الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

ظواهد من تقييد الحساسية الادبية، في السبعينات

Share

الاعتراض الذى قد يثور فى الذهن للوهلة الاولى هو ان المرء لا يعالج حقبة زمانية الا عند منتهاها كى يتسنى له أن يشرف على امتداد الفترة بأكملها لا سيما وان الناقد يظل على خشبة السلامة طالما ظل متمسكا بالنصوص لا يغادرها الى لج النبوءة . . . فكيف يتحدث عن السبعينات ولما ينصرم عنها غير عامين يكادان لا يشيان بملامحها ؟ فى الواقع ان أية فترة فى تاريخ الأدب يمكن أن تحدد تحديدا أدبيا بحسب نسق من الضوابط والمقاييس والاعراف الادبية التى يمكن تقصى دخولها وانتشارها وتنوعها وتكاملها وتلاشيها . ا نحدد تحديدا تاريخيا بحسب وقائع اجتماعية أو سياسية لا تستطيع الا فئ من عمر معين أن تجرب خلالها حوادث هامة كحرب حزيران أو التحويل الاشتراكى أو قيام الوحدة . ومن المؤكد ان المقياس الأخير يحمل كل معايب المقاييس السياسية فى تاريخ الأدب . ولكن ما حيلتنا ونحن فى مرحلة يصنعنا فيها تاريخنا ولا نصنعه ؟ اذ لو أن باحثا تقصى الانواع الادبية السائدة فيما تتضمنه من صور وأفكار وانفعالات ومواقف لوجد أنها جميعها تدور حول مصير الانسان العربى والواجبات المترتبة عليه تجاه العصر والمرحلة والحياة المتقدمة المنشودة . فنحن الأدباء العرب لا نتمتع بحق فهم الزمان كجريان ، ولا بترف النظر الى الحياة الأدبية كنوسان بين الاعراف الادبية . لقد حددت الأقدار السياسية مراحل حياتنا الأدبية تحديدا قاسيا ، فكان ادب النهضة أدب المناداة بالتحرر من الاستعمار التركى ، وكان الادب الوطني أدب التحرر من الاستعمار الأوروبي ، وكان ادب ما بعد الاستقلال فى المشرق العربى محددا فيما بين النكبة والنكسة من سنوات : أفلا يمكن تحديد ادب النكسة بحدود السبعينات ، على أمل ان ينجي الصراع بين الحق العربي والبغى الصهيونى عن قدرة العرب على توحيد صفوفهم وانتزاع المبادرة من القوى الدولية لتقرير مصيرهم فى القرن الواحد والعشرين بأيديهم ؟ غير

أني لن أقرع أسماعكم بما تعرفونه من ادب يعالج النكسة ندبا أو ندبة ، اذ يمكن أن نلحق ذلك بأدب النكبة على الرغم من امكان تمييزه عنه بميزة كأظهر ما تكون ظاهرة أدبية ، هي ميزة الشمول . فاذا كان أدب النكبة يتخذ محورا له قضية فلسطين واسترجاع الأرض الموعودة فان ادب النكسة يتصدى للحياة العربية من مختلف جوانبها وفي شتى ظواهرها ، فهو يعالج الحياة السياسية مثلما يتعرض للأوضاع الاجتماعية ، وهو يلتفت الى التاريخ بالنقد القاسى ذاته الذي يوجهه للمذاهب والافكار التى تسود نشاطنا العقلي . لقد نشأت في الأدب حساسية لا تقتصر على الرفض العنيف للماضى وانما تشمل أيضا تقليب أمور الحاضر على سفود الهجاء حينا والتهكم المرير تارات أخرى ومن المؤكد أن الأدباء الذين يعرفون ما لا يريدون ولا يعرفون ما يريدون هم جيل نشأ فى أوائل الخمسينات ولا يزال مستمرا ، الا ان التنويعات على هذا الصنف الرئيسى تتكاثر فى السبعينات بحسب تمايز الوعى والأصول الاجتماعية والانتماء الأيديولوجى دون أن يؤدى ذلك كله الى نمو نوع من الانواع الادبية نموا يدل على اقبال احدى الطبقات الاجتماعية عليه وتشجيعه باعتباره تعبيرا عنها .

وهذا كله يجعل موضوع الحساسية أمرا شديد الحرج ، ما دامت الحساسية رجراجة من جهة ، وما دام ، من جهة أخرى ، لا يمكن تتبع ظواهرها الا من جانب واحد ، هو جانب الأدباء فقط . اما الجمهور فهو اما انه فى قسم منا مثقف واما انه فى القسم الآخر منه جاهل لا أحد يعرف ماذا يريد . صحيح ان الناس فى كل مكان من الوطن العربي تناقلوا قصيدة نزار قبانى " هوامش على دفتر النكسة كأول رد فعل من شاعر شهير ، غير ان المجال الحق لتأثير القبانى فى الحساسية الاجتماعية هو مجال العواطف الفردية ، وهنا نقر لهذا الشاعر فى حقل الانفعالات الخاصة بيتين ربما كانا غريبين فى انتاج المعروف . فهو يقول :

ان كان لا يمكنك الحضور يا حبيبتى

لأى عذر طارئ

ساكتفى بالرائحة

ان كان لا يمكن أن تأتي غدا

لموعدى

اذن تعالى البارحة ٠٠

ليست المفاجأة ونضارة التعبير وحدهما يستوقفاننا ، وانما تستتوقفنا ايضا تلك الروح المتسامحة وذلك الأفق الرحب فى محبة تغمر أبعادا لا يتسع لها قلب نزق كالذى نعرفه من قلب نزار الدموى المتنقل . واذن فكيف جرى ذلك القول على لسانه ؟ من المعروف ان قراء الشاعر يتراوحون ان يكونوا من الرأسمالية العربية الكبيرة الى البورجوازية بكل درجاتها . لقد عبر الشاعر عن تفتح هذه الطبقات وقاد تطلعاتها نحو التحرر والفرج ، وابلغ ظني انه بهذين البيتين لا يعبر عن نضجه الشخصى فقط بقدر ما يعبر عن بلوغ بعض صنوف هذه الطبقات درجة من النضج العاطفي والتسامح الخلقي في السلوك والتفكير الاجتماعى ، طبعا نحن لا نؤمن بأن الفن تعبير عفوى عن انفعالات الفنان مثلما اننا لا نؤمن أيضا بأن الفنان وسيلة مباشرة للتعبير عن المجتمع الذى يعيش فيه ، أو الطبقة غير أن الفن يظل تعبيرا عن المحيط فاعلا ومنفعلا به ، ويظل من الواجب فى أى تاريخ للحساسية الأدبية ان ندرس اتجاهات الكتاب حسب صلاتهم بمشكلات مجتمعهم وعصرهم ومواقفهم المتغايرة منها مثلما ندرس الطريقة التى تدخل بها الأفكار الى الأدب ، منعا للخلط المألوف بين الفكرة والتجربة ، وبين وظيفة الفلسفة ومهمة الفن فى المجتمع . ونحن فى حكمنا على ان البيتين السالفين يعبران عن نضج اجتماعى أكثر منه نضجا فرديا انما نؤسس حكما على الحساسية دون أن نتخلى عن الاستنتاج ، فقلما استطاعت الحساسية أن تبلغ القوة النقدية المعروفة الا بتقبل مقدار معتبر من التقرير النظرى التعميمي . كذلك فان حكما معللا فى شؤون الأدب ليس له أن يصاغ الا على أساس شئ من الحساسية الفورية أو المولودة . غير أننا لا بد أن نستند فى حكمنا على ضوابط ومعايير تمنع ارسال الاحكام جزافا باسم الحساسية ، وان كانت هذه المعايير يجب ان تقوم بالضرورة على نظرة شاملة للمرحلة وروح العصر بغية استكشاف الخطوط العامة التى يسير عليها النتاج الأدبي مع التحفظ الرئيسى بأن الشواهد التى نوردها هى أمثلة وليست براهين

قلنا ان مسألة التاريخ العربي والرجوع الى احداثه تشكل احد الخطوط الرئيسية فى ملامح أدب السبعينات . وقد كان الشاعر سليمان العيسى فى أواسط الخمسينات قد بعث من التاريخ العربي شخصية أبي ذر الغفارى كواحد من أوائل المناضلين العرب فى سبيل العدالة الاجتماعية غير أن الشعراء الآن يعودون من التاريخ العربي الى أكثر زواياه اشكالا فى الصراع الداخل والطبقى والمذهبى : انهم يقفون عند على وبنية ، ويقلبون مواقفهم على وجوهها ويحملونها ما تحتمل ومالا تحتمل غير أن من أطرف القصائد التى تصدت لهذا

الموضوع قصيدة بعنوان " اعترافات الحسين بن على " لشاعر سورى يشق طريقه باصرار ، هو فايز خضور . من الاعترافات التى يضعها الشاعر على لسان البطل لن نقتبس غير اعترافين منها يوضحان رؤية الشاعر للحادثة كتاريخ وتطلع الى المستقبل أيضا . يقول الشاعر :

ظلمتني عائشه

حين ظنت أنني أومن بالغيب وأدعو للامامه

كنت أدعو لمصير عربي

يمنح الكون سلامه

لا لعرش دموى

هذه رؤية تاريخية قومية لجوهر الصراع فى فجر الدولة العربية الناشئه ، لا تشبه فيما أعلم كثيرا من الرؤى الأخرى التى تعرضت لمعالجة ذاك الصراع الذي ترك اثره على تاريخ العرب كله ثم يقول :

كنت أداوى حزنى ، مرضى ، بالصحراء

لم أحلم يوما بالبرده

لكن ينمو غضبى ، رفضى ، فرحي ، أن يقال :

اضطرمت حرب الرده

لأقوم بالسيف العربى

الرأس المنخور العلوى مع الرأس الأموى

ولأصلب في ليل السجناء

فالحسين يقف ضد شيعته وضد خصومه ، فى رؤيا تاريخية - مستقبلية تتطلع الى زعيم قومي لا يقوم فقط بتصحيح الأخطاء القديمة وانما يقترح ايضا بداية جديدة لأمة تستغرقها التناقضات - فتغرق فيها دون أن تلتفت الى ما حولها وما وراءها من خطر محدق مهلك

فاذا وسعنا قليلا من حقل الرؤية التاريخية ودققنا فيها من خلال منظور حضارى أكثر شمولا من المواقف السياسية والمذهبية المباشرة ، طالعتنا الاقاصيص التاريخية التى يكتبها القصاص زكريا تامر بتهكم جارح وسخرية مريرة ان زكريا تامر لا يهتم بالتحقق التاريخي للشخصية المنتخبة لانه لايهتم ببعث الماضي ولا تمجيده ، لكنه يحاكم الماضى على ضوء المفهومات العربية المعاصرة فيتهاوى الماضي المجيد بين يدى هذه المفهومات ، ولا يسترد

هذا الماضى المجيد اعتباره الا حين ينتصب ليحاكم الحاضر . . . فبأية مهارة يستطيع هذا القصاص أن يحقق سلسلة المفارقات تلك ؟ . .

فى قصة " الذي أحرق السفن " يساق طارق بن زياد الى المخفر حيث يبدأ الشرطى باستجوابه فى الحوار التالي

- " طارق بن زياد . . أنت متهم بتبديد أموال الدولة " - " مخطئون . أنا لم أبدد أية أموال " - " ألست أنت الذي أحرق السفن ؟ - " حرق السفن كان لا بد منه لكسب النصر " - " لا نريد سماع أعذار . أجب على سؤالنا : هل أحرقت السفن أم لم تحرقها ؟ " .

- " أنا أحرقت السفن : وقت السفن . . " . - " هل حصلت على اذن من رؤسائك بحرق السفن ؟ " . - " اذن ؟ . الحرب تختلف عن الكلام فى المقاهى والشوارع " ولا يلبث أن يتعالى الصياح :

- " أنت خائن . . حرق السفن كان ضربة لقوة الوطن " .

وفي قصة ثانية تساق رفات عمر الخيام الى المحاكمة بتهمة كتابة شعر يمجد الخمرة ويدعو الى شربها " . . . قد تقولون ان التهمة قديمة ، لك حيثيات الحكم جديدة فالدعوة الى الخمرة حسب ما يقول القاضي في حكم على المتهم - دعوة سافرة الى استيراد البضائع الاجنبية وتنفيذ لمخطط مشبوه يهدف الى اثارة الشغب " .

وفى قصة نشرها الكاتب مؤخرا نجد أن تمثال يوسف العظمة قد تحرك ويوسف العظمة هو وزير دفاع الحكومة الفيصلية التى أسست فى دمشق عام 1918 ، وقاد الجيش العربى فى معركة ميسلون التى استشهد فيها أمام جيوش الاستعمار الفرنسى المندفعة الى دمشق

يسمع التمثال صوت استغاثة فوق سماء دمشق فيتحرك ، ولكن الحارس الليله مستغربا كونه يحمل سيفا فى يمينه ، فيخبره الرجل بأنه وزير دفاع وان حمل السلاح مهنته . لكن الحارس يسخف كلام الرجل

وحجته بأن " الوزير لا يمشى فى آخر الليل كالشحاد بل يركب سيارة طويلة عريضة ، والوزير لا يحمل سلاحا بل يرافقه دائما شرطى مسلح بمسدس " وأخيرا يساق الرجل الى مخفر وأثناء الاستجواب يعود الى ذاكرته المشهد التالي

جرت قنبلة فوق أرض ميسلون ، وأصابت شظاياها ساعد يوسف العظمة فهرع اليه طبيب وشرع يضمد جرحه وهو يقول له بلهجة متوسلة

- وقوفك هنا يعرض حياتك للخطر - مهمتى اليوم ان أحارب العدو وأهلك لا أن أهرب وانجو - ولكن قوات العدو تفوقنا سلاحا وعددا - ماذا تقترح ؟ . - الانسحاب سيحافظ على أرواح رجالنا - اذن أنت تقترح الهرب - انى اقترح الانسحاب لا الهرب - الانسحاب والهرب أمر واحد لان الوطن فى حال الانسحاب أو الهرب سيترك للعدو ليستولى عليه

ماذا يريد القصاص أن يقول ؟ انه يريد أن يظهر ان الاطر والمفهومات التى تحكم حياتنا الراهنة لو تحكمت بحياة من قبلنا من مفكرين وشعراء وقواد عظام لسحقتهم وأهانتهم ومنعتهم من أن يكونوا ما كانوا عليه من الرفعة وحرية الضمير والمبادرة فى الازمات . ويريد بالتالي ان يقول ان الانظمة والمناهج التى تسير الحياة العربية الحاضرة هي قيود تمنع الابداع والمبادرة والفداء . بطبيعة الحال انه لا يقول ذلك مباشرة ، انه يضع بطل الماضى ضمن قيود الحاضر بلا شفقة ، وبطريقة تجريبية تماما فيظهر البطل ليس بطلا وانما يمسخ الى قزم مدان . ولا يبقى للقارئ أمام هذا المأزق سوى طريقين اما ان ينكر بطولة الماضي وروعته دفاعا عن المؤسسات القائمة واما أن ينبذ المؤسسات القائمة دفاعا عن الحرية الداخلية للانسان العربى ودفعا له فى طريق التفتح والانطلاق .

هذه الحساسية تجاه المؤسسات القائمة للجم الحياة العربية لا تقتصر على الجيل الذى تجاوز الاربعين من عمره ، بل نجدها أشد ارهافا لدى الجيل الجديد ممن لم يبلغ الخامسة والعشرين . اقرؤوا الصفحات الادبية التي

يحررها هؤلاء الشبان ، قد تجدون عشوائية فى التعبير والتواء فى الصور : غير ان ذلك كله يتكشف عن رؤيا مريرة لواقع متعثر مقيد واعماق تطفح بالتحدى . ومن هذا التوازن بين مجد الطموح الرافض وهو ان الواقع المجهض يحاول الادب الشاب ان يخلق توترا فنيا لا تعوزه المفارقة ولا ينقصه المدهش والمفاجئ . أمامى الآن ديوان صغير لشاعر شاب هو ايمن أبو شعر الديوان كابوس انتجه وعى غض أكب على التدقيق فى شؤون الحياة قبل الاوان لذلك لا تسل عن صور التشويه وقطع اليد أو اللسان وصور السجون والمنافى والخيانة والبيع والوقيعة . عنوان الديوان يأخذ اسم أطول قصيدة فيه " صندوق الدنيا " فى هذا الصندوق يعرض الشاعر استبصاراته عن الحياة العربية المعاصرة من زاويتى الانسان والسلطان . تنتهى القصيدة بهذا المشهد المحدد :

أقسى رسم فى صندوق الفرجة

جسمى يتأرجح . . وسط المرجه

فاذا عرفنا ان ) المرجه ( هى ساحة المدينة التى يشنق فيها المحكومون بالاعدام فى دمشق أدركنا هول الرؤية التى يطلع بها شاب على العالم . انه يريد أن يقول الصدق ويدعو اليه ، وهو يعلم مسبقا بشكل حدسى مصير كل صادق . كأن الصدق أصبح من المحرمات فى الحياة العربية ، بحيث لا بد لمن ينظر فى صندوق الدنيا نظرة حق أن يلاقي المصير المحتوم الذى لقيه كل من حدقوا في المحرمات منذ أوديب الى اليوم . ان هذه الحساسية المتفشية فى أدب الشبان الطالعين هي التى تجعل صورهم مقززة حينا ومرعبة أو ساخرة أو مريرة فى أحيان أخرى . ان هذه الحساسية تجاه محرمات الحياة العربية ، نقد الدولة ، معالجة شؤون الجنس أو العقائد ، الحوار الديموقراطي والقيم غير المزيفة ، تخلق لدينا جيلا ، صوره الشعرية تسابق ملكة التعبير لديه ، لأن الوجدان الحساس يطبع الانفعال باسرع ما تمكن الموهبة من بلورته فاذا كنا نشكو من فجاجة صور الأدباء الشبان ورطانة لغتهم فلأنهم يدفعون ضريبة المراحل التى تقلبت على وعبهم . انه جيل وعيه اكثر من ممارسته ولم يتوفر له الوقت لتجويد العبارة بعد أن كوت شمس حزيران والوعي الطبقى أحاسيسه . لقد سقطت بلاغة القعقعة بسقوط الخطب والبيانات النارية ، وبدأ عصر تعرية الحقائق . . . . وتلك بشارة ، قصائد الشباب حبلى بها .

هذا لا يعنى اننا نتوصل الى نظرة جيلية تنكر وجود معيار جمالى ينطبق

على معظم الأدب كما اننا لا نقرأ النظرة الانفصالية التى تقطع كل مرحلة عما عداها وكأنها بداية لتاريخ جديد لانسانية جديدة . لان محاولات بعث الحاضر ضمن اطار نقدى للمؤسسات القائمة هي أمر من صميم مهمات الأدب ، ما دام الأدب فى جوهره احتجاجا على الحياة وتطلعا الى عالم أفضل . هذا وليست ركاكة الأسلوب وعدم استعمال اللغة استعمالا صحيحا وقفا على الجيل الجديد ، فقد كنا نسمع ذلك عنا من متقدمينا . ومع ذلك تظل هذه الظواهر - فى رأيي - من أهم الخصائص التى تميز هذه المرحلة لان حساسيات الأدباء أكثر استجابة لها وانصرافا عما عداها . على أن مجرد تغير الوضع الأدبى فى زمن معين ، بالمقارنة مع مامكان عليه قبل عقد أو عقدين من السنين يظل أساسا غير كاف لتثبيت عملية تطور تاريخي فعلى . ولهذا كان حكم الحساسية حكم تلمس واستشراف آفاق ومحاولة لشرح لظواهر الجديدة وربطها بعضها بالبعض الآخر لتكوين صورة عامة عن المشهد الأدبى وتفاعله مع مختلف الجوانب الفكرية والسياسية فى الحياة العربية اذ ان الناقد يحتاج دائما الى معرفة كيفية تغلغل الافكار فى نسيج العمل الفنى ، بحيث تغدو مكونه ، أى أنها تكف عن ان تكون أفكارا بالمعنى المألوف للمفهومات وتصبح رموزا أو حتى نوعا من الخرافة ، وعندما يحدث أن تتم المطابقة بين الفكر والفن تمسى الصورة مفهوما والمفهوم صورة . وقصيدة الشاعر عبد الوهاب البياتى " الرحيل الى مدن العشق " نموذج من نماذج - هذا التحول . فقد كتبت هذه القصيدة ما بين تونس وبروت وبغداد ، وجاء ثلثها الأول عموديا على بحر ) السريع ( وجاءت بقيتها على الوزن الحر على الوزن الجر لبحر ) المتدارك ( . فاذا دققنا فى القصيدة وجدنا ان القسم الأول منها يسرد ناملات ذاتية فى الثورة والمصير الشعرى ، أما القسم الثاني فيدور حول الرحيل والاستلاب . القسم الأول يحمل لوعة شاعر عربي فجاء عموديا :

الله والقيثار فى لهفتى                     اليهما أوقدت نار الدليل

برح بى العشق ، وها اننى              أموت فى بوابة المستحيل

أدرج بالأكفان ، لكنني              أقوم بعد الموت فى كل جيل

والقسم الثاني يحمل معاني النفي والتمزق فى حياة الشاعر والوطن العربي فجاء شعرا حرا :

رحلت عين الشمس

رحلت مولاتى

رحل البحر الأبيض

رحلت بيروت

رحل الشارع والمقهى

رحل الغجرى - المطر - السحب - الكلمات - الضحك - النور -

النار - عادوا للوطن - المنفى

كى يولد طفل الأرق - الحزن - الوحشة - راقصة العاصفة - الشعر -

القيثار

رحلت مولاتى

فلنرحل يا ديك الجن - أمير المنفى وصديق الشعراء - الفقراء

القصيدة غامضة ، كثيرة الاعتماد على الموسيقى ، وعلى الومضات الشعرية السريالية الخاطفة ، وعلى الكشوف الصوفية الداخلية . لكن اذا صح تحليلنا ظفرنا بمثل محسوس قريب العهد على شدة تداخل العناصر البنيوية والمضمونية فى العمل الفنى الرفيع وثقل وطأتها على ملكات الخلق لدى الفنان المبدع . قريب من هذا المثال قصة للقصاص سليمان فياض بعنوان " فى زماننا " القصة مشتتة من حيث البناء ، فكل بطل يتم تقديمه وتقديم وجوده العائلي على حدة ولا تلتحم خطوط القصة إلا فى نهايتها . وبالتالي فليس فى القصة بطل بل أن كل أبطالها متساوون فى نصيبهم من اهتمام القصاص . وحتى الحادثة المركزية فى القصة ) وهي حادثة سيارة تصدم احد شخصيات القصة ) تمر بأسسرع ما تمر أية حادثة أخرى ، مما يخلق جوا من التسوية بين الاحداث يعادل جو التسوية بين الابطال وهنا تظهر العناصر الشكلية وقد تدخلت فى صلب المضمون وطغت عليه بحيث تفقد القصة كامل مغزاها اذا نظرنا اليها كأحداث تدل على مضمون فقط . ان الكاتب يريد أن يقول - كما ورد على لسان احدى شخصيات القصة - ان الحياة تسير كما لو كان الناس مضربين : اضراب يعنى لا عمل . ولو كان هناك عمل فبغير رغبة . ليس هناك أخذ أو عطاء . لا أحد يفهم عن أحد ، ولاظهار مثل هذا الحال من العطالة يحمل القصاص كاميرا يتجول بها فى بيت موظف وسائق ناكسي ومهندس ترك اختصاصه العلمي ليعمل كاتبا فانتهى الى صحافي محترف " يكتب حسب الطلب ، بالمقاس ، والمواصفات . تاجر بالكلمة لينجح ليرتزق . أضاع نفسه ، ويضيع الناس معه " . ولكى يضئ القصاص دخائل شخصياته يركز على ناحيتين : علاقات الشخصيات مع زوجاتهم ، هذه العلاقات التى ان لم تكن مقطوعة فهي فاترة تفتقد الى اللهفة الحقيقية واللذة

الحقيقية وتشوهها دائما شدة الحاجة إلى المال بين كل الطبقات ، والناحية الثانية تصور رد فعل الناس تجاه الجثة التى صدمتها السيارة . فالناس يمرون بها غير مبالين لا يكترثون لشىء غير أنفسهم كما يقول الصحافى هذا التوزيع لمراكز الاضاءة والحركة فى القصة يؤدى الى ضغوط متساوية عند المحور تنتهى بالعطالة ، وهي عطالة متفشية فى النفوس والاعمال على السواء ، عطالة مستوحاة من " الايام الهامدة " فى حالة اللا سلم واللا حرب ففي زماننا يحس المثقف ان شيئا قد مات فى روحه ، يدرك الكارثة الراهنة يرى مظاهرها من حوله " لكنه لا يستطيع ان يفعل شيئا ازاءها لان الناس غارقون فى هذا الاضراب بلا صوت . هذه الحركة بلا حياة . . . " وتنتهي القصة بالصحافى - وهو نموذج الوعى والضمير الملولين - لان يطلب من سائق التاكسى بذعر ان يعود به الى البيت . لم يعد يهمه فشله ككاتب ، و موت الابداع فى نفسه . هو الآخر يريد ان يعود الى زوجته وأولاده بعد ان عاش زمانا دون ان يجد لديه وقتا يكرسه من أجلهم

ان هذه العودة لا تعنى أى شئ ايجابى فى موقفه من نفسه ومن أسرته فهو ضائع الى درجة انه لم يجد لنفسه مكانا فى الصحيفة أو المقهى فارتد إلى البيت منسحبا من هذا العالم وشبيه بهذا الانسحاب ، وابعد منه ، بمعنى انه اكثر جوانية وفردية انسحاب بطل قصة جورج سالم " كما فى الأحلام " ففي هذه القصة يستيقظ البطل من نومه فى الليل على صوت حركة داخل البيت وخارجه : فى الطريق وفى السماء فيشغل نفسه بالتفكير فى الحبوب المنومة التى تناولها . غير ان أزيز الطائرة يتحول الى انفجار في السماء يتلاشى اثره من نفسه بعد أن يغفو . يستيقظ مرة أخرى ليشرب ويشاهد طفليه نائمين . بعد ذلك ينكر غرفته ومظهر الباب فيها ، ينكر الصوت الداخلى الذى يحدثه ، ينكر أصوات الرجال خارج غرفته وهم يصيحون : اثر تكرر الانفجار فى الجو : " دافع عن أطفالك يستصرخ النائم اجداده فلا يصرخونه من العذاب والرعب . يحس بالدموع تتساقط على وجنتبه وهو بسمع آنين اطفاله دون ان يستطيع حراكا . يصرخ به صوت " تعلم كيف نموت " فيجيبه النائم " اننى ميت منذ زمن طويل " . ولا يلبث ان يغوص فى " دوامة نهر عميق الغور " . وفي آخر رمق منه يصرخ " لا ٠٠٠ لا " وفى الختام : " تتحرك أصابعك النحيلة . كأس الماء جاهزة ، وكذلك الزجاجة الصغيرة تتناول حبة أخرى وتفقد الوعى " .

القصة ممعنه فى عرض الغربة والاستلاب . وهذا العرض الوصفى لا يغنى

البتة عن نصها الادبي الحاد ، المجرد ، الدقيق ، ولا عن دراسة طريقة الكاتب فى التلاعب بالضمائر والانتقال بين المشاهد دون تمهيد ولا روابط بحيث بنجح التخييل فى خلق الاحساس بالواقع ونسفه اثر كل كابوس . ومرة أخرى نشهد الشكل بوغل فى اخفاء المضمون بحيث يصعب تحديده ، لان الاثارة الفنية التى تخلقها القصة يرافقها انحراف لغوى عن التعبير العادى ، فليس هناك صور بالمعنى الادبى ، بل اشكال تتوالى فى مشاهد هى كوابيس ورموز ومضمونات فى وقت واحد

قد يخطر للذهن المتسرع أن يجرى مقارنات بين أساليب جورج سالم وكافكا زكريا تامر وكافكا أو دوستويفسكى ، سليمان فياض وهمنغواى لا سيما وان لهمنغواى قصة بالعنوان ذاته أو بين اتجاهات بعض الشعراء العرب وهذا الاتجاه او ذاك في الأدب العالمي . ولكن حذار . فحدود المقار لا تتعدى أول الطريق ، فى اقتباس مطور لبعض الاساليب والصنعات التقنية بما يقف عند حدود المشروع الأدبي في خلق شرك للايقاع بالقارئ فى موقف محتمل وبعيد عن الحدوث ، لكنه يمتلك " أمانة للواقع " أكثر عمقا مما يحويه المعنى الظرفى . ان الواقع العربي يفيض أو يتداخل مع التقنية التى يصطنعها الكتاب بحيث يظل هذا العالم العربى قائما بذاته ومفهوما لذاته من ضمن الحساسية المتزايدة التى يبديها هؤلاء الكتاب تجاه واقع امتهم . صحيح ان كتابا من أمثال ديكنز ودوستويفسكى وبروست هم الذين يبسطون عالمهم المطبوع بطابعهم على مجالات تجربتنا ، فى حين ان كتابنا لم يبلغوا الى أكثر من محاذاة الواقع العربي . ولكن لنذكر أيضا ان تجربة امتنا مع الحضارة الغربية هى تجربة تبلغ من المرارة والخطر الداهم مالا يستطيع جيل من الأجيال أن يستوعبه بمفرده استيعابا يتيح لأحد أفراده ان يعبر عنه . ومع ذلك فان امتنا تجابه الخطر بالصمود ، والتحدى بالتطور ، والاستعباد بالثورة ، ومحاولات طمس قوميتها بمزيد من التحسس ضد النواحى التى تؤدى الى الضياع القومى . وما دام أدبنا يقوم على نقد الحياة العربية والصدام مع المؤسسات الجامدة فيها فان لنا كل المبررات لكى نؤمن بحاضر الادب العربى ومستقبله مثلما نؤمن بماضيه . ان الفنان هو النقطة التى يظهر عندها نمو العقل البشرى والضمير القومى . وان حساسيته هى التى تهديه الى عرض التجارب التى يتعرض لها مواطنوه ، بحيث يبدو انتاجه تنسيقا لما هو مضطرب فى أذهان أبناء قومه وأفئدتهم . وبما ان الانسان بعد أن يمر بتجربة من التجارب لا يظل تماما كما كان قبل مروره بها ، مما يجعل الفنون أقوى الوسائل التى يمكن عن طريقها " توسيع مجال الحساسية الانسانية

فان مظاهر الحساسية الأدبية المتغيرة التى عرضنا بعض جوانبها فى هذا المقام ، سوف تؤدى الى المزيد من الوعى القومى والتفتح السياسي وتحرر الضمير العربى من كل الاغلال والمواضعات التى تحجب عنه صفاء الرؤية القومية لابعاد معركتنا فى سبيل وحدة امتنا وبقائها حية فاعلة فى تاريخ البشر وحضارتهم

اشترك في نشرتنا البريدية