عندما تتعدد الاضواء تولد الظلال المطفأة ، وتنتهى الذات الى لا شئ ، وفى لا شىء توجد الذات المجردة التى لا لون لها ولا ظل ، وعندها نتخلص شيئا فشيئا الى النور الابدى ، ويتخلص الفكر من المادة ، يتخلص منها لا لينفصل عنها بل ليغسلها من الاطياف ويمحو ظلالها الزاحفة على الارض ، وكثيرا منا من حسب ان للليل حقيقة .
بينما الليل هو لا شئ لانه مكان الفراغ من النور ، وما احرانا أن نعرف ان الليل ظل الارض وحسب ، ترسمه الشمس لنا كل يوم مرة ، واذا نحن أحببنا الليل فأنما كان ذلك لاننا نحب أطياف النور ، تلك الاطياف التي يتعقبها القمر فيجعلها نصف ظل او ظلا مطفأ ، وعندها نجد النهار يطل علينا من هذ المرآة التى ندعوها نحن قمرا ، ولكن عندما تتعدد الاقمار ، تولد أطياف الظلال ، كذلك عندما تتعدد الاضواء ، فالشمس نور ، والنور حقيقة ، وان من يقيم فى صلب الحقيقة لا يبحث عنها ، انما يبحث عنها من فتنته ظلالها الراقصة فوق مجرى النهر ، وفي صفحة البحار تكون أشرعة السفن أكثر جمالا مما لو كنت تنظر اليها مباشرة ، وعلى حقيقتها ، انك انت أيها الشاعر الفنان من لا تحركك رؤية الاشياء الا منعكسة على الذات الاخرى ، وهذا ما كان يمنعك من ان تمعن النظر فى الاطار الطبيعي كما لو كنت تدققه في لوحة فنان ، ذلك لانك لا تحب أن تواجه حقائق الاشياء بل تريد أن تبصرها كما تبصر النهار فى اشعة القمر ، وانا لنرى أحد هؤلاء الشعراء الذين يتعقبون الظلال وهو مصطفى الفارسي يقول فى احدى قصائده :
ذات مساء
مساء واحد فحسب
تفارق مخلوقان
كي يدخلا الحلقة
وتلاشيا مع الزمن
زمن السخفاء
اولئك الذين يرقصون على أشعة الشمس
بدلا من أن يتمايلوا على ضوء القمر
أليس فى هذا ما يدعوا الى أن لا نفصل الفلسفة عن الشعر فأشاعر فيلسوف ، لا يعرف نفسه ، لانه حين يتحدث ، انما يتحدث قلبه ، بل عقله الباطن ، بل شئ أعمق من العقل الباطن لم نسمه ، هو الذى يتحدث ، واذا بحثت عن دليل تعزز به هذه النظرة ، فلا أراه يتعذر عليك ، وذلك عندما تكون شاعرا ، وتعود تقرأ شعرا كتبته فانى لا أراك تفقه مما كنت قلته أنت ذات شيئا ، وفي هذا حجة على أن الشاعر واسطة بين مدارك بعيدة ، وأشد بعدا من هذا العقل الباطن ، الذى قد نظفر به أحيانا ، وبين ذاته ، ومن ذاته بل ومن نفسه التى هى نفس الاخرين ، لان الله خلقنا من نفس واحدة والنفس هى تلك الطاقة التى ندركها عندما ندرك ان وراء هذا النور تيارا ، الا ترى اننا نعرف النور ولا نعرف مصدره ، ونعرف بعد النور ، ان هناك حريقا ، ولكننا نجهل مأهية ذلك الحريق ، ومأتاه
وأنا لا أريد أن أحرمك أيها القارىء العزيز من هذه اللذة التى وجدتها فى قصيد مصطفى الفارسي ، الذى يجهل ذاته ولم يتفق له أن رأى من أعماقه الا قبسا ضئيلا من النور .
أقول هذا لانه توجد فى أعماق الشاعر دروب مقفرة تراءت له ذات مرة ثم اختفت ، واختفت الى الابد ، وها هو يطمع فى أن يراها ثانية فلا يظفر بحلمة . فيقول :
فى درب قفر
بعيدا بعيدا جدا عن المدينة
تعارف روحان
ذات مساء
وذلك لان الارواح لا تتعارف الا فى المساء وفى المساء وحسب . حين تتداخل الاطياف وتختلط الظلال ويعود الشاعر الى قصيده ، بل الى تلك الايماضة وينادى :
يا الهى يا الهي
ما اضيع السعادة
وما اطول الطريق
وما اقصر الزمن
عندما لا يكون ثمة الا مساء واحد
مساء واحد فحسب
وعندما أحس بالصمت الرهيب يملأ الفضاء من حوله عرف الله ، ولم يقل كما قال الشاعر الملحد :
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادى
لان هذا الشاعر لا يعرف من الحياة الا بقدر ما توفر له منها ، بينما مصطفى الفارسي ، عرف الحياة فى اثرها ، وأبصرها فى ظلالها الممدودة ، تلك الظلال التى تفيأها الشاعر ، وعرف منها بقلبه ما لم تعرفه العين بالنظر وهذا ما جعله ، يكلم الله ، كما كلمه موسى فى جبل الطور ، قائلا :
لقد سكت ،
وافسحت المجال للقلوب
يا الهى يالها من سعادة
ان مصطفى الفارسي حلاجى الفلسفة ، فقد عرف ان الله لم يسكت ، الا ليحدثه من قلبه ، لان القلب ينبض بالحياة . والله هو الحياة ذاتها واية لذة اشد على هذا الشاعر الصوفى ، من أن يحل الله من قلبه محل الحياة منه ، ولم يكتم الشاعر السعادة التى لقيها ، من هذا الحلول فقال :
يا الهى يالها من سعادة
انك تعجب من أن يكون هذا الشعر من قول مصطفى الفارسي عندما تجالس هذا الرجل وتتحدث اليه ، لانه لم يكن الا قشر هذا اللباب ، وسطح هذه النفس العميقة ، والوقت الذى يقضيه فى هذه السطحية أطول من الوقت الذى يمضيه فى أغواره السحيقة ، ولذا تراه يشكو من هذه الفرقة ، التى تفصل بينه وبين نفسه ، وهو يتهلل بشرا عندما تتوفر له العودة الى قلبه ، وذاته الضائعة عليه . فيقول :
لكن عندما ازفت العودة ، كل شئ عاد الى نصابه .
ولم ير هذه العودة من زاوية واحدة ، بل نظر الى العودتين عودته الى نفسه وعودته منها ، وهو عندما يغادرها ، يعود الى نصاب الاشياء المبتذلة ، ولهذا نراه يقول :
كل شئ عاد الى نصابه
نصاب الاشياء المبتذلة
نصاب الايام الطويلة الكئيبة
رتابة الزمن
يا الهى يا الهى
وهنا يتجلى وعندما يستجير من حياة مملة لا لذم فيها ، انه لا يجعل هذه اللذة الا عند امتزاج الروحين فحسب ، ويخشى كل الخشية من أن يتبادر الى ذهنك غير هذا ، فيلعن النساء قائلا :
ما أحمق النساء
عندما يتحدثن عن الحب
عندما يجادلن في الحب
جميل جدا هذا المعنى ، فالحب لم يكن جدلا بل هو تمازج وذوبان ، فالحب فى النفس كالنشوة فى الخمرة تبحث عنها فلا تجدها ولكنك تحسها ثم يقول :
أفليس الافضل أن يصمتن
وان يحسسن بالحب
بدلا من أن يفكرن فيه
وهنا يأتى الشاعر بافضل تعريف وضعه انسان للحب ، ويفصله عن الفكر ، ليضيعه فى الاحساس ويعود الشاعر الى دربه المقفر فيقول :
فى درب قفر
بعيدا بعيدا جدا عن المدينة
ذات مساء
مساء واحد فحسب
تفارق مخلوقان
كى يدخلا الحلقة
ويتبين هنا اكثر فاكثر ، وعندما يحدد هذه الفرقة ، بالدخول فى الحلقة ان هذا الفراق وهمى ، والا فأى فراق تجمعه حلقة ، والحلقة ذات وحدة لا تنفصل .
انهما افترقا ليتلاشيا مع الزمن ، والزمن واحد ، ومن تلاشى فى الواحد كان اجزاء الواحد ، واذا كان الواحد لا يتجزأ ، فان هذا التلاشي ، يصبح لا يحمل غير معنى الضياع ، والابهام عن الافهام ، التى تطمعها الخلايا المركبة في معرفة الخلايا البسيطة .
ثم يتردد هذا الشاعر الفيلسوف بين الجمال والقبح ، فلا يتبين منهما أولى بأن ينسب الى الزمن ، فالزمن وحده فاما أن يكون عبقريا أو سخيفا ، ولكنه يربأ بهذا الزمن عن السخفاء الاغرار ، فيقول :
وتلاشيا مع ازمن
زمن السخفاء
اولئك الذين يرقصون على أشعة الشمس
بدلا من أن يتمايلوا على ضوء القمر
كذلك ذات مساء التقى روحان
على درب الزمن
ذات مساء
مساء واحد فحسب
ليفترقا الى غير رجعة
يا الهى
وعندما يلتقي روحان فى درب واحد لن يلتقيا مرة أخرى بعد امتزاجهما فهما روحان التقيا لكونا روحا واحدة ، كانت قد انفصلت عن بعضها انهما عادا الى جوهرهما الاول وهكذا يكونان قد اقترقا فى التحامهما الى غير رجعة لانه لم يعد يوسع واحدة منهما ان تلتقى مع الاخرى مرة حيث كانت قد امتزجت منها الى الابد ، وهكذا كانت لا تعاد فرحة اللقاء .
ويعود الفيلسوف الشاعر متيسرا الى هذا المعنى الذى قد يغمض عليه الآن هو ذاته حيث يقول يا الهى
كم من سعادة اتلفت .
كم من أرواح تفككت وتباعدت
كم من قلوب تحطمت الى الابد
لانها ذات مساء
تركت الزمن يضيع
فى الجدل حول الحب عوض الاحساس به
ومن كبت القلوب
وقد جعلت لتتحاب
وتنشرح فى سكون الليل وهداته
يا الهي . يا الهي .
انى لا اكتمكم شيئا عندما اقول اننى لم اجد فيلسوفا واحدا استطاع ان يتحدث عن الموت بمثل ما استطاع أن يتحدث به شاعرنا ولا احسب واحدا غيره يتهيأ له أن يصفها بما وصفها به مصطفى الفارسي .
فالموت عنده اللقاء الابدى ، وانضمام الروح الى كيانها الاول ، كما لو كان هذا الشاعر مآت مرارا ، ان فى كلماته ما يشير الى ان التناسخ حقيقة ، لا تختلف عن الحلول فى شىء :
يا الهى يا الهى
هل لنا أن نصمت ذات يوم
فعند ما يتنخل الكلام
تتبعثر الاحلام
ولنعيش الحلم الجديد
لا بد من أن يمر ٠٠ .
زمن طويل
من دموع وعناء وسهاد
ان انشاء عالم من العوالم
يستوجب الانقطاع له
والتفانى فيه
كتابا كان هذا القصيد ، ولعلنا لا نجد للحياة كتابا خيرا منه يحدثنا عن ان انشاء عالم من العوالم يستوجب الانقطاع له ، والتفانى فيه .
والانقطاع والتفاني فيه لا يكون دائما ، الا من ذات دائمة ومن تكون هذه الذات الدائمة ؟ أنت لا تدرى أيها القارىء أيكون هذا الذى بين يديك قصيد حب ، أم هو قصيد وجود .
ويتحدث بعضهم عن هذا الشعر ، وعن هذه الصور ، والاخيلة فيقول هذا شعر غير عربى ، كما لو كان الكلام المحشو أفكارا يجب أن لا يكون عربيا نعم ، فصاحبنا هنا له طبعان : طبعه العربي الاصيل ، والطبع الذي اكتسبه من ثقافته الفرنسية ، وهو من اولئك الذين لهم ظلان ظل في عالم العرب وظل فى عالم الافرنج ، ولكنك عندما تجمع الرجل الى بعضه تجده يساوى انسانا ، لان الأدب الافرنجى لم يكن ادبا قوميا كما هو الشأن فى الادب العربي ، بل ان موسوعات الأدب الافرنجى تجاوزت النعرة الاقليمية ، واجتازت العمل القومي
وانى لا أريد أن أحدثكم عن مصطفى الفارسي باكثر مما تحدثت لانه واحد من جماعة كثيرة كان من المفروض علينا أن نتعرض لادبهم واحدا واحدا .
وقبل أن ننطلق فى الحديث عن هؤلاء الشعراء التونسيين ذوى التفكير الجديد ، نريد أن نسجل هنا أن عمل هؤلاء ، ترك أثرا فى الفكر العربى ومال بكثير من الشعراء عن اللون التقليدى الذى توارثه الادباء جيلا فجيلا ، وجعلوا من هذه الألوان تفكيرا جديدا وأدبا حديثا ، وعملا حرا ، وهو لعمرى فى واقعه عمل انسانى متسع ، وهو كذلك أكثر من أن يكون تحررا وتجديدا . وليس هذا هو أول عصر يعرف فيه العرب هذه الافكار الغريبة البعيدة عن محيطهم بل هم قد عرفوا في عهد المتبني هذا اللون من التجديد ، ولكنه لون لم يأت على القوالب والايقاعات التى يكتسبها العربى بطبعه وفطرته ، بل كان تجديدا فى جوهر المدلول والمعنى ، لان الشاعر العربى كان فى ذلك العهد متأصل الطبع وهو يستطيع الى ذلك أن يهضم الاشعاع الفلسفى التى نقله الى الديار العربية الفكر اليونانى ذلك الفكر ، الذى كان بالنسبة للعمل العربى النواة الصغيرة . والذى نما وترعرع فى ظل المبادىء العربية ، تلك المبادىء التى جاء بها الاسلام والتى أعادت الى العقل ما كان انتزعه منه الاقطاع الفكرى . وأراكم تنتظرون حجتي في أن الادب العربي تقدم وتطور أشواطا فى العهود الاسلامية الاولى تلك العهود التى نشطت فيها الحركة العلمية والفكرية الى أبعد حدود النشاط ولست أدعى البتة أن هذه الظاهرة الفكرية الجديدة التى اكتسبها الادب العربي في هذه العهود ، لم يملك الادب العربي منها أى رصيد ، لان الادب العربي كبقية الاداب العالمية الاخرى أدب انسانى محض ، وان البيئة هى التى كيفته وحددت مفاهيمه ، ولم تكن البيئة العربية فى وضع البيئة اليونانية ، ولذلك كان الادب العربى المعاصر فى غير وضع الادب اليوناني وكذلك لم يكن ذلك التفكير ولا ذلك الاشعاع الذهنى ، ولا ذلك الاثر الفني سواء بسواء عندما نقيسه بالاثر العربى ، ولكن عندما اتصل العرب بالفكر اليونانى وأخذوا المشعل سبقوا اليونانيين أشواطا بعيدة مما جعل الحضارة الغربية اليوم مدينة فيما هى عليه من تقدم الى العمل العربى ، فهى وان كانت حضارة ذات أصول يونانية الا ان هذه الاصول ما كان ليستفيد بها أحد لو لم يصقلها وببلورها ويجليها وينميها العمل العربى ، فاذا ما كان اليونانيون أنبياء هذه الفكرة ، فان العرب رسلها ومبلغوها ، واذا أحبتم أن تروا البرهان في أن العرب عاشوا حياة فكرية متقدمة ، وان هذا الفكر أثر في أدبهم وشعرهم وفى كل عمل من أعمالهم ، فلننظر الى المتنبى حين يقول :
ألا لا أرى الاحداث مدحا ولا ذما
فما بطشها جهلا ولا كفها حلما
ألا ترى اننا ما زلنا نعتبر ان كل من يجعل الحياة من صنع الانسان ،
ومن خلقه ، مفكر حطم قيود الفكر ، وتخلص الى الحياة مباشرة ، بينما المتنبى فى تلك العصور السحيقة وفى القرن الرابع يقول هذا القول ، ويضع اللبنة الاولى فى قول أبى القاسم الشابى :
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
بل نرى ان المتنبى أسبق من أبى القاسم الشابى مع انه متقدم عليه بقرون ، لان أبا القاسم تحدث عن القدر وجعله خاضعا لارادة الانسان ، بينما المتنبى ، قال انا لا ألقى بالا لهذا الذى يسمونه قدرا ، فما كان بطشه جهلا ، ولا كفه حلما .
هكذا كان شعراء العرب فى القديم والامثلة على تطور الادب كثيرة لا يتسع لها مثل هذا المقال .
فعلام لا نخضع الادب العربى اليوم للفكر كما أخضعه اولئك الذين سبقونا
ونكون كلما استعصى علينا تسجيل ايماضات الفكر ، وصهرها فى الطبع العربى الذى هو الشعر وايقاعاته التى نجدها فى انفسنا لا فى كتاب الخليل ، الذى بحث عنها فى أثر العمل العربى ، اذ لم يكن الخليل مبتكرا لهذه الاوزان بل كان مكتشفا وحسب .
وانى لامجد هؤلاء الذين يسجلون عملهم الفنى دون أن يصنعوا من عملهم معولا يهدمون به هذا الاثر العربى الذى نسميه شعرا .
فلا يجب أن تأتى هذه الظلال الفكرية على الظل العربى ولا أن يذوب فيها ، فعندما تتعدد الاضواء تعدد الظلال ولا يمحو بعضها البعض الاخر ، بل ان هذه الاضواء تصهر الانسان حتى يكون أبرز من تلك الظلال جميعها من هذه الظلال التى تعكسها أضواء القرون فى ذات الاديب ، ظلال حضارة قديمة ، قد عفت عليها الحروب ، ووارتها فى جوفها القرون ، الا ان الشاعر الذى يخترق المسافات واللازمنة استطاع أن يتفيا تلك الظلال وان يطير بأجنحة الخيال والفكر الى قرطاج وأن ينقل الينا ، من تلك الاضواء بقدر ما يرى من هذه الظلال .
ومن منا ينكر هذه الظلال الطويلة ، والافياء الممتدة لشاعر العاطفة والحنين عبد المجيد التلاتلي .
لم يفت علىيسة ولا أميلكار ولا حنبعل ، ان يبعثوا الى هذا العصر بسفير يحدثنا عن تلك الحضارة ، وعما نحب أن نعرفه منها ، أنتم قد لا تعرفون قدرة تسلق الازمان تلك التى كنتم ترونها قلاعا وأسوارا عالية تمتنع عن مرتاديها وانى ليطربنى أن أكشف لكم عن رحلة هذا الششاعر الى الزمن السحيق ، أنتم
كثيرا ما حاولتم أن تمسكوا بظلالكم فلم تجدوها فى أيديكم شيئا بينما عبد المجيد التلاتي تسلق هذه الظلال ، كيف يمكن ذلك ؟ انكم تعجبون انى أراكم تتساءلون ، لا تعجبوا من عمل الشاعر فهو قد سبق العلم الى القمر والافلاك وهو لم يزل يقهر العلم فى استعادة الماضى وجعله حاضرا تعيشه كما تعيش حاضرك سواء بسواء وهذا ما صنعه عبد المجيد التلاتى فى قصيده هذا فهو لم يتسلق الماضى الا ليأخذه ، ويجعله فى يده ، ويدفعه لك حاضرا .
تحت ظلال قرطاج
لقد تسلقت ساعات الليل الاولى
واجتاز دماغي المحموم الدرجات الاولى من سلم الحلم
حلم مسترسل النغم
لقد قضيت تحت سمائك يا قرطاج
ساعات الابتراد والدعة
فانظر الى هذه المقابلة اللطيفة ، بين الحمى والابتراد .
فهو طار الى قرطاج فى مركبة سحرية كأن وقودها من دماغه وهذا ما جعل دماغة محموما ، ولكنه يفصل نفسه عن دماغة ألحموم ليبترد تحت سماء قرطاج وليجد كذلك الدعة ، ألم يكن الشاعر هنا عألما يمكن أن يتجرأ متى شاء فى حين تجمعه وحدة لا تنفصم لا تعجب من الشاعر عندما يحدثك بالمتناقضات لان الشاعر هو الذى بيده القدرة الفعالة أن يجعل المتناقض فى تنافره متآلفا ، وهو الذى يصوغ من النشاز لحنا عبقريا يحطم به جميع الالحان التى خنقها التناسق وقضى عليها بالابتذال والرخص .
ان هذا الدماغ المحموم هو الذى يقول :
ساعات الابتراد والدعة
الساعات التى كلها سكون
وللصمت فيها نبرات ضارية
تجهد فى مزج الحياة بالموت
والموت بالحياة
ان هذه الفقرة تذكرنا بما كان قاله مصطفى الفارسي . ان انشاء عالم من العوالم يستوجب الانقطاع له والتفانى فيه وبقوله
هل لنا أن نصمت ذات يوم .
لقد تحدث الشاعر ان عن فلسفة الموت بما لم يتحدث به غيرهما فهما لم يجعلاها عدما كما قد يتراءى لاغيباء العقول وقاصرى النظر ، بل جعلاها وجودا دائما .
ومن لنا بان ندرك هذا الوجود الصامت كما ادركة هذان الشاعران ، نحن نلوك بعض الكلمات حول هذا المعنى . ولكننا لا نعرف كنها لها ولا نفقه ما تنطوى عليه ، لان هذه الاجسام تسجننا وتضع غشاء على بصائرنا حتى لا نرى الحقيقة الناصعة ، اما الشاعر فهو الذى يتخلص من هذا السجن ويرى فى روحه ما لا يراه الاخرون .
وكشف الله عن بصره فكان بصره حديدا نأفذا . بل هو يستمع الى نبرات الصمت . وللصمت فيها نبرات ضارية تجهد فى مزج الحياة بالموت والموت بالحياة الساعات التى ليس فيها سوى علم السماء .
يقول الناس حينما يتحدثون عن فترات الوحى عند الانبياء ، بانهم يغرقون فى غيبوبة ، تجردهم عن الحس ، ومن الوعى ما يلهى عن الحس .
واثر ما يفيقون من تلك الغيبوبة . يجدون انفسهم فى عزلة كاملة تفصلهم عما جاءوا به من الوحى وربما قالوا علم ذلك عند الله لهذا نرى الشاعر يقول :
الساعات التى ليس فيها سوى علم السماء
بينما تمعن الجهود البشرية فى بحث لا طائل من ورائه
الساعات التى تنعقد فيها الصداقة وتنحل
ويتلاعب الحقد ويحبط
ويتفانى الحب ويخلص
الساعات المضللة التى يبحث فيها العالم
عن نفسه تحت الزمرة القمرية
الساعات التى يلد الفكر فيها الاحلام دونما اجهاد
وتتذوق فيها متع الاوجه الصافية
ويصبح فيها الواقع خيالا
انا لا احب ان اقول ما ابدع هذه الصورة ، لانها حدثت عن نفسها ، فأغنتنى عن التمجيد والاستحسان .
ولكنى احب ان اقف عند قوله :
الساعات المضللة التى يبحث فيها العالم عن نفسه
تحت الزمرة القمرية
انه يعنى ولا شك بهذه الساعات المضللة الحياة ذاتها وقد جمعها جمع تقليل اذ جعلها ساعات ولم يعدها سنينا ولا شهورا ثم قال عن هذه الساعات
الساعات التى يلد الفكر فيها الاحلام دونما اجهاد
ونتذوق فيها متع الاوجه الصافية
ويصبح منها الواقع خيالا
ان لهذه الشطحات صوفية ، لا يدركها الانسان بحاسة من احاسيسه التى نعرفها ، وانما تدرك بملكة الشاعر تلك الملكة التى قد لا يدركها كل الناس ، وان ادركوها ، فهى فيهم كالذهب فى البحر ، تكشفة الشمس فى الفجر وعند الاصيل تحت اشعتها ولكنك اذا أخذت حفنة منها وجدتها لا شئ ، بينما هو ذهب فى واقعه ، فما اروع ما يقوله الشاعر عن هذه الساعات التى نتذوق فيها متع الاوجه الصافية :
ويصبح منها الواقع خيالا ، والخيال واقعا
ينير القمر الاودية التى تحيط بى مخضرة حية
كتلة من النجوم تسهر فى صراع مع حلمي
وهكذا فانا انما اود ان اعانقه فى هذه الصفحات والشاعر وحده هو الذي يعانق النور ، ويملأ منه يده ثم اذا فتحها وجد تلك القبضة من النور ، على كفه تفيض كما يفيض السلام ثم اذا قبضها مرة ، كانت هى هى لم تنقص (بالرغم مما أهرقته على حافتى الكف) شيئا ، النور معدن لا يفنى ، ولا يجف ، يتعقب الظلام فيمحوه بينما نحن نحسب ان الظلام يتعقب النور ، وهنا يكمن خطأنا ، ويتبين قصورنا حينما نقبض على النور ، ثم يتبين لنا اننا انما نمسك بظلاله . ظلاله التى يجعلها الشاعر احلام هذه الرؤيا حيث يقول :
وهكذا فانا انما اود ان اعانقه فى هذه الصفحات
هو احلام هذه الرؤيا
في انحناءتى لالتقاط كل هذه الانفاس
اعترانى يا اخي دوار رهيب
واحسست بلهب البحران التاريخي
انه استقبال ساحر
من امواج العدم الزرقاء
آه لقد تفهمت القيم الجليلة لسير الازمان
ويتشعث الانسجام بحنو لدى ما يحيط بى
من آثار مثيرة
لا لم يكن هذا شعرا ولا جمالا ولا سحرا انما هو العالم الماوراتى الذى نتحسسه فى دخيلتنا ثم لا يلبث ان يتلاشى من بين اصابعنا ، وهل تكون القيم الجليلة في غير هذا المفهوم ، انها تسبح فى امواج العدم الزرقاء ان هذه المفاهيم لا تحسب شيئا عندما تغرق فى الامواج الزرقاء ، تلك الامواج التى تقوم حاجزا بين عالمين ، عالم النور ودنيا الظلمات وما دنيا الظلمات الا نكد الظلال التى نسمى بعضها ليلا وهذا ما كان يدفع الشاعر الى ان يقول :
وظللت أنا عاشق الليل اتامل فوق الصخور
تحت ظلال قرطاج
لقد طالما همت فوق تلك القلل والكثبان
وقادني أخيرا اطار أحلامي الفسيح نحو هذه
الصخرة من بين الصخور
فعنتنى سورات الغضب الحبيس بين الجدران
ووصفت لى المحيط التابوتى ، حيث تسبح الاطلال
وهنا يبصر الشاعر محرقة هائلة ، وجحيما مندلع اللهيب ، وحول تلك محرقة تعلق الملكة رؤوس جواريها من ذوات الشعر الاشقر والخصلات التى ترق عن لعاب الشمس . انها لم تكن محرقة ، ولا هي مشانق كما كانت تتوهم الملكة ، بل هي مائدة تقدم فيها ألذ الاطعمة الساديه . ثم انك عندما تحدق في عين الجارية التى جمد فيها الحس تجدها ضاحكة الاسارير ، يعلو ثغرها المنطفئ ابتسامة ، لان تلك الجارية كانت وهى تموت تجلس الى مائدة اخرى الذ من مائدة الملكة ، واشهى طعما ، فالملكة ذاتها كانت طعاما مازوشيا فى مائدة الجارية والعبد .
ولكن الشاعر كره طعم المائدتين فهو لم يكن ساديا ولا مأزوشيا ، وان كان الح فى انه لم يكن ساديا عندما يقول :
أيتها الاغذية السادية التى تنخرها هياكل القرون
كم ذا تحطمن كيان الأنوار
هو انما يكره السادسة لانه يعلم حق العلم ان السادية هى ام المازوشية الاولى اذ لولاها لما احب العبد ان يكون عبدا . ولا الامة أن تكون أمة ، كما أن مركبات النقص كانت العنصر الاول فى تكوين مركبات الكمال ، والنقص والكمال يكونان عندما ينظر الرجل الى وجهه معتبرا مقاييس لم ينحتها من ذاته ، ولم يجردها عما يقرره الاخرون . ويحددونه من معيار .
والشاعر عندما يتحدث عن هذه الاغذية السادية انما يتحدث عن ذلك بعدما تصفح القرون
لقد تصفحت القرون
بل تصفحت العصور
أمام حفنات التراب هذه
ومن القبور الخفية سمعت أصواتا
ومن القبور المجهولة تنشقت العبير
ومن القبور الثرية سبرت غور الاقدار
يا دوى الاقدار العجيبة
انكم لم تقتصدوا أبدا فى سفح الدماء وسفكها
كما انكم لم تبخلوا كذلك فى الفن
وفى جشعكم للانتصارات
اقتتلتم رجالا ضد رجال
لقد كانت قواكم بدائية
وما كان أبعد اخيله العرفان عنكم
اني لابحث من بين هذه القرى انبلها
لا حليها أشذاء وألوانا
نعم ، لم يكن هذا شعرا ، ان هذا الا عبقرية لا تحديد لها ، ولا مدى يضبطها ، وانى أرانى أسترسلت مع هذا النبى المجهول ، فدخلت معه معابر مظلمة أبحث معه عن قبس من النور التقطه كما يلتقط ثاقب اللؤلؤ عن الحجارة الكريمة حين تلفت من بين يديه وتقع فى هوة سحيقة لا يدرك مداها .
انه ليسعدنى جدا ان يكون هؤلاء الشعراء العرب ، شعراء للعربية ، حتى يعطوها من أنفسهم ، وأفكارهم وفلسفتهم ما أعطوه لغة . وان كانت أجنبية الا انها احدى لغات الانسان ، والله علم ادم الاسماء كلها ، وان عدد هؤلاء
الشعراء الذين يعززون الفكر الاسلامي لم يكن عددهم فى هذه الدار محدودا فلم أزل أبحث عنهم فى كل مكان حتى أجدهم عند كل التفاتة .
ان الانسان يختزن فى نفسه من مشاهد الجمال والوان الفن ، والابداع ، اكثر مما تسعه ، فلو انك رمت في يوم من الايام ان تجمع بذهنك كل ما عرفت ، منذ نشأتك الى صباك الى يوم كهولتك لما امكنك ذلك أبدا ، ولكنك ترغم احيانا وعندما يتيقظ احساسك وترهف مشاعرك ان تستوعب الشىء الكثير من حياتك ، وفي هذه الفترة ذاتها تحس بانك تنفجر لانك وعاء صغير وصغير جدا لا يحمل هذه الحياة ولا يستوعبها حتى يتلاشى وتتلاشى وهذا ما يجعلنا نرى التجانى زليلة ، يحدثنا عن هذا الرجل المنفجر .
هذا الرجل او المرء الذى يمسك رأسه بين يديه رأسه موطن ذكرياته العديدة ،
ان ذكرياته المتباينة ، المتنوعة ، المتعددة ، المتنافرة أحيانا المتآلفة أخرى عندما تتجمع في رأس واحدة ، تصبح دويا ، لا معنى له ، وضجيجيا خانقا ، يخرج المرء به من وحدته الى لا شىء ، ثم انه بعد ذلك لا يتبين شيئا من هذه الذكريات ، الا ترى ان هذا الشاعر رسام ولكنه يرسم ما يعجز الرسامون عن رسمه ، انه يرسم لعينك مشهدا لا تقوى عليه ريشة ولا ازميل . وهنا يتفوق الشعر على الرسم ، عندما يرسم لك الشاعر مشاهد النفس ، بهذه الامكانيات التى قد لا تدركها الخطوط ولا الالوان .
ان هذا الاثر قد لا تعثر عليه عند شعراء العربية بينما صاحبه يسجله فى لغة اخرى غير لغته ومن هنا نتبين ان مصطفى الفارسي ، وعبد المجيد التلاتلي والتجانى زليلة ، لهم حضوران فى هذه الحياة .
يختلف كل حضور منهما عن الاخر اختلافا جوهريا فمصطفى الفارسي لا يمكنه حين يخضع للمفهوم العربى فى ثقافته أن يعبر عما تهيأ له فى الافق الثقافي الغربي ، والرجل في كلا الحالتين واحد ، كذلك التلاتلى ، وزليلة ، على خلاف عبد العزيز قاسم ونزار قبانى الذين استطاعا ، ان ينقلا المفاهيم الغربية الى المفاهيم العربية ، دون أن تشعر بتنافر ما وحسبما يتبين لك عندما نستعرض أدب هذين الشاعرين .
فهما من هذه الوجهة يشبهان الى حد بعيد محمد عبد الوهاب الذي هيأ الموسيقى الى المستمع العربى بما اسبغه عليها من روح عربية أصيلة جعلتها تعيش فى الوطن العربى دون حرج ، واثبت التعايش السلمي للاثرين الفنيين الغربى والشرقى ، وريثما ننتقل بكم الى هذين الشاعرين أحب أن أضع أيديكم على هذه الروائع من الصور الجديدة . اذا شئت والقديمة اذا أحببت ، فهي جديدة لاننا لم نتحدث عنها ، وهي قديمة لانها من كياننا ، وكم فى كياننا من مجال ، تحول بيننا وبينه ، اغفاءات تعودناها واستعدناها ظنا منا
بانها اغفاءات لا مثيل لها ولا يمكن النفس أبدا أن تركن لسواها والنفس في واقعها عين ثرة ، اذا وهبتك جرعة عذبة ، فانها لا تبخل بالجرعة الاخرى ذلك لاننا لا نبحث عن الشعر حيث بحث الاخرون ولا نبحث عنه بمجرد اجتهادنا وكيفما اتفق لنا دون أن نسلك طريقا سلكها غيرنا .
واذا كان الادب العربى يشكو شيئا من الهزال ذلك لان الشاعر العربى اختار ان تكون نفسه زوايا ترجع صدى الاخرين . ولو عاد الى نفسه لوجد الكنز قريبا كما وجده التجاني زليلة فى هذه القصيد :
أمسك الرجل بذكرياته
وفى رأسه الكثيرة التفكير
الوشيك الانفجار
مزجها
عجنها
سحقها
حتى لا يتبين منها شيئا
حتى لا يتعرفها
لينسي
انها لصورة بارعة هذه التى يقدمها لنا الشاعر فبراعتها آت لا محالة من سهولتها وقرب مأخذها ذلك لان هذا الشاعر عرف نفسه وامن بها بينما نحن عرفنا الاخرين ، وامنا بكل ما حولنا غير مستثنين من ذلك الا ذواتنا وانفسنا التى هى أقرب الينا من سواها .
فمن منا لا يحس بهذا المعنى احساسا قريبا . فمن منا لم يخطر هذا الخاطر الشعرى الجميل على قلبه .
مزجها
عجنها
سحقها
حتى لا يتبين منها شيئا
حتى لا يتعرفها
لينسى
كذلك كان كل واحد منا ساعة تعاوده الذكريات تلو الذكريات تراه ينتقل فى مراحل حياته من عصر الى عصر وكلما اوقفته صورة من صور حياته الجميلة ، انقضت عليها صورة اخرى وحلت محلها ، وكم قامت المعركة بين الصورتين وهما تتعاقبان على الذهن ، فلا يستقر لاحدهما قرار ، حتى تحل مكانها صورة غيرها .
ويخرج زليلة من هذا الاطار ، الى اطار غيره لان نفسه كانفسنا جميعا ذات عدة مشاهد وكثير من الالوان . ويلتفت الى فؤاده فيقول :
وجس فؤاده
ويعني طبعا هذا الذى كأن يتحدث عنه والذى امسك رأسه الكثيرة بين يديه :
وحبس فؤاده
فؤاده الذي اضناه . .
هوى طالبات عديدات
واضنته واقعا واستحقاق
عاسلة ثياب
ان الشاعر هنا لا يكابر ولا يطمس معالم النفس ولا يضع عليها اصباغا من الرياء والكذب كما يفعله الاخرون من الشعراء ، ومن منا لم تفتنه مرة ( غاسلة ثبات) ، اننا بين الميتولوجية والواقع نختار غير الواقع ، وهذا ما يعفى معالم الشعر من قصائدنا ، نحن نظن اننا نبرز جمالا عندما نغطى مفاتنه ظنا منا انها ليست مفاتن ثم اذا رأينا أحدا غيرنا رسم وغنى وأبدى ما نحن اجتهدنا اجتهادا فى طمسه واغفاله قلنا هذه هى العبقرية ، اننا نهمل العبقرية في ذواتنا ونعشقها فى غيرنا ، اننا نحب فترات البين والعذاب ونتذكرها في لحظات السعادة فتساوى حياتنا بهذا المزج شقاء أبديا أقول بهذا المزج لاننا نقرن دائما وابدا سعادتنا بالشقاء ذلك لاننا لم نعد أن نكون مازوشيين ونعود الى هذه الاية من الفن الذى يقول فيها شاعرنا ذو النزعة الواقعية :
فؤاده الذي اضناه
هوى طالبات عديدات
واضنته واقعا واستحقاقا
غاسلة ثياب
واخيرا ممرضة
ممرضة مستوصف الحي
حيث ذهب للتداوى
لانه كان يود من العمر مزيدا
وارتعشت يده تحت سترته الشهباء
وهنا ينتقل بنا الشاعر الى ما فوق الواقعية ويحلق بنا بعيدا ، نعم يحلق بنا بعيدا فى ملكوت قد لا نتحسسه الا بمشقة . وذلك عندما يقول :
وارتعشت يده من تحت سترته الشهباء
اذ كانت تلامس قميصا
مبللا
لا شىء سوى الدم
دمه هو
ودم قلبه
وقد توقف عن النبض
وهكذا تحرر
تحرر من قيد الماضى
الى الابد
وهنا يجتمع الشعراء الثلاثة فى تحديد فلسفة الموت التلاتلى وزليلة والفارسى .
ان الشعر ( الفرنسى اللغة ) عند هؤلاء لا يعدو ان يكون شطحات صوفية وتجليات فكرية ، واحاسيس غريبة قد ندركها اذا بلغنا ذلك المستوى وعندما نرهق اعصابنا . ويعود الشاعر الى حيث كان :
وفى الشوارع التى حفرتها
اعمدة الفوانيس والسيارات
الملبدة الناعمة
ظل يهيم
فى شىء من النشوة
في شىء من الجنون
كان يقفز
كان يغنى على الرصيف المبلل
رشه رجال البلدية الطيبون
بستانيو البلاط
بستانيو القمر من دار الكهرباء
انت لا يمكنك ان تمر بهذه الابيات دون ان تقف عندها ، انها على غاية من الروعة والاحكام .
وانت لا يمكنك ان تغفل عما فى هذه الابيات من ثورة ومن شعور بالاشتراكية . ومن حسن الظن ، والحب فبستانى البلاط رجل طيب ، اضعف قدرته شعوره بالتلاشي والاضمحلال . فهو الى جانب القوة كان يرى نفسه ضعيفا ، ولهذا كان طيبا ، وكم كانت تلتقى الطيبة بالضعف عند الشعراء ولكن فى مفاهيم متعددة .
فاذا قال عمر ابن ربيعة مرددا قول المتنبى :
ليت هندا انجزتنا ما تعد
وشفت انفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة
انما العاجز من لا يستبد
وقال المتنبى :
والظلم من شيم النفوس فان تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
فزليلة تحدى هذه المعانى البدائية السخيفة التى لم يعد لها رواج فى عالم الناس هذا وأرجع الامور الى نصابها ، والتفكير الى مجراه حيث تحدث فى مجال التهكم عن بستاني البلاط ووازن بين القوة والضعف الذين لم يعد لهما فى عالمنا اليوم من رواج . ولم أر اكثر سخرية بالقوة من هذه الصورة ، التى رسم فيها عدم المبالاة ممن وقع عليه العدوان ذلك الذى لم يأبه بهذا الرهط وهذه (الموميا) التى تحدثنا عن (السادية) والعصور القديمة وجعل صاحبه يقفز حيث يقول :
كان يقفز
كان يغنى على الرصيف المبلل
رشه رجال البلدية الطيبون
بستانيو القمر من دار الكهرباء
بستانيو القمر من دار الكهرباء
ظل الرجل يقفز يرقص ، يغنى
معلنا حريته
الى المدينة الغافية
وعندئذ رآها
صورة من الماضي
ذلك الماضى الذى كان قد سحقه بيديه
واودى به
الماضى يبعث حيا
الذكريات تتجسم من جديد
تدب فيها الحياة
تخنقه
تعميه
ومن تحت السترة الشهباء
ومن تحت القميص الدموى الشيح
اخذ شىء يتحرك
يهتز
عاد يخفق قلبه
قلبه يخفق
قلبي
وعبر ضباب ادمعه القديمة
التى طال تجمعها
وتقادم احتباسها
رآها تبكى
هى ايضا
تنتحب
هذا شعر ، وهذا احساس ، وهو عبقرية فمن منا عرف الضباب بانه هو تلك الادمع القديمة المتجمعة ، ومن منا عرف ان اديم الارض هو بقايا تلك الاجساد التى طواها الموت فاذا كان رفات الاجساد التى طال تكدسها فكانت جبالا - وربى - تلقفت فيها الزهور قبلات الشمس فى كل صباح .
فهذا الضباب هو بخور تلك الدموع ، وعندما تقوم العاصفة يبكى ذلك الضباب ونحن دوما كنا نستمع فى خشية وخوف الى سمفونية هذه السحب كلما طال احتباسها اما عبد العزيز قاسم فهو يأسر ظلاله ويجعلها تسير حيثما يسير .
وارانى أجر فى القفر ظلا
شد كالقيد في التراب وباقي
فهو من هذه الوجهة شاعر فيلسوف قبل ان يكون شاعرا فنانا يشغله الصوت عن الهيكل ، وانى سأعرض الى نزار قبانى و عبد العزيز قاسم متى توفر لى ذلك ، فى عدد مقبل .
