عنى بنشره الوجيهان : الشيخ محمد نصيف والشيخ يوسف زينل وحققه : الاستاذ عبد السلام هارون
وهذا بعث جديد قام به الوجيهان السعوديان : فضيلة الشيخ محمد نصيف وسعادة الشيخ يوسف زينل ، يرومان من ورائه فتح الصفحات المغلقة دهرا مديدا عن تراث السلف القيم حيال التعريف بهذه البلاد ، جغرافيا وعمرانيا .
والكتاب الذى أسهما مشكورين بنشره تزجية لنهضتنا إلى الأمام يعد يحق من اعرق الوثائق الجغرافية المهمة لهذه البلاد ، حيث قام بتأليفه على المنهج القديم الذي يستند على التجوال والخبرة الشخصية ، هذا الاعرابي الحجازى العالم : عرام ابن الأصبغ السلمى احد بنى سليم الذين لا تزال منازل احفادهم ضاربة فى الشمال الشرقى بالنسبة لمكة ولا تزال تحتل فيما تحتل الوادى المعروف بهذا الاسم الى الآن ) مدركة ( وما يجاوره من منازل محاطة بالحرار ذكرها عرام واذا مضينا فى مطالعة الكتاب فاننا نجده سهلا سلسا واضح العبارات منسجما ، حسن التحديد لكثير من المواقع والجبال التي وصفها على المنهج العربي القديم فهو تخطيط وضعه عارف خبير لدياره التي جاس خلالها وخبر ناسها ومياهها واشجارها ونباتها وقراها وطرقها وقبائلها وحيوانها ومعادنها
كان الظن بهذا الكتاب النفيس انه من المفقودات الثمينة ، ولكن لحسن حظ العروبة عامة وهذه البلاد خاصة قد احتفظت بنسخة وحيدة منه المكتبة السعيدية بحيدر آباد فى الهند ومنها نقلت النسخة التى طبع عنها وقام بتصحيحها الاستاذ عبد السلام محمد هارون معتمدا فى تصحيحها على المراجع الجغرافية واللغوية المعتمدة . . فما اسعد محبى الاطلاع من اهل هذه البلاد على ماضيهم وماضب بلادهم الذي يتصل بهم من رسيس الحوادث اتصالا عميقا خفيا فى كثير من النواحى وهم يجهلون اساس هذا الاتصال وبوادره ووجوه ترابطه .
لتتعمق فى الكتاب مطالعة . . اننا نجده يحدثنا عن ميناء أثرية اندثرت فى القرون الخوالي وكانت هذه الميناء الجار . . القريبة من المدينة النبوية باقصر مسافة فيقول لنا عنها
" والجار على شاطئ البحر ، ترفأ اليه السفن من ارض الحبشة ومصر ومن البحرين والصين بها منبر ، وهي قرية أهلة وشرب اهلها من البحيرة . وبالجار قصور كثيرة ، ونصف الجار فى جزيرة من البحر ونصفها على الساحل وبجوار الجار جزيرة فى البحر تكون ميلا فى ميل ، لا يعبر اليها الا فى السفن ، وهي مرفأ الحبشة خاصة ، ويقال لها ) قراف ( وسكانها تجار "
اين الجار ؟ اين قصورها ؟ اين قراف ؟ اين تجارها ودورهم ؟ كل هذا ذهبت به امواج الظلام والفتن والاضطراب ، ولعل التاريخ يعيد نفسه ، فيبحث ) الجار ( عن ) الجار ( . . ويعاد له تاريخه اللامع ، خاصة وانه اقرب مرفأ الى المدينة على ساحل بحر القلزم ) البحر الأحمر ( .
والكتاب على صغر حجمه - فانه يقع فى ١١١ صفحة من قطع صغير موسوعة موجزة لكثير من المعارف التالدة ، وليس مقصورا على سكان تهامة وجبالها وقراها ، فحسب ، بل انه بحث عن حدود الحجاز وسكانه ، وقراه وخيوفه واباره ومعادنه ومستنقعاته وقبائله وسكان مدنه ، وقد افادنا ان سكان بلدة المدركة فى جوار
حرة بني سليم هم " ألفاق من الناس " أي خليط هذا قبل الف ومائة ونيف من الاعوام . . وافادنا ان الجار كذلك خليط وكذلك قراف فانها خاصة بالحبشة من التجار . ويحدثنا من ناحية التكافل الاجتماعي الاسلام بان رسول الله عليه السلام نهى عن كسر شئ من شجر الأيدع الضخم وشجر السدر والتنضب . والشبهان لأنها ذوات ظلال تقى الناس من البرد والحر ولا يكتفى بوصف . الاشجار الحجازية والاعشاب الحجازية حتى يصف الوانها والوان ازهارها وروائحها ان كانت لها روائح طيبة او غير طيبة ويصف مقاييسها طولا وغرضا ، ويتحدث عن ثمارها أطيبة أم لا ؟ تؤكل أم لا ؟ ومن ذلك وصف ثمر شجر التنضب المعروف ، قال لنا ان اسمه الهمقع بضم الهاء وفتح الميم وكسر القاف . وللسرح ثمر اسمه الآء ومفرده آءة يشبه الموز وأطيب منه كثير الحمل جدا ويمضي في وصف فوائد اشجار هذه البلاد ، حتى يصل الى بحث ما يستخرج منها من الانتاج الصناعى اذ يقول : ويتخذ من الأثرار القطران كما يتخذ من العرعر . ويصف اشجار ونبات ومعادن ومياه كل منطقة وصفا سداه ولحمته الايجاز والتحقيق
ويصل حاضرنا بماضينا فى العبارات اللغوية . . فيذكر لنا اصل كلمة يستعملها اليوم مزارعونا فى احاديثهم وغيرها وهي كلمة عثري بفتح العين والثاء وكسر الراء . . وكنت اظنها غير ذات اصل قديم . . فاذا به يقول لنا عنها ما نصه : " ولبنى الحارث بن بهثة بن سلم فى ذرى ذرة - ذرة بفتح الذال والراء وتخفيفها جبل مأهول لهم - المزارع والقرى وزروعها أعذاء . . ويسمون الاعذاء : العثري وهو الذى لا يسقي إن العثرى من المزارع هو الذي لا يسقى من قبل الناس بل يسقى من المطر فقط . وهذا معنى العثرى الى الآن فى الحجاز . . وقد افادنا من جهة اخرى بصيغة ) اعذاء ( التى هى الصيغة العربية الصميمية لما يسمى بالعثرى . وراجعت مذكراتي عن جبل شمنصير فوجدت فيها ما نصه :
" وأشهر جبال وادي ساية جبل شمنصير الذي ينحدر منه ماء هذا الوادى " ولا يزال شمنصير محتفظا باسمه العربى حتى الآن
واذا بعرام يصفه وصف المشاهد فيقول : وهو جبل ململم لم يعله قط احد ولادرى ما على ذروته ، باعلاه القرود ، ويقال إن اكثر نباته النبع والشوحط ، والمياه ينابيع عليها النخيل والحماط . . ويطيف بشمنصير من القرى قرية يقال لها رهاط وهى بوادى يسمى غران ، وبغربه به قرية يقال لها الحديبية ليست بالكبيرة وبحذائها جبل يقال اله ضعاضع ، وعنده حبس كبير يجتمع عنده الماء ، بكسر الحاء وسكون الباء حجارة مجتمعة يوضع بعضها على بعض . . فهؤلاء القريات لسعد وبنى مسروح وهم الذين نشأ رسول انه صلى الله عليه وسلم فيهم وحدد موقع الحديبية فقال : ومن الحديبية الى المدينة تسع مراحل ، والى مكة مرحلة وميل او ميلان وهذا التحديد ينطبق على الحديبية المعروفة اليوم باسم ) الشميسى ( وهو اسم لا نعلم أصله حتى الآن . . هذا وان الصحة فى صيغة ) ضعاضع ( الواردة فيما سبق هى ) ضغاضغ ( بغينين معجمتين ، كما فى المصادر الاثرية والتاريخية الآخر .
وعرام عالم جامع حصيف ، انه يذكر لنا احساس العرب بتسبب المستنقعات للوباء ، وان كانوا لم يكتشفوا الجراثيم التى تسبب حقيقة للوباء فى المستنقعات فيقول :
وعن يمين آرة ويمين الطريق للمصعد الحشا وهو جبل الابواء يقال له : البعق ، واد بكنفته اليسرى واد يقال له : شس ، وهو بلد مهيمة موبأة ، لا تكون بها الابل ، الا يأخذها الهيام من نقوع بها ساكرة لا تجرى ، والهيام حمى الأبل . . وقد زدنا كلمة إلا فى هذه الجملة ويبدولنا انها سقطت فى النسخة المطبوعة .
ونستفيد من عرام متانة ارتباط الحاضر بالماضي هنا ، فان الناس بالمدينة يسمون قنوات المياه بالفقر بكسر ففتح ، ومفردها فقرة بكسر فسكون ، فيقول لنا عرام : الفقر والقنا واحد ، وواحد الفقر فقير
ويحددنا معنى الخيف فيقول : والخيف ما كان مجنبا عن طريق الماء يمينا وشمالا متسعا وحينما يتحدث الينا عن خيف ذى القبر يقول : " وسكانه بنو مسروح وسعد وكنانة وتجار ألفاق . . ومحل الملاحظة هنا قوله ألفاق بمعنى اخلاط
من الناس فأن هذه الصيغة لا تزال قوية الدوران على السنة الناس فى الحجاز الى اليوم وهى صيغة فصيحة ما عليها غبار . . وان مفردها الصحيح لفق بكسر اللام وسكون الفاء والحجازيون يفتحون الحرفين خطأ . والقاعدة الغالبة فى عاميتهم ان جموع التكسير بها صحيحة ، اما المفردات فهى التى يعتريها كثير من التحريف والخطأ
وما يعرف اليوم بمنطقة مدركة يحدثنا عنه الكتاب ويحدده فيقول : " ثم ان فصلت من عسفان لقيت البحر ، وتذهب عنك الجبال ، والقرى الا أودية مسماة ، بينك وبين مر الظهران : وادى فاطمة ويقال لواد منها : مسيحة وواد يقال له : المدركة بضم فسكون ففتح - وهما واديان كبيران بهما مياه كثير ونخيل منها ماء يقال له الحديبية باسفله يصبان من رؤوس الحرة ، مستطيلين الى البحر ، ثم مر الظهران " ومر " هي القرية ، و " الظهران " الوادي ، وفيه عيون كثيرة ونخيل وجميز وهي لأسلم وهذيل وغاضرة "
وفى جبال مكة يقول : " ومن جبال مكة ابو قبيس . . ومنها الصفا " والمعروف أن الصفا سفح من سفوح ابى قبيس "
وعن الجبال التى بين عرفات والطائف يقول : " وفيها مياه كثيرة أو شال ، وكظائم فقر ، ومنها المشاش وهو الذى يخرج بعرفات ويتصل الى مكة " . .
واقول : ان الكظائم جمع كظامة ، بكسر الكاف وفتح الظاء ومعناها العين التي يجرى صناعيا من قناة فى باطن الارض . ومنها الكظامة التي اجراها معاوية بن بى سفيان رضى الله عنه بالمدينة قبل عين الأزرق المعروفة بالعين الزرقاء إلى الآن . . وقد ذكرت هذه فى كتابي : آثار المدينة المنورة
وبمناسبة ماجاء فى الحديث المنشور فى هذا العدد من المنهل ، لسعادة اللواء على جميل مدير الامن العام عن رحلته الى الشمال ، من ناحية وجود الرطب الجني في الجوف شتاء . . اقول : ان محقق كتاب عرام ذكر فى احدى تعليقاته عليه ان البكرى قال :
" ان بمطار بضم الميم - احدى قرى الطائف - ابد الدهر نخلا مرطبا وخلا يصرم " ونخلا مبسرا ونخلا يلقح " فأين مطار هذه التى جمعت النقائض والاضداد على ما يقول البكرى . . من ان بهاد وما نخلا مرطبا ونخلا يصرم ، ونخلا مبسرا ونخلا يلقح ؟ !
ويتحدث عن الطرف من حدود الحجاز الشرقية الشمالية ، فيقول : ثم الطرف لمن أم المدينة يكنفه ثلاثة جبال احدها ظلم وهو جبل اسود شامخ لا ينبت شيئا ، وحزم بنى عوال ، وهما جميعا لغطفان
اقول : لقد رأيت الجبلين فاذا هما كما يصف ، وقد وصفتهما فى محاضرتى المنشورة بكتاب : " محاضرات الاسعاف بمكة " . . ويقول عرام بعدئذ : وفى عوال آبار ، منها بئر ألية ، اسم ألية الشاة ، و بئر هرمة . هكذا ينص عرام : بئر هرمة . . وقد وقفت على هذه البئر فى رحلتنا ، مع الامير عبد العزيز بن ابراهيم وكيل امير المدينة المنورة رحمه الله ، صوب شرقى المدينة ، ودخلت ذات يوم حزم عوال هذا ، فاذا هو حزن من الارض يجمع بين صغار الحجارة البيض والسود ؛ كما وصفت موقع غزوة ذات الرقاع وبوسط هذا الحزن توجد بئر جاهلية منقورة فى الحزم نقرأ عميقا وهي ليست بالواسعة ، وليس حولها كلأ ولا عشب وسألت احد الاعراب عنها فقال لى ان اسمها عندهم الهرمة . فنقلت ذلك فى محاضرتى المنشورة ، او تأولته بانها سميت بذلك لقدمها فان الهرمة بمعنى العتيقة من هرم الرجل وما كنت ادرى اذ ذاك ان هذا هو اسمها الجاهلي العربى التليد نفسه ، على انى اشرت ذاك بعد وقوفى على صحة اسم جبل غزال ، وجبل كشر ، وظلم ، واللعباء الى ان الاعراب لا يزالون محافظين اغلبيا على اسماء الاماكن العربية كما هى . .
ويقول المؤلف في تحديد موقع عكاظ : " وعكاظ ارض مستوية ليس بها جبل ولا علم الا ما كان من الانصاب التى كانت فى الجاهلية ، وبها الدماء من دماء البدن كالارحاء العظام ، وحذاءها عين يقال لها خليص للعمريين - اى ابناء عمرو بن العاص - ، وخليص هذا رجل ، وهو اى عكاظ ببلاد تسمى ركبة
وفى ركبة يروى المؤلف بيتى شعر ، اوردهما الناشر هكذا :
اقول لركب ذات يوم لقيتهم يزجون انضاءا حوافى ظلما
من انتم فانا قد هوينا مجيئكم وان تخبرونا حال ركبة أجمعا
ويقول الناشر : انهما جاءا فى الاصل هكذا ، وانه احتار فى امرهما ، ولم يجد مرجعا لتحقيقهما على طول التنقيب وقال ان كلمة لقيتهم فى البيت الاول ليست فى الاصل ، وبمثلها يلتئم الكلام
وقد تأملت الثانى من البيتين فلاح لي من السياق انه قد يكون هكذا فى الاصل
من انتم فانا قد هوينا مجيئكم وان تخبرونا حال ركبة أجمعا
وبعد فلا يخلو الكتاب وتحقيقه من بعض مآخذ جغرافية وتاريخية . وفيه اخطاء مطبعية وعلمية طفيفة لا تخفى على القارىء اللبيب .

