته على التعبير عن نفس الاشياء بالفرنسية . وفى اعتقادى أيضا أن حملات قومية يجب أن تشن لصالح تطهير لغة المواطن التونسى وإبراز انعكاسات الصفاء اللغوي على حضارتنا وعلى ذاتية أفراد امتنا . ولا بد أن يكون النظام السياسى عندنا وراء هذه الحملات دافعا ومشجعا على تغيير هذه العقلية التى ما زالت - ويا للاسف - رابضة نفسيا واجتماعيا فى مجتمعنا .

إذ نفعل ذلك نكون قد ساهمنا جديا فى الخروج من دائرة تخلف كما نحاول ذلك فى مجالات أخرى كالاقتصاد والتنظيم العائلي والصحة العمومية ، التى قطعت فيها تونس بشهادة العالم اشواطا قيادية بين دول العالم الثالث .

والاستقلال العقلي هو كسب لم تتحصل عليه كثير من الدول التى تحصلت فعلا على استقلالها السياسي والعسكرى و . . . و ٠٠ والاستقلال العقلي أظهر انه لا يتبع بسهولة الاستقلال العسكرى ، والاستقلال الاقتصادي و ٠٠ و ٠٠ بل يجر اذياله وتدخل أشعته كل العقول اذا تم الاستقلال الثقافى للمجتمع . وفى تونس - فى نظري - ما زال لنا طريق غير قصير للحصول على الاستقلال الثقافي الذي يسدد ضربة بناءه الى ظاهرة الخلط اللغوي ويعطى دفعة وثانية للغة البلاد تربية وشعورا اجتماعيا . وحذار من أن نغالط أنفسنا بالوهم ونعتقد أننا قد تحصلنا على الاستقلال الثقافي . علينا أن نتمهل قبل اصدار مثل ذلك الحكم على أنفسنا . إذ أن التخلف العقلي أثبت عبر التاريخ - فى تجارب أمم متعددة - أنه ذو مقدرة مدهشة فى التخنس عن العين المجردة وعن المواطن العادي

وخطره على الفرد والمجتمع غير واضح بسهولة للملاحظ العادى . ولكنه مع ذلك يبقى خطرا على الفرد ومجتمعه كبعض الاعراض التى هى غير واضحة للملاحظة البسيطة ؛ ولكنها مع ذلك تخرب الجسم وقد تثبت فى النهاية أنها أكثر خطرا من تلك الامراض التى تدركها العين المجردة والملاحظة العادية بسهولة .

وفى نظرى أن الاستقلال العقلي واسترجاع الذات التونسية لها عناصرها الصامدة فى الفرد التونسي المازج شعوريا أو غير شعورى . ومن بين عناصر الذات لغة الوطن طبعا . وقد لاحظته يغار على لغته وذاته حتى عندما كان يتقن اللغة الفرنسية احسن من اتقانه العربية . لاحظت هذه الغيرة تسطو جديا -

فى سلوك وحتى فى نبرات بعض شبابنا المثقف بالفرنسية ، كنت راجعا من " حومة السوق بجربة فى حافلة نقل عمومى الى النزل على الشاطئ حيث مكثت . كانت الحافلة ملآنة وكان كثير من الركاب واقفين . وكنت أحدهم فى مؤخر الحافلة . كان بجانبي ثلاثة شبان تونسيين يبدو انهم يدرسون في الجامعة التونسية . كانوا يتجاذبون أطراف الحديث بلهجة " باريسية " مع ثلاثة سواح فرنسيين أحدهم رجل كان هو الذي يقوم بمعظم المحادثة مع الشبان الثلاثة . وأثناء هذه المحادثة قال السائح لهم وكانه يؤكد حقيقة إن : الفرنسية هى اللغة الرسمية فى البلاد ! واستنكر الشبان - بنوع من اللطف - على ما قاله السائح وأردفوا قائلين له إن محاولات التعريب موجودة فى قطاعات كثيرة فى البلاد ، كوزارة الداخلية وبعض المواد أصبحت تدرس بالعربية بعد أن كانت تدرس بالفرنسية الخ . .

هذا الموقف الذى وقفه شباننا الثلاثة حيال الذات واللغة يكشف بوضوح عن وجود شعور داخلى عندنا يؤمن بشخصيتنا وحضارتنا ولغتنا ولم يقد الشباب أن يمزجوا شخصيتهم - وهم يتحدثون مع السائح - بشخصية وحضارة ولغة فرنسا . فهذه الملاحظة تومئ الى عمق شخصية وحضارة كل فرد ينتسب الى امه وحضارة معينة ، وأن الظواهر السطحية - كظاهرة المزج اللغوي - ربما تخفى صلابة وصمود عناصر أخرى فى شخصية الفرد ونوع انتسابه الحقيقى الى حضارة وثقافة معينتين

فوجود عناصر شخصيتنا وحضارتنا لا يمكن انكارهما - حتى ولو كثر المزج فى بلادنا - . وعلى هذا الاساس أساس وجود وصلابة مثل هذه العناصر فى شخصيتنا فانه يبدو منطقيا أن نقوم بحملات تظهر هذه العناصر الى عالم الجهر والسفور لا عالم الخجل والحجاب . وإذا تم ذلك فان الوعى الاجتماعى يقوم هو الآخر بوظيفة المراقب والمدافع والحامي لكل ما يلمس شخصية مجتمعنا التونسى مثل ظاهرة الخلط اللغوى المنتشرة عندنا بكل جرية وخلاعة .

اشترك في نشرتنا البريدية