فى ليلة من ليالي الشتاء فى مدينة كئيبة ، كئيبة ، جدرانها ملطخة بالدماء طرقاتها متعفنة موحلة سوداء وأسوارها مزينة برؤوس مئات النساء مدينة ليس بها سوى أشاه رجال ، قد تعمموا بعمامات الذل والخنوع وتدثروا بعباءة الضعف والخشوع وجوههم معفرة صفراء أفواههم مطبقة خرساء ونظراتهم عابسة شزراء فى هذه المدينة النكراء فتاة جميلة ، حزينة تجلس القرفصاء
تتسول أمام قصر السلطان . تطلب ودا . تبتغي عطفا . تثير ضمير الليل همسا ودعاء
لمحها السلطان مرة . ابتسم في اغراء أدخلها القصر وهو يضمها اليه برغبة واشتهاء أسمعته أبدع أغنية حب . وأحلى همسة شعر مفعمة وجدا وصفاء
طرب السلطان . نفحها دينارا ذهبا . وعدها أن يصغى اليها كل مساء . وأنها ستغدو لديه الجارية الأثيرة الحسناء عادت تشيد بكرم السلطان . تحلم بجمال وفتنة السلطان . وحلاوه قبلة أشهى من الصهباء
فتحت يدها وهي تدخل مخدعها تنظر خلسة الى ما فيها . كانت بها قطعة قصديرة صدئة . لم يكن الدينار ذهبا كما توهمت ، إنما هى قطعة قصدير صدئة تعفنت في يدها الصغيرة البيضاء .
و كانت قبلته لا تزال تبلل فمها ، فبدأت تدمى شفتيها ، تنفث سمومها بمهجتها العذراء
راحت تلعن غدر السلطان . ومكر السلطان . وزيف أمانيها البلهاء . لكنها في الغد عادت الى القصر . عادت تأمل لفتة أو لقاء تمنى النفس بقبلة مسكرة من شفاه السلطان . وتهفو لنور بسمته الغراء. مرت الايام بها بين أنس وهناء تكاد من نشوة اللقيا تحسب العمر حلما . والحياة جنة عابقة الأجواء تنتزع الفرح عنوة من يد الزمن الشحيح . وتقطف زهر الحب رغم اعين الرقباء أصبحت تقضى أيامها أمام قصر الخلافة . تقتات الفتات . تتربص الفضالة . تنتظر أن تسمع السلطان أبدع أغنية حب . وأحلى همسة شعر مفعمه وجدا وصفاء .
مر السلطان يوما فى موكب بهيج يختال فوق جواده المطهم فى خيلاء كالبدر البديع تحف به الأنجم في الليلة الهيماء تعلقت بأذياله . بكت مستعطفة قلبه . هامسة بأحر دعاء تكاد من فرط هيامها تشعل الارض نارا . وتذيب الكون لهفة ورجاء نظر اليها السلطان من علياء عرشه المتحرك بكل غطرسة وجفاء (( ما أمر هذه البائسة . أتعترض طريق الخلفاء ؟ ))
اجلدوها مائة ، ثم القوا بها للسباع الضارية حتى تكون عبرة للمتهورين الأغبياء
اصطكت أسنانها من هول الصدمة . ارتعشت خوفا ورهبة . وأرتج جسمها المذكور تحت لسعات السوط المسعورة ، وهو يتهوى عليها بوحشية . يتلوى في يد الجلاد الفظ كالحية الرقطاء.
زمن لعين يتلون كالحرباء ينحنى للقوى تملقا . ويمارى الضعفاء سقط العدل فى حومته صريعا . وانتصرت مواكب العسف والرياء
أعود أتشبث بعنق جدتى لتكمل قصة الشقية ، عاشقة السلطان ، وقد اغرورقت عيناى دموعا . وغاص قلبي خوفا على البائسة ، ضحية الغرور والافتراء .
(( ماذا فعل الجلاد .. ألقى بها للسباع الضارية ؟ أنجح السلطان فى مكيدته الشنعاء))
وقف الجلاد عن الضرب ، نظر إلى الفتاة المضرجة بدمائها مترفعا . ووجهه يلمع سوادا . وشفتاه معقوصتان فى تبرم وازدراء.
(( لن اتعب نفسى بأن ألقي بك للسباع . سأتركك في فجاج الضياع لتصارعى وحيدة وحوش الحياة ، وأشباح التعاسة والشقاء))
اذهبى طاردتك اللعنة أيتها الحمقاء
نهضت مذعورة تحمل جسمها المنهوك . تتعثر فى جراحها ، تكاد تغرق فى يم دموعها الحمراء
لقد حاولت أن تكون شهرزاد . حاولت أن تقمع فسق السلطان . وجور السلطان . وفجور السلطان ، فكادت تروح لمكر السلطان فداء.
كنت أحزن وأحزن وأنا أسمع جدتى تردد بصوت هده الشجن ، وأضناه البكاء .
غدر السلطان ، وقساوة قلبه الذى لا يفله عتاب أو نداء
فتريت على كتفى متنهدة : بنيتى هناك شهريار مستتر داخل أعماق كل رجل . وحش يتغذى من لحم النساء.
يرتوى من دم النساء ولا يرقص إلا على صدى نحيب بنات حواء (( لكن ما الذى غير السلطان ؟ كيف سار خلف ثورته الهوجاء ؟ ))
هكذا دوما ، فالرجال يتغيرون . وكلما ارتفع أحدهم مجدا ، ازداد لؤما وظلما . لقد وسوست له أفكاره الرعناء.
إنها تدبر للملكة الشمطاء وشاية هى منها براءات. " ليتها أعلمته الحقيقة ، عسى الحقيقة تكون للظلم دواء " " ويحك طفلتى .. وهل للحقيقة من وجود عند الامراء .. "
أمست العاشقة الحزينة تسير في مدينة اليأس وحيدة . كئيبة ، تنتظر صدفة ترميها بدرب فارس أحلامها ، والاه أوهامها ، فتحظى ولو ببعض عزاء .
نحلم بوجه السلطان يكحل مقلتيها بنوره الصبوح ، وسحر عينيه الجذابتين اللتين تحتويان على أسرار الوجود ، ومكر الحياة . والشعر الفضى يتهدل على وجنتيه كخيوط الفجر تحاول خرق ستر الظلام دون حياء .
والأيام تمر . والأشهر تعدو ، وهي جالسة القرفصاء تتوسد الأوهام . تلتحف الهواء تجتر الأشجان . تمضغ الهواء تنتظر أن ينقضى الخريف ، ويعود الشتاء تعود السحب تغشى بضبابها قباب السماء
يعود المطر ينهمر أودية يبلل الارض التى أحرقتها الشموس . ويطهر النفوس التى لوثتها الحوادث والبغضاء
ساعتها ، وأمام مدفأة الحب ، يطيب السمر ، ويسكر الدفء قلوب الأحباء
ويرجع الغزال النافر . ويرجع شهريار ينصت الى همسات شهرزاد وهى تسمعه بصوتها الشجى حكايات ألف ليلة وليلة . تترنم له بأزهى غناء
لكن أحلامها هباء وانتظارها عناء ومن طاردته الأقطار ، لا خلاص له من حربها الشعواء ففي ليلة ممطرة ظلماء كانت يد متوحشة تمتد فى الخفاء لتخط بأحرف من دماء نهاية العاشقة الحسناء عند الفجر خرجت عجوز ، تزحف على الأرصفة التى دمرها الفناء كسلحاة مريضة تحمل فوق كاهلها ، شقاء الوجود ، وغدر القضاء تزحف هاربة من المدينة الملعونة . تترنح تحت سياط لوعة صماء . تموء بصوت هزيل ما عاد له فى الكون عزاء أكواب بديعة صنعت من أجمل جماجم النساء على كل كوب نقش ، اسم من الأسماء هند .. حياة .. أم لمياء . اشتروا يا أشباه الرجال . يا بذرة الفسق والبغاء.
اشتروا يا من شيدتم للعسف هرما . ورفستم بأقدامكم أسمى معانى الوفاء .
مأساة النساء أنهن جئن فى عصر ، ما حاول قط أن يفهم حقيقة النساء ...

