الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

عاشق العاصفة

Share

وقف بين القبة الخضراء وسد الرمال ، ثم خطا خطوتين ، وجثا على ركبتيه ، موجها قدميه الى خلف ، منكمشا على ذاته كجذع شجرة هرمة واضعا يديه فى حجره ، وقد تشابكت أصابعه ، أدار ابهاميه حول بعضهما فى حركة متواصلة ، مثبتا عينيه فى حبات الرمل البيضاء المشعة ، جذب طرف الكرفية على وجهه حتى لم تعد ترى منه إلا عينيه ،

عيناه التائهتان فى المصير المجهول ، المشدودتان الى بحر لا حد له ، أمواجه كثبان من الرمال منتصبة أمامه ، خلفه ، حذوه ، تحيط به من كل جانب رائعة مخيفة ، تتربص به ، مد يديه الى الامام حتى استوتا فى شكل خطين متوازيين ، وقد أنحنى ظهره قليلا ، فساخت قدماه فى الرمال وكلما تحرك ازداد قصرا حتى كاد ذقنه والرمل يستويان ، ثم أخذ قشة يابسة ، حملتها ريح الجنوب فاستقرت في حجره ، نظر اليها طويلا ، ادارها بين أصابعه ببطء ، ثم رسم بها أشكالا هندسية غريبة على الرمل ، تأملها طويلا ، ثم حرك شفتيه بكلمات غير مسموعة ، ثم محاها بسرعة ، حرك عجزه الى الامام مستعينا بكفيه على الرمل ، فتقدم قليلا تاركا خلفه خطين غير عميقين من صنع قدميه ، لقد تعبت رجلاه ، حاول أن يجذب اليمني ، آه لقد تعظمت ، سيجرى فيها السم بعد قليل ، حرك أصابع رجله ، عبس ، عض شفتيه بأسنانه العليا ، انشرح وجهه لقد أعاد اليها الحياة ، ثم جذب اليسرى حتى استوى متربعا ، مخلفا وراءه خطين متوازيين يقطعان خطوطا منحنية رسمتها الرياح وفى حركة عفوية أزاح طرف الكوفية الذي كاد يغطى عينيه ، ثم ادخل يده فى جيب سرواله وأخرج علبة السجائر وعلبة الكبريت ، التفت يمينا وانكب قليلا الى الامام ، ثم أشعل عود ثقاب وأخذ نفسا عميقا من سجارته

وسريعا ما نفث الى فوق دخانا تلاشى بعيدا فى لحظات ، طرح عود الثقاب على الرمل ، تبعه بعينه ، نظر اليه طويلا ، مسكه من جديد ، أثبته فى الرمل منتصبا نقره بظفر اصبعه الوسطى ، وأطاره فى خط أفقى ، أدخل سبابته فى الرمل ، جرها الى الامام ، ثم الى خلف ، ثم الى اليسار ، فالى اليمين ، فالى خلف تأمل الخطوط المتداخلة ، التمعت عيناه فجأة ، انها تشبه حدة ؟ حدة فتاة أحلامه ، ما زال يتذكرها ، يتذكر الصدفة التى جمعته بها أول مرة ، لقد كان يومها يوم حزن بالنسبة لقريته الضاربة فى قلب الصحراء ، ففي كل بيت صباح ، وفي كل زقاق مأتم ، الا بالنسبة له وحده فقد كان يومها يمثل لديه أجمل ذكرى

القد قام يومها على غير عادته ، قام على صياح العجائز ، وصراخ الاطفال ، تناهى الى سمعه صوت عجوز تصيح وتستغيث ، وكان صوتها ات من قعر بئر ، ما زال يتذكر كيف أخذ رفشه وزنبيله الصغير وأسرع اليها ، لقد حاصرت الرمال بيتها ليلا ، وتكدست حولها من كل جانب ولم يعد يظهر من جدرانها ومن بابها الا جزء يسير جدا من أعلى ، لقد كانت العجوز المسكينة تصرخ من الداخل ، تقرع الباب يائسة من الحياة ، وسمع الشيخ أحمد صوتها يخفت شيئا فشيئا ، وضرباتها على الباب تضعف كلما تقدم بها الحصار أكثر ، وأحس أحمد بما كانت تحس به المسكينة من أسى وحزن وهو يستمع لنداءاتها المتقطعة وهي تأتيه من الداخل حزينة بطيئة ، فانبرى لازاحة الرمل ، وفي حركة نشيطة كنت تراه برفشه يبعد آلاف الاطنان من الرمل يجرفها بعيدا أو يحملها على ظهره بزنبيله الصغير

وفي بطولة نادرة أزاح اكداس الرمل المحيطة ببيت العجوز ، وقد غسل العرق جسمه حتى سال خيوطا من شعر لحيته الكثة ، وأصبح بعينيه وشعره وجسمه فى لون الرمال ،

وفتح الباب قليلا فأطلت من فجوته امرأة مقطعة الشعر ، حمراء الخدين من أثر الندب ، لا تقوى على الوقوف لكثرة ما قرعت الباب ، ولا على الكلام لفرط ما صرخت ، وأسرع أحمد يزيل ما تبقى من الرمل غير عابيء بما حل به من تعب ولا بما تعلق به من حبات الرمل ، وانفرج الباب على مصراعيه على فتاة فى لون التمرة ، وقد تهدل شعرها الفاحم ، وأطل من تحته وجه كالبدر ، تاه أحمد فيه ، وأبحر فى عينيه بعيدا ، وابتسمت له عن أسنان كاللجين وكأنها تشكره ، وسريعا ما تذكرت أمها فأسرعت الى الداخل لتطمئن عليها

انتفض أحمد مذعورا ، واستفاق من أحلامه العذبة على نار عقب السجارة وهى تتسع سبابته واصبعه الوسطى ، فطرحها شاتما ، وعاد ينظر الى عود الثقاب والى القشة اليابسة والى الخطوط المتداخلة أمامه ، وسرح في ماضيه بحلوه ومره ، يستعرض شريطا طويلا من حياته .

ايه يا أحمد أنت كعود الثقاب تماما ! كنت في الماضي أخضر ، حيا ، تزهر ، وتثمر ، ثم استحلت فجأة الى عود جاف لا يزهر ولا يثمر ! بل أنت كهذه الخطوط المتداخلة أمامك ، انها حية ناطقة ما دامت ثابتة على الرمل فاذا انمحت صارت في طى العدم

ورفع رأسه قليلا ، ثم زفر زفرات عميقة وقال : " إنى ما زلت أذكر يا حدة يوم حوصرت القرية بالرمال ! مازلت أذكر كيف أتلفت الرمال ليلتها قسما كبيرا من أغراسنا ومنازلنا وما زلت أذكر يا حدة أن والدى قال لى يومها إن الرمال التهمت قرية كاملة فى رمشة عين تذكرين شيئا عن ذلك اليوم ؟ فكيف كان منظرى لما قابلتني لاول مرة ؟ أما أنا فاني لم أنم ليلتها ، تمنيت لو تثور العاصفة وتحاصرك الرمال ثانية حتى أملأ عيني منك ! ما زلت أذكر يوم أن تقدم والدى رحمه الله من والدتك لخطبتك لى كنت لحظتها خارجا أحملك نغما فى قلبي ، أحلاما وردية فى خاطرى ، وانا أشعل السجارة تلو السجارة أترقب القبول والاجابة منك ، ولكن فوجئت يومها بشرطك على ، وكانك كنت تحاولين تعجيزى حتى اتخلى عنك ولا تكونين لى ، والا فكيف تشترطين على اقامة سد حول القرية كلها لحمايتها من زحف الرمال مقابل مهرك ؟ وتصورت اننى سأفشل ! وخيل اليك انني سأمانع ولا أقبل شرطك ! وانك سوف تنتصرين على ! وما دريت أن الحب يخلق المعجزات !

ورأيت أبي يعود من منزل اسرتك حزينا لا يقوى على الكلام ، وكدت أموت جزعا ، لقد حسبت أنك كنت مخطوبة لغيري ، وكم كانت فرحتى لما علمت من أبى بشرطك على حتى تقبلينى زوجا لك ، وأذكر انه قال وقتها فى لهجة اليائس : " لا فائدة يا بني ، لقد رفضتك الفتاة مشترطة مهرا صعب التحقيق ، إنها تطلب منك صيانة القرية كلها من زحف الرمال " وصحت وانا اكاد أجن من الفرح : الرمال عن القرية ! نعم يا أبي سأبنى حولها سورا شرفاته فى السماء . . " ووقف ابي متعجبا حائرا فى أمري : " أجننت يا بني " فصحت : " لا ! لا ! لم أجن يا أبى ، سأثبت لها أن حبى أقوى من زحف الرمال ومن العواصف الهوج .

وضحك مني شبان القرية وسخروا وانا اعمل بكل ما أوتيت من قوة على دفع الرمال بعيدا عن القرية ، ثم جلبت من مسافات بعيدة أعشابا وأشجارا وقصبا ، غرست كل ذلك حولها وسقيته ماء كثيرا من الترعة ، حتى أصبحت القرية كجزيرة وسط حزام من المروج الخضراء ، وكخصر عروس هيفاء محاط بشال حريري أخضر ، ونما العشب والشيح والعرعار والزعتر و الاكليل والترفاء والقصب ، وفاحت القرية ، وهبت العواصف ، وظهرت أكداس وأكداس من الرمال كالجبال ، ولكنها فى هذه المرة لم تصل قرية حبيبتي ، بل وقفت الاشجار والاعشاب الخضراء تحرسها ،

واستطاع أحمد تحقيق ما لم تحققه القرية طيلة قرون ، وقبلته حبيبته حدة عريسا لها ،

وأصبح في نظر الساخرين . . الضاحكين منه من أبناء قريته بطلا عملاقا يستحق حدة وأكثر وفرحت القرية واستعدت للزواج الميمون وقرب موعد الزفاف . .

كان أحمد يترقب موعد الزفاف لحظة بلحظة ، وفجأة أتاه نعيها لقد سقطت عليها صاعقة وهى تخيط ثوب الزفاف ، وصعق أحمد لموتها وكاد بين لحظتها أوقف حياته كلها على صيانة السد الذى اقامه حول القرية لحمايتها من زحف الرمال ، ومن يومها اصبح يتعشق الزوابع والعواصف فكلما اشتدت عاصفة ، وثارت رمال سمعته يصرخ : " حدة ! حدة ! إنى هنا لا تخافي ! انتظرى ! ها أنا آت . .

وأصبح أحمد من لحظتها حبيب الكبار والصغار فى القرية ، لا يذكر اسمه الا مقرونا باسم حدة ، وأصبحت حدة فى نظر الناس مصدر الخير والعطاء ورمز السلام والحب .

وبكتها القرية بكاء مرا وأقيمت على قبرها قبة خضراء في لون الاعشاب التى غرسها حبيبها أحمد لحماية القرية من زحف الرمال ،

وأصبح الشيخ أحمد من يومها لا يرى الا وهو يشبع مغروساته ماء من الترعة ، أو واقفا بين القبة الخضراء وسد الرمال المزدان بالأكليل والزعتر والشيح والعرعار والقصب . أو منكمشا على ذاته كجذع شجرة هرمة بجانب القبة الخضراء منصتا الى نداءات آتية إليه من بعيد : احرس القرية من زحف الرمال يا أحمد حتى لا تحاصر من جديد ! "

اشترك في نشرتنا البريدية