تسود فى مصر الآن ، وفى كثير من ديار العرب والشرق الأسلامى ، كما فى الغرب ، ظاهرة جديدة . . كما يخيل الى البسطاء فى فهم التاريخ ، قديمة . . كما يدركه المعمقون فى مطاوى التاريخ .
وتتمثل الظاهرة المتحدث عنها ، فى نزوع الرجال ، أيفاعا وشبانا وكهولا وشيوخا الى حسر الرؤوس ، صيفا وشتاءا ليلا ونهارا .
وقد سألت طبيبا مصريا عن الباعث والفائدة المتوخاة من وراء هذا التقليد . . فاجابني بما ملخصه : " إن حسر الراس يقوي جلدة الراس وعظامه ، وبصيلات الشعر ، والشعر ، بسبب تعرضها لأشعة الشمس ، وتقلبات الطقس ، بخلاف الرؤوس المغطاة فهي رخوة ضعيفة لا تستطيع المقاومة . . وتتأثر بالزكام وتلقبات . الجو بسرعة . . "
وهذا الذى يقوله الطبيب الحاذق ، وإن كان واقعيا ؛ فيبدو أنه جاء مصادفة واتفاقا مع ظاهرة تقليد الشرقيين للغربين فى العصر الحاضر فى كثير من مظاهر الحياة ، كما هو شأن الضعيف مع القوى
واننا إذا رجعنا الى الموضوع من الناحية التاريخية ، ومن الناحية الاجتماعية فاننا نجد هذه الظاهرة او هذا التقليد قد سبق به الشرق الغرب . .
سبقه إليها قبل الاسلام بعدة قرون وسبقه إليها فى الاسلام : اذ قررها فى فريضة دينية هى من الاركان الخمسة للاسلام ألا وهى الحج
يروى " هيرودتس " المؤرخ اليونانى الرحالة . الملقب بابى التاريخ ، والمولود . سنة ٤٨٤ ق . م . فى كتابه ( ١ ) فى التاريخ ما نصه :
" ورأيت فى ميدان القتال شيئا عجيبا نبهنى اليه اهل تلك الناحية ، وذلك أن عظام الذين قتلوا فى ذلك اليوم - أي فى المعركة بين قمبيز ملك الفرس والمصريين - باقية حتى الآن متفرقة ، لكن بعيد بعضها عن بعض ، بحيث انك ترى من جهة ، عظام الفرس ؛ ومن اخرى ، عظام المصريين فى نفس الموضع الذي كانوا فيه من أول الأمر ، وجماجم الفرس لينة جدا حتى يمكن ثقبها ، إذا ضربت بحصاة ؛ وأما جماجم المصريين ، فصلبة جدا حتى يصعب كسرها بالحجر . . وقد ذكروا لي السبب ، فقالوا ان المصريين يأخذون بحلق رؤوسهم منذ حداثتهم ، فتصلب جماجمهم بهذه الواسطة ، بحرارة الشمس ، ولا يحدث لهم صلع ، ولذلك نرى قليلا من الصلع بين المصريين ، بالنسبة الى سائر الأمم وأما الفرس فجماجمهم ضعيفة ، لانهم يعيشون فى الظل منذ حداثتهم ؛ وتكون رؤوسهم مغطاة بالقلانس "
وقد قرر الاسلام حسر الرأس للحجاج والعمار ، منذ عقدهم النية على اداء فريضة الحج وسنة العمرة .
ولاشك فى الفوائد الصحية والنفسية التي يستفيدها الألوف المؤلفة من حجاج بيت الله الحرام ، من هذه الرياضة الجسمية التي اقرها دينهم الحنيف فى ايام التطهر والتطهير والسمو بالجسم وبالنفس الى المراتب السامية ، من الصفاء والاخلاص .
وهكذا يثبت التاريخ والواقع أن الشرق هو استاذ الغرب فى كل تقليد صالح مصلح ، وإن جهل ذلك الكثيرون من ابناء الشرق الذى طالت غفلته ، وذهل تفكيره عن ادراك معنويته ، بما بهره من مظاهر مدنية الغرب التقليدية الجوفاء
فعسى ان يعود الشرق لفهم سر كيانه ، فيستوعب أمجاد ماضيه ، ليرتفع بحاضره ، وليسمو بمستقبله ، على ضوء تلك الامجاد الذهبية الخالدة التالدة فمن لا ماضي له لا حاضر له ؛ ومن لا حاضر له ولا ماضي لا مستقبل له .

