الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

عاصفة، أنا لا تضيقى بحبى فلقبى، رماد بداد وحبى ادعاء، " أغنية إلى عروس "، ، (جعفر ماجد )

Share

تقول الأغنية :  لا تفارقنى . . دعنى أصبح ظلك ، ظل كلبك ، لا تفارقنى . .

أسندت رأسى الى النافذة وبقيت أحدق الى رصيف الشارع المبلل هذا المساء من المطر . . الرصيف خال من المارة والضباب الزاحف حذو النافذة بغرق الفضاء فى لون ضبابى قاتم . . كان الرصيف خاليا من المارة وكنت قد أسندت رأسى الى النافذة . . ومر قط أسود . . القط يتوقف بجانب الرصيف ملتصقا بجدار متهرىء ، تجمد فى مكانه وانتصب منصتا فى انتباه وحيرة . . فى هذه اللحظة عاد المطر ينقر على النافذة ، وتقدم القط الى الأمام واستقامت أذناه . . لو توقف دوران الارض ؟ ؟ . . لو انطفأت الشمس فجأة ماذا سيحدث ؟ ماذا سيحدث ؟ . . عندما دخلت حديقة الحيوانات مساء الاحد الفارط لاحظت أزدحاما على الدخول . . . واستطعت أن أقتنى تذكرة وأدخل . . قضيت ثلاث ساعات أتجول فى الحديقة . . فى آخر لحظة توقفت أمام قفص يحوى قردا . . كان القرد يرقص أمام الجمهور . . وكان الضحك لا ينقطع . . القرد برقص أمام الجمهور والسماء زرقاء زرقاء ، والطيور محلقة فى الفضاء . . لو توقف دوران الارض ؟ . . لو انفجرت الارض ؟ هل سيرقص القرد ويضحك الجمهور ؟ . . رأسى مستند الى زجاج النافذة الذى بدأ يبرد ويتكاثف عليه الضباب . . والقط ملتصق بالجدار ، لم يغير هيأته ، وبقيت عيناه تحدقان الى الفراغ الذى يتخلله الرذاذ . . رجل يمر ملتفا فى معطفه ، كاد أن يدوس القط . . كاد أن يدوس القط . . أنا عندما التقيت بك لم أكن أتوقع أنك

ستغادرين المنزل ذات صباح ولن تعودى . . حدثتك عن الطرق المؤدية إلى البحر من كل صوب وعلمتك الحنان وضممتك الى جيدا فى ليالى الشتاء الباردة ولهثنا فى غمرة الحزن وكانت الاغنية تقول :

لا تفارقنى . . دعنى أصبح ظلك ، ظل كلبك ، لا تفارقنى . .

 وفى المركب المتهادىء عبر البحر أشرت اليك أن تنظرى الى نقطة سوداء فى السماء وعند ذلك . . . عند ذلك حدث يا حبيبتى . . حدث أن قفز القط فجأة من تحت الجدار فخفت وفزعت وهرعت الى ركن الغرفة وجثمت أصيح ،  أصيح . . أسد أذنى وأشد رأسى بيدى لكى أصد الأزيز وصخب الجبال ،  وفيضان المياه من كل صوب . . إلا أن . . . إلا أن جارتى قوت فى هذه اللحظة من مذياعها فتسرب الى غرفتى لحن هادىء ، بدأ يغمرنى شيئا فشيئا فتنفست الصعداء وعاد السكون الى وانتبهت الى أن الدموع انسابت على خدودى . مسحتها وحاولت أن أقف . . وقفت بعد اجهاد . . واتجهت صوب النافذة إلا أننى تسمرت فجأة فى مكانى وخفت من النافذة . . ومن القط . . القط الذى عرف نهاية الحلم . . وهى بالجانب المقابل له من الرصيف . . إنى لن أشاهد القط مرة أخرى . . لن أشاهد القط . . سأكتفى بمجموعة صور الحيوانات ولن أذهب الى حديقة الحيوانات مرة أخرى . . .

- ومع ذلك قلت لك إن الحبيبين يعيشان دائما هنا فى الحديقة المزهرة . . . - أجل إلا أن العشيق غير مبال بها . . . - انظرى ، هذه ذكريات المرأة مع زوجها تعود . . ها هى تعود ثائرة حاقدة . . إنها تجرى معه على الشاطئ . . .

- أف . . دعنا منها . . إنها خائنة ! خائنة ! . . أرجوك مد يدك . . مد يدك إلى  . . إنى أحس بالبرودة . . . - هذه يدى لا تضغطى بالقوة . . هذا موقف حب . . أنظرى . .  . - أف . . إنى نسيت أن أقتنى لك ما تعودته من مرطبات اليوم . . - لحظة عناق . . أنظرى . . لحظة عناق . . .

 يجب أن أغادر مكانى . . أن أمس شيئا . . هذه قصة اشتريتها منذ الاسبوع الفارط . لو أشرع فى قراءتها . . سأقرؤها الآن . . الاسلوب

مؤثر وجذاب . . آه . . إنى فى حاجة الى الراحة . . فى حاجة الى الراحة . . لو استمع الى الموسيقى ؟ . .  تقول الأغنية :  لا تفارقنى ، دعنى أصبح ظلك ، ظل كلبك ، لا تفارقنى . . . لا تفارقنى . . .

  صوت المغنية الحزينة كثقل العالم على صدرى الهزيل ، دموعها تمزق حسمى . . والصحراء . . شاسعة هى الصحراء برمالها وشمسها المتوهجة وأنا وانت نتقدم ، نتقدم فى بطء . . الصحراء شاسعة يا حبيبتى . . أرجوك مدى بديك . . مديها . . إنى . . إنى أغوص ، أذوب ، أتلاشى فى عالم الصحراء الحارة . . .

تقول الأغنية :  لا تفارقنى . . دعنى أصبح ظلك ، ظل كلبك ، لا تفارقنى . .

 لو تتوقف الارض عن الدوران ؟ لو تنفجر الشمس ؟ لو يضحك القط ؟ لو يبكى ؟ ماذا سيحدث ؟ ماذا سيحدث . . ؟هل تتوقف المغنية الزنجية عن الغناء ؟ هل سيضيع اللحن المرتعش . . ؟ أزيز سيارات ، صراخ ، تصفيق ،  اقترب من النافذة وأنظر . . هذا بدون شك رجل مهم يمر فى الطريق . . الناس يصطفون على الرصيف ، النوافذ تفتح ، الوجوه مكفهرة ، تصفيق حاد ،  الرجل المهم يمر . . وأعود الى ركن الغرفة . . أجل سأصمت ما دمت لم أجد حلا لهذا اليوم . . سأصمت فى هذا المكان . . ولكن صوت جارتى يرتفع من جديد . . إنها تصرخ . . قمت وفتحت الباب قليلا . . كانت جارتى غاضبة على زوجها :

 إننى أعدت عليك ألف مرة بأن تشترى بيضا ولا حليبا ! أف يا حظى ! إنه دائما ينسى . . .

  هرول الزوج نازلا الدرج بسرعة ، مطأطأ الرأس : اكتشفت جارتى عينى خلف الباب ، ابتسمت وقالت :

  - مساء الخير . . كيف حالك ؟ لماذا لا تزورنا فى البيت ؟ . . إن وقت فراغك يناسب - كما لاحظت - وقت عمل زوجى ؟ هل تتفضل غدا بشرب الشاى ؟؟ . .

بماذا أجيبها ؟ ماذا أقول ؟ إنى أحاول أن ابتسم . . ها هى أجفانها ترتعش . . إنها تتوسل منى تلبية دعوتها . . أشفقت عليها . . قرأت الدموع خلفها . . قرأت الحرمان والبرودة والصحراء الشاسعة . . ابتسمت وقلت بصوت ضعيف :

شكرا سآتى . . سآتى ذات يوم . . ربما .

وأغلقت الباب . . مهول رواق المنزل ، عميق كمجاز دهليز بحرى يؤدى الى كل الدنيا . . انتظرت فى الصيف . . تذكرى ، فى الصيف ، وكنت على موعد مع زرقة السماء ، وعندما . . عندما نسيت أننى أحببتك . . عندها عدت الى البيت وجثمت فى هذا الركن . . أما أنت فقد انطلقت نحو المروج الخضراء . . وبقيت وحيدا أتمشى فى الشارع الطويل ذات مساء متثائب . . ومن يومها . . تصورى من يومها صرت أترصد القط من النافذة وأترصد حركة الارض وأشعة الشمس وأخاف من رحلة الليل . . لأنه لو توقفت الارض ؟ لو انطفأت الشمس ؟ لو انقطع الهواء ؟ ماذا سيحدث ؟ ماذا سيحدث ؟ . . . هل . . هل تحبيننى ؟ . . .

وتقول الأغنية :  لا تفارقنى . . دعنى أصبح ظلك ، ظل كلبك ، لا تفارقنى . . . .

إن الأرض تدور دائما .

اشترك في نشرتنا البريدية