عن مجلة : الموقف العربى
عبد الحميد بن هدوقة روائى جزائرى معاصر يكتب باللغة العربية ويسهم ، مع جيل التعريب ، فى ابداع الرواية الجزائرية ، وفى استرداد الادب الجزائرى الحديث لوجهه العربى ولغته العربية وأصالته القومية .
هذا الجيل هو الامتداد العربى لجيل الرواد الذين ولدت الرواية الجزائرية على ايديهم مكتملة النمو والتكوين ، بالرغم من حداثتها بالقياس الى الشعر الجزائرى الحديث السابق عليها فى الظهور والانتشار . واقترن ظهور الرواية الجزائرية ، فى أواخر الاربعينيات وأوائل الخمسينيات ، بظهور مقدمات الثورة الجزائرية .
ويرجع اكتمال الرواية الجزائرية ونضجها ، شكلا ومضمونا ، الى تأثرها بفن الرواية الفرنسية العريق . لذا اصدرت اعمالها الاولى بالفرنسية ، نتيجة لسيطرة اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية على مثقفى الجزائر ومفكريها وأدبائها . كما تعود ايضا الى احتدام عوامل الصراع المختلفة داخل المجتمع الجزائرى ، بين الجزائريين ومستعمريهم الفرنسيين ، وبين الثقافتين العربية والفرنسية ، وبين الطبقات الشعبية ، ومن ابناء الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى ، وابناء الطبقات العليا من كبار الملاك والبورجوازيين وعملاء الاستعمار الفرنسى . فكشف الرواية الجزائرية كل عوامل التفجير فى المجتمع الجزائرى المستعمر . وعبرت عن دائرة الظلم الاجتماعى والسياسى لتشمل غالبية الشعب الجزائرى . كما بشرت بالثورة واسهمت فى اشعال معارك التحرير الوطنية ضد المستعمرين وعملائهم ، ونظمهم .
هكذا جاءت الرواية الجزائرية لجيل الرواد مكتوبة بأقلام خبيرة بالفن الروائى وبمشكلات المجتمع الجزائرى ، غير انها صدرت باللغة الفرنسية ، مثل ثلاثية محمد ديب الروائية (( الدار الكبيرة )) (( النول )) و (( الحريق )) ، وروايات (( الارض والدم )) لمولود فرعون و (( الهضبة المنسية )) لمولود عمرى ، وروايات مالك حداد وكاتب ياسين وغيرها من الروايات الجزائرية الفرنسية.
ومع ان الادب الجزائرى المكتوب باللغة الفرنسية هو أدب وطنى يعبر عن ضمير الشعب الجزائرى ومشكلاته وتطلعاته وعن معارك التحرير الوطنى والاجتماعى . الا ان الاديب الجزائرى ظل يشكو من غربته فى اللغة الفرنسية ومن عجزه عن التعبير بلسانه العربى ولغته القومية . عبر عن ذلك الروائى والشاعر الجزائرى الراحل مالك حداد بقوله : (( انا ارطن ولا أتكلم ، ان فى لغتى لكنة ، اننى معقود اللسان. . أنا لا أغنى . . فلو كنت أعرف الغناء لقلت شعرا عربيا . . لقد شاء الاستعمار ان يكون فى لسانى آفة ، أن أكون معقود اللسان . . )) وقال كاتب ياسين : (( انا منفى فى اللغة الفرنسية ! )) وتحدثت الادبية الجزائرية (( آسيا جبار )) عن مشكلة التعبير بلغة المستعمر عن حياة وعادات المرأة الجزائرية قائلة انها (( تجد نفسها أمام مشكلة ترجمة عواطفها وأفكارها العربية الى اللغة الفرنسية ، وان هناك شيئا ما ينقص الصورة مع ذلك . ))
فقد أراد الاستعمار الفرنسى احتواء الثقافة العربية وضرب القومية العربية فى الجزائر ، بالقضاء على اللغة العربية ، ومحو عروبة الجزائر ، وتحويلها الى مستعمرة فرنسية تابعة له اقتصاديا وفكريا . غير ان جهوده الم تحقق نجاحا يذكر الا بين الاقلية من سكان المدن الجزائرية . بينما ظل الريف الجزائرىن، حيث يعيش الغالبية العظمى من الجزائريين ، معقل الثورة وحصن العروبة . وقد قاوم الشعب الجزائرى هذه السياسة الاستعمارية وتحداها ، بالالتجاء الى ينابيع التراث العربى ، والتمسك بالقومية العربية واللغة العربية . وظلت معركة التعريب بالجزائر جزء لايتجزأ من معارك الثورة الجزائرية .
وعبد الحميد بن هدوقة من ابناء الريف الجزائرى ، فهو من مواليد مدينة (( المنصورة )) التابعة لولاية (( سطيف )) الجزائرية ، سنة 1925 وتزخر رواياته بالخبرة والمعرفة بالحياة والناس والطبيعة فى الريف الجزائرى . ومعروف ان الريف الجزائرى ظل معقل العروبة وحصن الثقافة القومية واللغة العربية ، وانه افشل كل محاولات الغزو الثقافى التى وجهها الاستعمار الفرنسى للقضاء
على عروبة الشعب الجزائرى ، ومحو قوميته العربية ، وثقافته العربية ، ولغته العربية ، واستبدالها بقومية المستعمر وثقافته ولغته .
وبعد ان حققت الثورة الجزائرية انتصارها الحاسم ، وحررت الجزائر وحققت استقلالها ، تبقت من معارك الثورة الجزائرية ، معركة التعريب التى توليها الدولة كل عنايتها ، لمحو آخر آثار الغزو الثقافى الاستعمارى . ومن هنا جاء دور الادب العربى الجزائرى من اجل التعبير عن ضمير الشعب العربى الحزائري بلغته العربية ، اللغة القومية الام التى تعيد الجزائر للالتحام بالوطن العربى والثقافة العربية والقومية العربية . لهذا كله نتطلع الى الادب العربى الجزائرى الحديث ونوليه كل اهتمامنا . وقد تناولت فى كتابى (( البطل الثورى فى الرواية العربية الحديثة )) نموذجين من الرواية الجزائرية . الاول من نتاج جيل الرواد المكتوب بالفرنسية ، ثلاثية محمد ديب الروائية ، والثانى من انتاج جيل التعريب المكتوب باللغة العربية ، رواية (( اللاز )) للطاهر وطار . وفى هذه الدراسة نتناول درة اعمال الروائى العربى عبد الحميد بن هدوقة ، روايته العربية (( ريح الجنوب )) .
كتب عبد الحميد بن هدوقة عددا من الروايات العربية ، غير ان أشهرها وأهمها روايته (( ريح الجنوب )) التى تحتل مكانة خاصة فى أدبه الروائى ، فقد طبعت فى ثلاث طبعات ، ووصفتها الشركة الوطنية للنشر ( الجزائرية ) بأنها (( قصة لها مكانتها المرموقة فى الادب الجزائرى الحديث )) .
تصور رواية (( ريح الجنوب )) الجزائر الجديدة بعد الاستقلال ، بعد ان استنفدت الرواية الجزائرية موضوع الثورة الجزائرية وحرب التحرير الوطنية . وتطرح رواية عبد الحميد بن هدوقة ، مشكلات المجتمع الريفى الجزائرى بعد انتهاء الثورة وتحقيق الاستقلال ، وتصور الحياة والناس والطبيعة والآلام والآمال فى الريف الجزائرى بأدق تفاصيلها ، ، مما يوحى بالخبرات العميقة التى اكتسبها عبد الحميد بن هدوقة ابن الريف الجزائرى من هذا الريف .
وتجمع الرواية فى معمارها الفنى بين الرد التقليدى والتصوير الخارجى والاستبطان والتحليل النفسى والنفاذ الى اعماق الشخصيات ، وتثرى الزمن الروائى بالمزج بين الماضى والحاضر والايمان بالمستقبل وباستخدام تيار الوعى فى اضاءة ماضى الشخصيات والمجتمع ، وبتنوع زوايا الرؤية والمشاهد
البصرية والصور السمعية . وقد عنى الروائى برسم الشخصيات الثانوية فى الرواية قدر عنايته يشخصياتها الرئيسية . وتمكن من ابداع الروابط بين شخصيات الرواية الكثيرة ، بحيث تشابكت مع احداثها ومع بعضها البعض بمهارة ودون افتعال .
وتطرح الرواية أهم قضايا المجتمع الريفى فى الجزائر ، من خلال منظور فكرى تقدمى ، مثل الارض ، المرأة الجزائرية ، صراع الاجيال والافكار والمفاهيم ، وتخلف الحياة والناس فى الريف الجزائرى . ونحن لا نطالع هذه القضايا بشكل مباشر ، ولكن من خلال شخصيات حيه وواقع مصور بثراء وعين فنان خسر بموضوعه وقضاياه وشخصياته ، متمكن من ادائه الفنى .
فالشخصيات ، فى الرواية ، مرسومة بدقة وتميز ، وتكان ان تتدفق حياة وحيوية . الشخصيات الرئيسية ، المؤثرة فى أحداث الرواية وفى شخصياتها الاخرى هى : (( عابد بن القاضى )) ، من كبار ملاك الاراضى ، وهو قلق بسبب خوفه من اقتراب تطبيق الاصلاح الزراعى شخصية من الماضى الاستعمارى فقد تعاون مع الفرنسيين خفية . وفى مقابلة توجد شخصية (( مالك )) ، مناضل حرب التحرير ، ومسؤول حزب التحرير فى الناحية ، الوحيد الذى رفض مغادرة القرية بعد انتهاء الثورة وتحقيق الاستقلال . كان على وشك الزواج من (( زليخة )) ابنة (( عابد بن القاضى )) ، غير انها قتلت خطأ ، خلال الثورة ، فى عملية نسف قطار قام بها مالك ، شخصية من الحاضر الثورى . (( نفيسة )) ، بطلة الرواية ، ابنة (( عابد بن القاضى )) ، وابنة المستقبل ايضا ، من بنات الجيل الجزائري الحديد ، تتلقى تعليمها فى مدينة الجزائر ، وتقضى عطلتها سجينة بيت أيها الريفى ، تقرأ وتتطلع الى المستقبل وتفكر فى وضع المرأة الجزائرية المهين فى الريف . تمثل الاستقلال فى الشخصية والثقافة والآمال ، ومن ثم تعارض والديها ، وترفض الزواج السياسى ، الذى يعمل أبوها على عقده بينها وبين مالك المسؤول السياسى فى القرية حتى يحقق بواسطته حماية أرضه من قوانين الاصلاح الزراعى .
أما الشخصيات الثانوية فأهمها شخصيتان تعيشان على هامش الحياة فى القرية ولكنهما مزيدتان واصليتان ومتميزتان تماما : (( شخصية الخالة رحمة )) وهى فنانة شعبية تلقائية عجوز تصنع الاوانى الفخارية وتبدع الاعمال الفنية من خلالها . وشخصية الراعى (( رابح )) عازف الناى الفنان المعتد بشخصيته ، الشاب الريفى البسيط الذى يتمثل فيه كل عنفوان الطبيعة وببساطة الريف .
بالاضافة الى شخصيات (( خيرة )) أم (( نفيسة )) زوجة (( عابد بن القاضى )) . و (( الطاهر )) المدرس وصديق المناضل (( مالك )) وصاحب المقهى الوحيد فى القرية (( الحاج قويدر )) ، والشخصيات الكثيرة العابرة فى الرواية ، مثل رجال الدين والفلاحين وبعض نساء القرية واطفالها ايضا . وتستحق كل شخصية من شخصيات الرواية الرئيسية دراسة خاصة بها تتناول بناء الشخصية وتطورها وفكرها وعلاقاتها بالشخصيات الاخرى واسهامها فى البناء الروائى ، غير ان المجال لا يتسع لهذا كله .
تقع أحداث الرواية وتتحرك شخصياتها داخل قرية جبلية من قرى الريف الجزائرى ، وتتركز حول موضوع الزواج السياسى الذى يعتزم به المالك الكبير (( عابد بن القاضى )) تزويج ابنته (( نفيسة )) من (( مالك )) المسؤول السياسى فى الناحية ، حماية لارضه من التوزيع على الفلاحين ، ورفض الاخيرة لهذا الزواج وهروبها من بيت ابيها ، وتنتهى الرواية بجريمة قتل مزدوجة تنهى حياة الاب (( عابد بن القاضى )) والراعى (( رابح )) هكذا يموت اثنان من رجال الماضى والحاضر ، رمز للاقطاع والتخلف ، بينما تعيش (( نفسية )) الشابة المثقفة ابنة المستقبل . وتتفجر هذه الاحداث الرئيسية باحداث فرعية تتشابك مع ذكريات الماضى وامال المستقبل .
قال أحد سكان القرية : (( ان جيلنا لا يقدر على فهم هذا الجيل . . )) ( ص 263 ) فعبر بذلك عن قضية الصراع بين الاجيال والافكار والمفاهيم المختلفة وهو صراع بين الماضى والمستقبل عبر مشكلات الحاضر اليومية والفكرية والاجتماعية . تطرحه الرواية من خلال تشابك القضايا والهموم العامة والخاصة لتلك الشخصيات ، وتتجسد فى وقائع يومية تنمو وتتطور وتتعقد حتى تصل الى ذروتها فتحل .
تجسد (( نفيسة ))البطلة الشابة ، عدة قضايا وتجمع خيوطها بين يديها ، فهى تمثل الجيل الجديد من المرأة الجزائرية المثقفة الرافضة لوضع المرأة الجزائرية المهين فى الريف الجزائرى . وهى تمثل الفكر الجديد والمستقبل فى كثير من آرائها التى تتطلع بها الى تكوين انسان جزائرى جديد محرر من التقاليد البالية المعوقة لقدرات الانسان ونشاطه . وحولها تدور قضية الزواج السياسى ، الذى يفرضه عليها ولدها المالك الكبير (( عابد بن القاضى )) كى يشترى بها ولاء المسؤول السياسى (( مالك )) ويفتدى بها ارضه ويحميها من تطبيق قوانين الاصلاح الزراعى .
وتدل صياغة تلك الشخصيات على مهارة الروائى فى تقديمها كشخصيات حية متحركة متنوعة تتطور مواقفها مع الاحداث ، وليست شخصيات جامدة علي موقف واحد ، واتبع الروائى الواقعية والتحليل النفسى فى خلق هذه الشخصيات ، وتطويرها ، وتعميقها ، ودفعها الى الالتقاء بسائر الشخصيات الاخرى فى الرواية . كما اغنى الروائى شخصياته باستخدام تيار الوعى وانسانيته لكشف ماضى الشخصيات ومراحل تطوير المجتمع الجزائرى ، من أحداث الحرب العالمية الثانية الى الاستقلال ، مرورا بوقائع حرب التحرير الجزائرية التى طبعت بصماتها على الرواية الجزائرية كلها . يضاف الى ذلك ان خبرة الروائى بالفن السينمائى ، كرئيس المؤسسة السينما الجزائرية مكنته من استخدام أساليب القطع والمونتاج والمزج بين الازمنة والتنقل بينها . وقد برع الروائى فى توظيف الطبيعة وريح الجنوب الحارة وتنوع زوايا الرؤية والمشاهد البصرية والصور السمعية فى تناغم بين الطبيعة والشخصيات واحداث الرواية . فعندما تحاصر (( نفيسة )) بالتقاليد القديمة ، التى تجبرها على ترك الدراسة فى مدينة الجزائر والزواج وفقا لمشيئة الاب ، تثور ريح الجنوب المترية الخانقة وتشعر البطلة ايضا بالاختناق الداخلى . هكذا تمتزج أزمة البطلة (( نفسية )) الخاصة بالازمات العامة وتتشابك المشكلات الخاصة بالقضايا العامة والفردية بالاجتماعية ، وتجسد مأساة التخلف وصراع الاجيال فى مأساة (( نفيسة )) التى يجبرها أبوها على الزواج لمصلحته الخاصة فيرتبط التخلف بالرجعية .
وعندما يقول أحد سكان القرية ، من رجال الجيل القديم ، (( ان هذا الجيل لا نفهمة نحن )) ( ص 263 ) فانه يشير الى حتمية الصدام بين الجيلين القديم والجديد . وهو صدام نتيجته فوز مفاهيم الجيل الجديد ، جيل المستقبل الجزائري ، فالالتقاء بين الجيلين مستحيل ، كما صورته الرواية ، لانه لا التقاء بين من ينظر الى الماضى ومن ينظر الى المستقبل . فالمدرس الشاب (( الطاهر )) لم يكن أبدا ينوى الحديث فى هذا الموضوع مع رجل عيناه تنظران الى الماضى فان نظرتا الى المستقبل فانما كنهاية . ( ص 80 ) لذلك انتهى الحديث بينه وبين المالك الكبير (( عابد بن القاضى )) بهذه العبارة القاطعة للطاهر : (( انا فى واد وانت فى آخر يا عمى الحاج ! )) ( ص 81 ) .
هذا الصراع بين الاجيال والمفاهيم الذى تواكبه الطبيعة الطبيعة بواسطة (( ريح الجنوب )) الحارة المتربة الخانقة التى امتزجت باختناق نفيسة الداخلى من جراء اختلاف الاجيال والمفاهيم ، هذا الصراع الذى أراد به الروائى ان يصور
الجزائر الجديدة وهى تتخلق فى مخاضها الجديد . وانقل هنا فقرة طويلة تعبر عن أزمة نفسية وأزمة الجيل الجديد وحركة الطبيعة : (( وكانت تحس باختناق شديد ، مما جعلها تتلمس عنقها بصورة آلية ، لتتعرف على آثار ذلك فيه ! لكن الاختناق كان داخليا يشبه ما تبصره عيناها من غبار فى ذلك الحين أحدثته زوابع مفاجئة . لم تكن تفكر ، كانت حائرة . وحيرتها أكبر من أن تعود الى سبب واحد . كانت حيرة جافة ، صارمة ، تعبر عن عجزها أمام هذه الغيبيات الكثيرة الخارجية التى تخط للناس مصائر لا مناص لهم من حياتها ، سواء لاءمت آمالها أم حطمتها . أبوها يقرر منعها من العودة الى الجزائر ، من مواصلة الدراسة . يقرر تزويجها ، يختار هو من تتزوج به . أمها ترى ان سنها بلغت حدا لم يعد يسمح لها الا بالانزواء فى حجرة مظلمة ! . تقاليد بدائية تقيد سلوكها . . ماذا عساها ان تفعل وحدها لمواجهة كل ذلك ؟ هل تثور ؟ ولكن أية ثورة ، وفى أى اتجاه ؟ انها لا تعرف احدا فى القرية . وهب انها عرفت ماذا يجدى ذلك ؟ فلا فرع هناك للمنظمة النسائية ولا لشبيبه الحزب ولا غيرهما . لكنها مع ذلك لا بد ان تثور ، ان تعارض كل سيطرة خارجية مهما كانت ثورتها وحدها التى تستطيع تحديد الاتجاه والطريق . ( ص 87 و 88 ) هكذا توصلت نفيسة الى قرارها برفض الزواج المفروض عليها وباصرارها على العودة الى مدينة الجزائر لمواصلة الدراسة هذا القرار الذى قادها الى الهروب والاصابة بلدغة ثعبان فى طريقها الشاق ، عبر الجبال والاشواك ، الى محطة القطارات ، حيث تواجه خطر الموت ، فللطبيعة دور هام فى تعقيد احداث الرواية ، حتى ينقذها الراعى (( رابح )) وتختبىء فى بيته لتعالج من آثار سم الثعبان وتستعد لمواصلة الرحلة ، غير ان والدها يكتشف مخبأها فيهاجم كوخ الراعى ويتقاتل معه حتى الموت . وترتفع نفيسة فوق الماساة الدموية . وبهذا يشير الروائى الى عنف الصراع بن القديم والجديد ، والى ان الحرية والتقدم والثقافة تتحقق كلها عبر المعاناة الشاقة مع قوى الماضى والتخلف .
من القضايا الاخرى التى تطرحها الرواية ، قضية الارض والتخلف فى الريف الجزائرى . أما الارض فقد عبر هذا الحوار بين (( مالك )) وأحد الفلاحين عن أهمية توزيعها لحل مشكلات الفلاح الجزائرى والريف الجزائرى : (( ومرت بنفسه صورة أحد الفلاحين اثناء مناقشة جرت بينهما بخصوص الارض ، أجابه عن قوله : ان الارض كالنور والهواء يجب ان تكون ملكا للجميع . . أجابه الفلاح وقد أخذ بيده كمشة من تراب قائلا : الهواء والنور
لا تمشى عليهما ولا تمسكهما بيدك كهذا التراب )) ( ص 179 ) فهذا هو الحل الذى تقدمه الرواية لمشكلات الفلاح الجزائرى مع ظلم الملاك وكوارث الطبيعة .
وأما التخلف فكم من صور وأحاديث قدمتها الرواية للتعبير عن مدى تخلف الريف الجزائرى فعندما أصيبت العجوز (( الخالة رحمة )) بالحمى وأخدت فى الاحتضار ، لم يجدوا فى القرية طبيبا او مركزا صحيا او حتى قرص (( اسبرين )) ، وهو ما انتقدته نفيسة وانتقدت معه الاستسلام للمرض والقدر والموت قائلة : (( يا للمأساة ! اننا نعيش فى القرون الوسطى )) وأضافت بسخط : (( منذ ولدنا ونحن نسمع ان الموت لا مرد له فصار أملنا الثابت فى الحياة هو الموت ! )) ( ص 155 ) وتتوافر صور التخلف الاخرى فى الرواية ، من أحاديث الخرافات حول الجن والعفاريت والسحر والشعوذة ، الى مشعوذ القرية وساحرها الذى أحضره الاب (( عابد بن القاضى )) لعلاك ابنته نفيسة اجبارها على الزواج بمالك بواسطة السحر والاحجبة والذبائح . وتتمثل مقولة الرواية الاساسية فى ان الفقراء هم كل الشعب وانهم لديهم كل الامكانيات للنهوض او كما قال مالك معلقا على المساعدات التى قدمها الفلاحون الفقراء للمشاركة فى مأتم العجوز الفقيرة الخالة رحمة : (( هم الشعب ، هؤلاء الفقراء . . آه لو عرفوا فقط قوتهم الحقيقية واستعملوها كما ينبغى لادركوا ان الارض مهما كان أديمها فهى صالحة للخصب )) ( ص 171 ) .
هذه هى الجزائر الجديدة بعد الاستقلال ، كما صورتها رواية (( ريح الجنوب )) للروائى العربى الجزائرى عبد الحميد بن هدوقة ، من خلال طرح الصور المعبرة عن قضايا الريف الجزائرى وايمانه الى ضرورة مواصلة الثورة، لتحقيق العدالة الاجتماعية ، والقضاء على التخلف ، وافساح المجال للجيل الجديد وللمرأة الجزائرية ، للمشاركة فى صنع جزائر المستقبل العربية المتقدمة .
وبعد ، لقد اكتفيت فى هذه الدراسة بتقديم الملامح الاساسية فى هذه الرواية العربية المتعة والمشوقة ، كما عبر عنها الكاتب بفنه الروائى الجميل ومضمونه التقدمى الجرىء . وتجنبت التلخيص ، لانه يضر بهذه الرواية الثرية . فكم من الصور الجميلة يفسدها العرض والتلخيص ، وكم فى هذه الرواية من ضروب الخيال والابداع لا تتكشف الا لقارئها ، اللمسات الرومانسية . آفاق الخيال ، المشاهد البصرية لمناظر الريف الجزائرى ،
والصور السمعية للاصوات المختلفة فى ذلك الريف . أصوات الريف والضفادع والكلاب والذئاب ، الاصوات الصاعدة من القرية ، صوت الراعى والموسيقى المنبعثة من نايه . هذه الاصوات القريبة من الطبيعة والمعبرة بدورها عن الريف الجزائري : (( فهناك أولا صوت الريح الجنوبية التى يسمونها ( القبلى ) وهو صوت يشبه الغضب ولكن ما يوحى به ليس الثورة بل الحزن ، العزلة ، الخوف ، الموت . . . وهناك صوت الرعد وهو صوت يشبه العنف والقوة والجبروت ، بوحى لسامعه بالثورة على كل شىء لا تؤدى فى النهاية الا الى الخراب . والرعد فى سماء هذه القرية تكثر زياراته فى أوقات الحصاد حيث تقترب آمال الناس من الوصول الى تحقيقها فيقضى عليها بما يرسل على الغلال من رصاص ( البرد ) وأمطار. . وهناك أصوات الحيوانات الداجنة المؤنسة ، وهناك أصوات بعض الطيور التى لم يدفعها فقر القرية للجلاء عنها وفاء لمواطنها ثم هناك أصوات الذئاب . . فكل أصوات القرية اذن من طبيعتها وحياة اهلها . واذا كانت الاصوات قليلة ليس فيها المصنوع فحياة السكان أيضا ليس فيها ما يبتعد عن الطبيعة )) ( ص 101 ) هذا المزج بين الصور البصرية والصور السمعية هو من أجمل ملامح الشكل الروائى عند عبد الحميد من هدوقة ، يضاف اليه تصويره الجميل للحظات الابداع الفنى عند الفنانة التلقائية الريفية (( الخالة رحمة )) ، ولحظات المتعة الموسيقية التى يتلقاها الراعى الفنان (( رابح )) عندما يعزف موسيقاه العميقة على نايه البسيط ، وما يشيعه فى نفسية البطلة القلقة (( نفيسة )) من مشاعر وأفكار التأمل ، وما يطلقه فيها من آمال كبار لريف جزائرى جديد ، وانسان جزائرى جديد ( * ) .

