كتبها الاستاذ :
عزيزى القارىء : يسعدنى أن ألتقى بك على صفحة البادية التى يحررها الاستاذ مناحى القثامى بمجلة " المنهل " ولقد طالما تمنيت الحديث معك ولكن شاء الله أن يكون حديثى معك في هذه اللحظة . . وحديثي معك الآن عبارة عن سرد قصة رواها لى والدى - أطال الله فى عمره - حسن بن حسين الاسمرى . وقد أستمر معك من الآن الى ما لا نهاية له فى سرد التراث الثقافي الشعبى وذلك عن قصص تحكى البطولة والكرم يحكيها لى والدى بتفصيل واف مما يدل على حقيقتها حتى انه ليورد اسم الشاعر مثلا أو صاحب القصة والمكان والوقت وربما افاد انه معاصر
قال لي : انه يحكى ان شهوان بن ضيغم احد رجالات سراة عبيدة قحطان كان سيدا فى
قومه وكان له ابن اسمه منيف وبنت اسمها " نشيرة " ماتت امهما فتزوج الرجل زوجة ثانية فأصبحت زوجته الجديدة عمة لابنائه . وفى احدى الرحلات التى قام بها بعيدا عن أهله كان ابنه منيف يقوم بعملية توسيع رقعة ممتلكاته ويقوم بزراعة البستان ويعمل على تحسين أحوال أهله جميعا ولا ينظر الى ما حوله بل كان نظره بعيدا .
وعندما عاد والده من غيابه سارعت زوجته الجديدة وقالت له عن ابنه منيف ما لا يجب أن يقال عنه حيث وصفته بأنه يحاول اغتصابها . وهذا ما لم يكن يفكر فيه .
وعندما بلغ هذا الخبر والده غضب غضبا شديدا ولم يعد يتكلم مع ابنه منيف ، فكان يسلم عليه كل صباح ويقبله الا أنه لا يرد عليه .
لم يعتد منيف هذا الاعراض من أبيه منذ عرفه مما جعله يبحث عن حل لمشكلته مع والده . وفي لحظة كان منيف يعمل جهده لما ما من شأنه أن يرفع من سمعة والده ويحسن أحواله .
ومن أجل ذلك ذهب الى امرأة كبيرة السن فقد تحكى له كعادة العجائز ما ينطبق عليه قولهم : " وعند جهينة الخبر اليقين .
وعندما ذهب منيف وأبدى للعجوز سره وما جرى له من أبيه أعطته الطريقة التى بوساطتها يستطيع الحصول على نتيجة فقد قالت له : عليك بمواصلة السلام على والدك ٣ أيام كل صباح فان أجابك خلالها فيها والا فعليك بالرحيل
عمل منيف بنصيحة العجوز وكانت النتيجة ان والده لم يجبه بشيء طيلة المدة مما حمله على الرحيل من مكانه الى بلاد الله الواسعة متمثلا بقول الشاعر :
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها
ولكن اخلاق الرجال تضيق
وقد رافقه في رحيله ثلة من بني قريته بينهم عمار الجزار . وعندما استمروا فى السير أربعة أيام في فياف جرد ، تعب عمار ، وعزم على العودة وأعرض عن مواصلة السفر مما دعا منيفا لينظم أربعة أبيات شعرية قالها عن ثقة وايمان وأوردها هنا كدليل على صحة القصة :
أربك يا " عمار " ) ١ ( منا وتنثنى
وتأصل الوالد عزيز " القصائر " ) ٢ (
فقد هبت له فى كل وادى محله
والفول فالهالى مشير وشابر
وتروي خشوم الفيس من شم خذرى
وأقول يا ذا الجزر ماهوب باير
وان سألتك عني " نشيرة ) ٣ ( بعلم
فقل أخوك يا بعد الرها والودائع
ولقد حفظ عمار الأبيات وعاد مسرعا ووصل بالسلامة وعندما رآه شهوان والد منيف رحب به وبدأ يسأله عن ابنه منيف وعن أخباره .
فقال : انه بخير وقد عدت بعد أن قضيت معه فى السفر حوالي اربعة أيام ، ولم ينشده عمار الابيات التى قالها له منيف . وعندما غادر شهوان عمارا بخطوات ، عاد اليه قائلا : ألم " يسولف " ) ٤ ( ببعض السوالف أو يتهيض ببعض الابيات الشعرية ؟
فتلعثم عمار وقال : نعم . . لقد أودعني هذه الابيات . . ) وانشد الابيات الاربعة السابقة الذكر (
وعندما سمعها شهوان بن ضيغم اغرورقت عيناه بالدموع لما حوت الابيات من معان ولانها
ننبئ عن صدقه وبراءته من التهمة التى اتهم بها . .
وعاد شهوان الى منزله وانشد الابيات التالية ) وانى أوردها هنا شاكرا لوالدى فهو الذى أعطانى عناصر القصة ( قال :
فقد كينى بين الضلوع نجيف
ويا ونتى ونت شهوان بن ضيغم
ونات رعود صيف مقتفيهما خريف
ويا ونتى ونت شهوان بن ضيغم
فقد كنتي بين الضلوع نجيف
ويا ونتى ونت شهوان بن ضيغم
عليك يا وافى الخصال منيف ) ٥ (
وعندما سمعت زوجته هذه الابيات قالت والله انى اتهمته وهو برئ ولكن فكرت انه ما يحدث أمر ذو بال . . وأوردت له اعذارا واهية فيما افترته على ابنه منيف .
ولما تيقن شهوان الرجل بأن زوجته هى السبب فى اغتراب ابنه ، بالكذب عليه والخداع لابيه عمل على رد الفعل ، فأخذ جملين وأجاع أحدهما عن الاكل والثاني أظمأه عن الماء مدة اسبوع ثم يضع صحيفة ماء وكومة علف فى جهتين كل منهما على مسافة عشرة أمتار عن كل من الجملين وربط زوجته بأن جعل احدى رجليها فى جمل والاخرى فى جمل آخر ، عند ذلك ذهب الجمل الظمآن الى الماء والجمل الجوعان الى العلف فانشقت المرأة نصفين . .

