تظهر هذه السانحة للناس فى مطلع 1976 وهي السنة الأولى من الربع الأخير للقرن العشرين ، وبهذه المناسبة يحسن بالمثقف المسؤول الواعي الذي ليست " قريحته ترابية ولا فكرته سحابية " - كما قد يقول أبو حيان التوحيدى - أن يتأمل منزلة الانسان فى العالم ويقيم ما حققه من تقدم وانجزه من فتوحات وان يمعن النظر بشجاعة واعتدال فيما يحدق به من اخطار ويخبؤه له المستقبل من مفاجآت ، من دون أن تظلم الدنيا فى وجهه فتكتنفه سحب التشاؤم الكثيفة ويشل عزيمته اليأس ومن دون أن تبهره كذلك ألوان العصر البراقة فيعشى بصره لمعان الاشياء ويخدر أعصابه التفاؤل الساذج
إن الانسان تمكن منذ أول هذا القرن الى اليوم من تسجيل انتصارات باهرة ، ما من شك فى ذلك ، سواء بما اكتشفه من نواميس علمية واهتدى إليه من تطبيقات تقنية عجيبة تساوى فى حجمها وبعد تأثيرها على مجرى الحياة ونوعها وحتى معناها كل ما تم كشفه منذ أكثر من عشرين قرنا ، خاصة في علوم الطبيعة والكيمياء والحياة والطب . . . أو ما تخطاه من مراحل عملاقة حاسمة فى درب التحرر ومقاومة الظلم والجور والاستغلال ، ناهيك أن ما يزيد على مليار من البشر فازوا بالحرية السياسية وتحملوا شرف الاضطلاع بتقرير مصيرهم وحتى شرف ارتكاب الاخطاء فى تبينهم - بأنفسهم لأنفسهم - أقوم المسالك لبلوغ القصد ، وافتضح أمر الصهيونية والعنصرية والامبريالية المقنعة وبلغ إرهاف الضمير العالمي حدا جعله يستبشعها ويصح منه العزم على استئصالها وتحرير الانسانية من كابوسها ووصمة عارها .
غير أن الواقع ، إذا نحن استبصرنا أبعاده الحقيقية ولم نكتف بالصور الذهنية المعزولة عنه أو نغرق فى شؤون الحياة اليومية وشجونها ، ملئ بالاخطار ، زاخر بنقط الاستفهام حول مستقبل الانسان ومصيره .
ذلك أن عددا متزايدا من الملاحظين - سواء انتسبوا الى السياسة والاقتصاد او العلم والثقافة والفكر - يجملون اليوم على ان الانسانية تعاني ازمة مأسوية
حادة بلغت درجة التساؤل حول بقاء الجنس البشرى نفسه ، رغم التقدم المدهش الذى سجله الانسان ، وربما سبب هذا التقدم نفسه الذى مكن البشر من السيطرة على المادة واعطاهم أسلحة رهيبة فتاكة في كل المجالات دون ان يتوازى كل ذلك مع تزكية الضمير والتشبع بالقيم العليا بللوغ درجة دنيا من الحضارة لا بد منها ولا غنى عنها لسيطرة الإنسان على نفسه وعلى العالم الخارجي وحسن التصرف فيها يتيحه له العلم والتقنية من قدرة متزايدة تفوق الخيال .
واذا نحن حصرنا مصدر القلق وحتى الخوف فى ميدان الطاقة النووية والتسابق الرهيب نحو التسلح بالقنابل الذرية والهدروحينية ادركنا ان العالم أصبح اليوم رغم ازدهاره المادى وتمدنه . . على شفا جرف هار ، مؤذن بالويل بالثبور ، لا فقط لأن الحرب النووية بين العمالقة وغيرهم من الدول متوسطة الحجم التى تمكنت من صنع هذه اللعب الجهنمية ، ممكنة الحدوث بمجرد ان يوسوس الشيطان لاحد الرؤساء " الكبار " وهو بشر مثل سائر البشر يعتريه ما يعتريهم من الخيلاء والصلف ومركب الغرور - بأن الفرصة حانت للتخلص من خصمه بصورة نهائية . . . لأن " توازن الرعب " الحالى إنما يساعد أعداءه . . بل كذلك لمجرد غلطة أو حادث طارئ فى الفضاء حيث تتجول الطائرات النفاثة بحمولتها المبيدة شرقا وغربا ليلا ونهارا وتجوب الغوصات النووية اعماق البحار باستمرار . . الى جانب القوي الاستراتيجية المتمركزة فى مئات القواعد البرية .
والذي يزيد من هولنا ويثير قلقنا حول قدرة الإنسان او عجزه - فى الربع الاخير من القرن العشرين على التحكم فى الوضع هو ما تطالعنا به المجلدت الرسمية المختصة من معلومات تستوقفنا وتدعونا إلى التأمل.
ذلك أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يملكان اليوم ما يقابل سبعمائة مليون طن من المواد المتفجرة أى ما يعادل 50.0000 قنيلة ذرية من النوع الذى دمر هيروشيما.
وإن الاموال التى صرفت سنة 1974 في صنع الأسلحة تقدر ب 210 مليارات من الدولارات أى ما يقارب تسعين مليونا من الدنانير ( 1 ) وهو قدر يعادل الدخل القومى للنصف المتخلف من البشرية ويساوى عشرين مرة كامل الإعانة التى يتفضل بها على كل الدول السائرة نحو النمو ( 2 ) .
وقد يحسن أن نلاحظ في هذا الصدد أن البلدان العربية التى نعلم جميعا ان التحديات الثقافية والاقتصادية والحضارية المفروضة عليها اليوم ، تسجل ميزانيتها كل سنة زيادة معدلها عشرون بالمائة مخصصه لشراء الأسلحة وشؤون الدفاع .
وعندما ندرك أن الموارد المالية العظيمة التى ينفقها العالم فى صنع ادوات المحق والموت يتجاوز مقدارها أربع مرات ما هو مخصص للبحوث الطبية وان اكثر من 400.00 باحث ومهندس ، أى نصف عدد الباحثين والعلماء الموجودين فى كافة انحاء العالم . . متفرغون الآن الى استنباط طرق وتقنيات لجعل الاسلحة الموجودة اكثر تدميرا وأشد فتكا ونتذكر عشرات الندوات العالمية التى التأمت بجنيف وغيرها من العواصم وشارك فيها آلاف الساسة والسفراء لوضع حد للتسلح . . . من دون أن تسفر عن قرار ايجابي واحد . . . حق لنا ان نتساءل هل فقد الانسان رشده وهل هو واع بما ينتظره اذا هو تمادى في هذا الاتجاه العبثى اللا معقول . .
ثم إن عوامل اخرى كثيرة سبق لنا ان اشرنا إلى بعضها ، مثل تفكك عرى المجتمعات وتشتت العلاقات الاجتماعية او شعور الوحدة والعزلة الناشئ عن حياة المدن العصرية ونمط المسكن الحديث ، وإفلاس معظم الأنظمة التربوية وتفشى العنف وحيرة الشباب وإقباله على المخدرات والكحول . . . والأزمات المذهبية وتضاؤل القيم الروحية فى بعض الأوساط . . . كل ذلك أحدث جروحا بليغة ومشاكل عويصة فى مستوى الافراد والمجتمعات .
وإن آخر ما طالعناه في هذا الصدد ملخص لبحث مرقم قامت به منظمة الصحة العالمية بالاعتماد على مجموعات من العلماء المتعددى الاختصاصات اشتغلوا في خمس مدن كبرى هى : منريال ونافاساكى وطوكيو وطهران وبال...ومما جاء فيه أن مائة مليون من النساء والرجال فى العالم مصابون اليوم بالانهيار العصبي وان بلدان اوروبا الغربية تسجل يوميا ألف انتحار وان 35 مليون من علب المسكنات بيعت فى صيدليات فرنسا سنة 1974 ، وان 20 في المائة من سكان مدينة نيورك يعانون اعراض الامراض العصبية . . . إن التأمل في هذه المعطيات يجب أن يساعدنا على تقييم الحالة وتحليل المعطيات والنظر الى الواقع كما هو ، من دون تهويل أو عدم اكتراث ، لأن تحدى الربع الاخير لهذا القرن يتمثل ، الى جانب القضاء على الاستعمار الصهيونى والميز العنصرى ، فى قدرتنا على إعادة الروح للانسان حتى يتحكم فى نفسه ويحيى منه الجانب النبيل ويقدم على تغيير ما به .
رجاؤنا ولا أقول أمنيتنا - أن تسجل سنة 1976بداية الوعى والتصميم على كسب هذا الرهان الكبير الذى يكمن فيه بكل بساطة الجواب عن سؤال هملت : نكون أو لا نكون . . نحن معشر البشر...

