الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

عبث

Share

قال لها الطبيب بان مخاضها قريب *

قال لها ان المسألة مسالة أيام قلائل ، فعادت الى " الادارة " تحمل الى زميلاتها الراقنات بشرى الحدث السعيد .

قالت لهن كلمات كلها أسرار : " سألزم منزلي ابتداء من الغد شهرا ونصفا

واتجهت صوبها عيون ثمان محدقة فيها من جديد . واستقرت النظرات فيها استقرارها على كائن غريب . وامتلات العيون بغير ما كانت مشحونة به كل صباح ومساء .

وبدت مريم اليوم غير مريم الامس . من وجهها يتدفق نور جديد . بسماتها الرقيقة تبعث راحة فى النفس وامنا . فى نظراتها ثقة وعزة وكبرياء .

مريم الامس لم تكن الا زميلة . لم تكن الا فتاة مثلهن . لم تكن الا طفلة كبيرة . لم تكن الا كلمة . كلمة .

حقا انها متزوجة . ولقد حضرن حفلات زواجها . نعم . انها متزوجة . لكن مريم العزباء لم يقتلها الزواج . لقد بقيت هي هي . بقيت زميلة . زميلة وكفى - بقيت طفلة كبيرة . بقيت فرعا طريا

لقد أضيفت الى الكلمة كلمة اخرى . لكنها بقيت . بقيت اسما . بقيت كمريم العزباء تماما .

أما اليوم فكل شئ فيها قد تبدل

ستموت اليوم مريم الامس . سيموت الامس  كله . سيتحرك فيصبح الفرع أصلا ويصبح الاسم فعلا .

مريم دشنتها الخليقة . ابواب البقاء مفتوحة امامها . ستقوم برسالة الانوثة . ستعيد الامانة الى امها . مشيئة الله فيها تتحقق ستكون جديرة بأن تكون

الم يعلن لها الطبيب فى همس السحرة ان مخاضها قريب ؟

بكل هذا تحدثت العيون . وارتفعت الى السماء دعوات صامتة بأن يتحقق فيهن ما تحقق في مريم .

وامتدت الى يد المحظوظة يد أخرى ، يد زميلة أخرى ، يد فردوس                                   الام

لقد هزها الحدث هزا أختها الصغيرة ترتفع الى عرشها الباسق . فمدت لها يدها مليئة بالفخر والاعتزاز .

ثم حان وقت الخروج . وسارت مريم صوب الباب وئيدة الخطى تتهادى - وافسحت لها زميلاتها الطريق . وهمست احداهن

مريم هذه لن تعود ! " وتساءلت أخرى مريم الام كيف ستكون ؟ " وتنهدت ثالثة ستولد من جديد . هنيئا لها ! "

واحتضنتها أمام الباب ذراع زوجها .

لم يعد يطيق فراقها منذ أن علم الخبر . لقد كانت زوجته فقط . كانت . كائنا اخر يشاركه العيش الاجدب ويعينه على رفع أثقال العصور

لكنها اليوم تقاسمه الكون الرحيب . كانت نصف دنياه المحدودة فاصبحت نصف الدنيا بإطلاق . كانت امرأة تحمل اسمه لاعوام قد تطول وقد تقصر . لكنها اليوم تكتب اسمه على أفق الخلود .

كيف يفارقها لحظة ودين الرجولة بين جنبيها ؟ كيف لا يحرسها وفيها مفتاح بقائه وبقائها ؟ كيف لا يعبدها وهى التى بها سيقهر الموت ويصفع الفناء ويسخر من مرور السنين قال لها :

سيكون ولدا ، سأنفق عليه من تجارب دهرى بلا حساب . سأدخله المدرسة كى يجول فيها جولات الغلبة والانتصار . سأشد ازره حتى يستقيم عوده . لاجعلن منه طودا عملاقا لا يشق له غبار . لا جعلن منه بطلا رحيما افتخر به فيفتخر الكون بما صنعت ! " وقالت

سيكون بنتا . سأرضعها الاغراء ثم ادخلها المدرسة كى تتعلم فيها اصطياد الحياة . لاجعلن منها زهرة فواحة تهز الصدور . سأكون من ورائها كى تمزق الفخاخ . لاجعلن منها ملاك الجمال والرحمة والبر . لاجعلن منها ربة فى كل مكان . لابعثن فيها حواء حية تسعى

واستمر كلاهما يسبق الايام . تحققت الاحلام كلها دفعة واحدة فضاق لها الصدران . وكيف لا تضيق الصدور بروعة الجمال ان رسمه الامل على جبين الحق .

وجاء اليوم الموعود

وغصت قاعة الانتظار بمستشفى التوليد . وساد سكون وجال . وما هو فى الحقيقة الا مخاض يقابل مخاضا ينتظر الجمع ختامه .

فى كل نفس منهم مخاض . لصراخ المرأة فيهم صدى وامتداد .

وانزوى الزوج فى ركن قصى . وانتصب على كرسيه كالصنم السكران . لو كانت أمامه مرآة لها ما يرى . لقد تشابكت اصابعه وارتعشت حتى لتخالها كائنات فظة منفصلة عنه .

واستوى ظهره حتى تحسبه محنطا . واصفر وجهه وتجعد حتى تحسبه من خشب قديم . لكل صرخة فى كيانه رجات . لكأنه غدير يلهو على جوانبه الصبيان برمي الحصى .

وبدأ همس العجائز المجتمعات فى ركن مقابل . وتسابقت الحناجر حتى تحول الهمس الى ضوضاء .

لكن الزوج لم يكن يسمع شيئا . لقد كان مشغولا بدقات قلبه يخيل إليه ان ما يحيط به صدى أبواق وان الدقات تثقب أذنيه . لولا هذه الدقات التى تدكه دكا فتعصر آحشاءه وتمتص دمه لانفحر صارخا فى تلك الوجوه :

دعوها ! دعوها ! آلا تسمعون ؟ لكم أن تأكلوا لحم اخوانكم ! لن أسمح لكم بتمزيق طفلى أو بتعذيب أمه ! حرام أن تعذبوه وتعذبوها بى ! قل لهم هذا ! إنى وحيدك ! انك تنتظره كما انتظره ! قل لهم !

توالت الدقائق والساعات

واستقر نظر الزوج على عقارب ساعته . إنها عقارب رهيبة ما تنفك تكبر وتكبر حتى ليخيل إليه انها تشق عينيه و تغوص فى دماغه المتعب .

وارسمت على معصمه صورة راقصة . وبانت خطوطها وردية  كالشفق . راي صبيا عاريا متعلقا باحدى العقارب . وكبر الصبي فاصبح شابا وكبرت العقرب فأصبحت سيفا ثم رأى الشاب يرفع سيفه كى يهوى به على اعناق الثرثارين .

وفجأة

جمد السيف معلقا فى الفضاء

وفتح باب داخلى دخلت منه ممرضة تمضغ " اللبان ، اعلنت بصوت يشبه الصرير

الرجاء إلتزام الهدوء ! لقد ولد الطفل ميتا !

اشترك في نشرتنا البريدية