من اهم ما ترمى اليه المنهل ان تسعى جادة في اماطة اللثام عن خبايا التراث الفكري في الحجاز : فننشر فيها سير علماء الحجاز وكتابه وشعرائه ، فى مختلف ادواره ونكشف بقدر الاستطاعة فى هذه الدراسات عن مبلغ افا دتهم للحضارة العربية الاسلامية ومشاركتهم في تنمية ثروتها الفكرية : وفي هذا تنوير لجانب هام من جوانب تاريخنا العربي الاسلامى كان ولا يزال غامضا مهملا : وها نحن نفتح هذا الباب على مصراعيه لفرسان الادب لتتباري فى حليته اقلامهم السيالة فتجود بما يفيد
ونعني بهذا العالم الموهوب عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز بن مسلم الكناني المولود بمكة فى القرن الثاني الهجرى والمتوفي عام ٢٤٠ : فهذا العالم الحجازي المحقق كان من أولئك العلماء الا فذاذ الذين جمعوا إلى سعة الاطلاع والتبحر فى الشريعة الاسلامية غزارة فى الأدب وفصاحة في اللسان وقوة في الملكة البيانية ونرى إن لسمو ادبه وتضلعه
من اللغة العربية اثرا بالغا فى تسنمه الذروة العليا من التفوق والنبوغ : فالعلم الغزير يمده ادب ناضج بتياره ، يكون له من قوة التاثير ، والروعه ما يجىء دونه الوصف ولعبد العزيز الكناني فوق ذلك قريحة خصبة مواتية ، وذكاء فائق ، وبصيرة نافذة وراي سديد موفق ومنطق وبراعة ما فوقها براعة في اساليب الحجاج والمناظرة المامة باحوال عصره
وقبل ان ندخل في اصل الموضوع نرى لزاما ان نمهد بمقدمة نستعرض فيها احوال عصر هذا العالم الكبير لنعلم مدى تاثره بالوسط الذي عاش فيه .
كانت البيئة التي نشأ فيها عبد العزيز زاخرة بضروب الرقي الاجتماعي والفكري والديني والاقتصادي ، فقد تاصلت جذور الاسلام ، وانتشرت فروعه في مشارق الارض ومغاربها ، وامتد رواق الدولة العباسية فى الا فاق واستراح الناس من القلاقل وهدأت الخواطر ، وانصرفت الأمة الى الاستثمار : إذا فهذا العصر عصر استقرار بعد الا ضطراب . لقد بلغت الفتوحات الاسلامية حدودا نائية في نواحى المعمورة ، وخمدت الثورات الداخلية والخارجية : فلا غرو اذا توجهت الامة والحكومة معا إلى مناهل العلم و المعرفة : هذا هرون الرشيد يتخذ مجلسا للعلماء والأدباء والشعراء ، ويصطفى منهم من يراه اهلا للاصطفاء وهذا ابنه وخليفته المأمون ينحو هذا النحو فيمعن فيه امعانا عظيما : سوق العلم رابحة . سوق الادب نافقة . المساجد عامرة بحلقات الدروس ، والقصور مملوءة بالمتذا كرين . والبلاد تعج برواق المعرفة : ينسلون اليها من كل صوب وحدب . هيابنا
يا فلان لنرحل من اندلسنا او مصرنا إلى المدينة المشرفة ، او الي مكة المعظمة لنغترف من بحر علومهما الغزيز : وهيا بنا يازميلي الي بغداد عاصمة الخلافة لنكتسب من معارفها الفياضة . وهيا بنا يا اخي الى اليمن الميمون او الي مصر الزاهرة او الشام الناضرة . كل هذه الاقطار ميادين فسيحة مزدانة بافنان المعرفة المثمرة على اختلاف ثمارها ، وجمال الوانها . الحضارة العربية الاسلامية فى اوجها الرفيع ، والدولة الفتية تغذيها بجهود جبارة ، وتعطف على العاملين في انمائها عطفا ما مثله عطف : بدر الذهب تلقي بين ايديهم من كل صوب ، والجوائز والصلات لا تنقطع عنهم صباح مساء . كان طبعيا من كل هذا ان ينتج هذا الوسط الراقى فحولا فى العلم والادب . والاسلام دين يسر وتسامح و بحث وعلم وتفكير : في هذا الوسط الملئ بالنهضة الفكرية ، والحرية الفكرية نشأ عالمنا في كنف بلد الله الحرام ، وقبلة المسلمين ومجمع الحجاج الوافدين من نواحي الارض ، نشأ نشأة علمية مزدهرة بالتقوى والصلاح . فكان نجما من نجوم العلم التي سطعت في سماء الحجاز ، فازدان بطلوعه الحجاز وسار ذكره في الافاق
شخصيته ومواهبه
يروى لنا الكناني عن نفسه انه كان دميما ونحن لا يعنينا وصفه من هذه الناحية بقدر ما يعنينا ان نكشف عن مواهبه الفكرية ومزاياه العلمية : فالمرء باصغريه قلبه ولسانه . لقد اخذ الكنانى العلم عن كثير من جهابذة عصره
ومنهم سفيان بن عيينة . واختص من بينهم باستاذه الامام محمد بن ادريس الشافعي فقد لازمه مدة مديدة واشتهر بصحبته ، وخرج معه الى اليمن . و من هنا نستطيع ان نتوصل الى الكشف عن سر نبوغه ، واسباب عبقريته . فالتلميذ سر استاذه . وقد عرفنا عن الامام الشافعى انه كان عذب المنطق حسن البيان ذكيا ذا قدرة فائقة على الجدل وقوة في التفكير ومهارة في الاستنباط وكان ذا ثقافة لغوية واسعة ، وثقافة ادبية عالية وثقافة فى الحديث . رحل فى طلبه الى بلاد كثيرة ، منها اليمن الذي رافقه في الرحلة اليه تلميذه المترجم . وكان الشافعي ذا ثقافة فى الفقه على نمط مدرسة الحجاز ، وثقافة فى الرأي على نمط مدرسة العراق ، وثقافة اجتماعية من مشاهدته لحياة البدو فى البادية فقد رحل في طلب الادب الى هذيل ، ومن مشاهدته الحضارة الاوليه في الحجاز واليمن ، ومن مشاهدته الحضارة المعقدة المركبة فى العراق ومصر . وهذا كله كان ذا صلة وثيقة بتكوين ثقافة عبد العزيز ومواهب عبد العزيز وتفكيره وعلمه
الم يلازم استاذه مدة مديدة الم يرحل معه ؟ الم يتفقه عليه فاذا كان الشافعي حسن البيان فليكن هكذا تلميذه البارع واذا كان ذا قوة على الجدل والتفكير فمن حق تلميذه ان يحوك على منواله واذا كان الشافعي ذا ثقافة واسعة فى الدين والادب واللغة فلينطبع عبد العزيز الكناني بهذا الطابع الجميل من هذه الثقافات المحبوبة : هذا اجمال سنعنى في ما بعد بتفصيله وتحليله وعرضه عرضا شافيا على ضوء من كتابة الكناني نفسه فخير ما يدل على حقيقة المرء اثاره .
ذكر الرواة ان للكناني مصنفات عديدة ، منها كتابه ) الحيدة ( الذي هو خلاصة وافية للمناظرة الهائلة التى جرت بينه وبين بشر المريسي بشأن خلق القران فى بغداد بحضرة الخليفة المأمون وبرآسته وتحكيمه : ويلوح لنا من دراسة هذا الكتاب الضئيل الحجم النزير العلم انه إنما املاه صاحبه أملاءا فى بلده مكة وذلك بعد ان اذن الله بعودته من بغداد منصورا . وان هذا الكتاب ليعلن عن مقدرة صاحبه البيانية ومقدرته الكلامية ومقدرته العلمية واللغوية والأدبية ، هو دائرة معارف اسلامية مختصرة . للعصر الذي الف فيه . وهو كشاف وضاء لسمو العقلية العربية الخالصة ومواهب العقلية الحجازيه الصافية هو عنوان البطولة العلمية الخالدة
ولقد وصف لنا الشئ الكثير مما وقع تحت بصره من اساليب الادارة في العصر العباسي وابان عن مناظر مجالس المناظرات في بلاط المأمون وفي هذا الكتاب عرض لنا الكناني قصة منا ظرته مع بشر المريسي ، عرضا بليغا . انه دخل الى قصر الخلافة خائفا يترقب الموت من كل مكان ، وخرج منه منتصرا طافح الجبين بالبشر والسرور . يالك من مناظر محقق ، وعلامة عبقري . ها هو الكناني يلعب في معرض المناظرة المعقودة على مسمع من الخليفة العظيم الرهيب ، وها هو يجندله مرارا ويهزمه تكرارا ، ويعصف باقواله عصف الرياح المرسلة ، ليابس الاشجار وها هو يلجمه الجاما ويفحمه افحاما : لقد ادعي المريسى ان جعل في قوله تعالى ) جعلناه قرآنا عربيا ( وفي سائر القران هي بمعنى خلق فرد عليه الكناني ردا علميا لغويا رائعا
وادحض حجته ، وازهق فكرته متشهدا بهذه الايات : ) واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيد ها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ( ) ولا تجعلوا الله عرضة لا يمانكم ( . ) ويجعلون لله البنات سبحانه ( فلو كانت جعل فى هذه الايات بمعنى خلق كما زعم بشر لكان المعنى : وقد خلقتم الله . ولا تخلقو الله ويخلقون لله البنات وهو معنى في غاية البطلان و لا يسع احد حتى بشر اقراره : ها هو بشر ينهزم اشنع هزيمة . وها هو المأمون يسجل عليه هذا الانكسار كما يسجل لخصمه هذا الانتصار
ويتمادي الكناني في تدليله وتحليله لمادة ) جعل ( ومعانيها اللغوية ، فيفيدنا بان جعل فى القران على معنيين : الخلق والتصيير . فجعل التى بمعنى الخلق لا يتطلب الا مفعولا واحدا وهى فى هذا نظيره مرادفتها خلق . ويستشهد على ذلك بقوله تعالى ) وجعل لكم السمع والابصار والافئدة جعل لكم من انفسكم ازواجا ( اى خلق لكم السمع ، وخلق لكم من انفسكم ازواجا : اما جعل ذات معنى التصيير ، فتتطلب مفعولين اثنين ، شبيهة مرادفتها صير ويستدل على هذا بالقرآن ايضا ) انا جعلناه قرانا عربيا ( . ) يا داود انا جعلناك خليفة في الارض ( . ) وجاعلوه من المرسلين ) فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا : إي انا صيرناه قرانا عربيا ، ويا داود انا صيرناك خليفة ، ومصيروه من المرسلين . وصيرناه دكا : هنا ينقطع بشر ، و تسود الدنيا في وجهه ، فقد كان الخليفة فى كفته على خط مستقيم ، وها هو ينقلب عليه
بخط مستقيم اذ ابان له جهله واتضح له انه مكابر ، يسلك سبيل الحيدة عن الجواب كلما الجأه عبد العزيز في المناظرة ، الى الاعتراف بالحق الصراح وها هو المأمون يقبل بكليته على الكناني ويستحسن اراءه ويقابلها بالتسليم التام والقبول والامتنان لقد هدم الكناني نظريات مناضله في خلق القران من شتى الوجوه ، من الوجهة الشرعية ، والوجهة اللغوية ، حتى من الوجهة المنطقية التى كان يعتز بها بشر لما كان عبد العزيز يناظره و يدمغ باطله بنصوص القرآن العزيز ، لقد اثبت عبد العزيز اثباتا حقا ان القران كلام الله غير مخلوق . وباء بشر بالفشل التام ، وعاد عبد العزيز يحمل الوية الظفر التام : هذا ظفر تاريخي للحجاز على بغداد فلنسجله يا تاريخ الحجاز على صفحات من نور : هذه بغداد تحتفل بهذا الضيف الحجازي معترفة بمقدرته ورجاحة عقله مطأطئة الرأس امام نبوغه وعبقرته ، خاشعة امام بطولته وبراعته : لقد دخلها بائسا يائسا مستقتلا فى سبيل اعلان الحق ، وها هى تنبهر من مواهبه وتبتهج باكرامه وتقديره ، وها هو الخليفة يشاركها فى هذا التقدير فيمنحه جائزة حسنة هي عنوان التقدير والاعجاب ورمز الاكبار وفي هذا يروي لنا الكناني ما نصه :
فقال المأمون احسنت يا عبد العزيز ثم امر لي بعشرة آلاف درهم فحطت بين يدي وانصرفت من مجلسه على احسن حال واجملها ، فلله الحمد على تسديده وتوفيقه . لخير المسلمين جميعا بما وهبه الله لهم من اظهار الحق ، وقمع الباطل . وانكشف عن قلوبهم
ما كان يكتنفها من الغم والحزن وجعل الناس يجيئون الي افواجا . حتى اغلقت بابي واحتجبت منهم خوفا على نفسي وعليهم من مكروه يلحقنا . وكان ذلك مسك الختام
مصادر هذا البحث الحيدة -للمترجم مروج الذهب-للمسعودى الكامل-لابن الاثير ضحى الاسلام- لاحمد امين
من قصيدة لعالم مدني اديب يحيى فيها مجلة المنهل
يا طالب الآداب مخدومة نلاحظ الظرف بها بابتسام
ان كنت ظمانا اخالوعة للعلم ترجو لمزيل الاوام
فهاك في ترتيبها نخبة من وافر العقل . بديع الكلام
مجلة ) المنهل ( في شكلها مجره العلم بابهي نظام
مناهل الآداب مورودة والمنهل العذب كثير الزحام (
المدينة المنورة

