الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

عبد الواحد الجوهرى الاشرم، ١٢٧٨-١٣١١ ه

Share

كان - بلا شك - من أشهر الشعراء الحجازيين ، فى العصر الذي عاش فيه . ولم يكن معظم الشعر فى الحجاز ؛ فى ذلك العصر ، شعرا ، أوشبيها بالشعر . . بل كان نظما وكفى . وليته كان مع هذا كله - نظما فى درجة النظم السائغ المقبول !

انما كان الشعر فى ذلك العصر ، عبارة عن كلمات منظومة مقفاة .  أما أن هذه الكلمات من الجيد المختار ، واما ان هذه القوافى ، محكمة فى الوضع ، منتقاة فى التركيب ؛ فذلك كله مما لم يكن يعنى به ، او يلتفت اليه او يحس بأهميته شاعر أو سامع أو قارئ . لماذا ؟ لأن هذا الاحساس قد وصل من الفتور ، الى درجة الصفر . . فاما كيف كان ذلك ؟ ! فلان الطبع الشعرى ، والطاقة الشعرية ، كان قد أخني عليهما الدهر ، ونالت منهما الاحداث والخطوب ، فى هذه البلاد خاصة وهى منشأ الفصاحة والبلاغة والشعر بما لم تنله منهما فى أي بلد آخر من بلاد الله !

كان العصر الذي عاش فيه هذا الشاعر ، عصرا راكدا ، بكل معنى الركود ، ولم تكن هذه جناية العصر ، او اهل العصر ، وانما كانت جناية ألف عام او تزيد . ولد الشاعر ، ابو الحسن عبد الواحد الجوهرى ، أو عبد الواحد الأشرم - كما كان هذا اللقب يغلب عليه فى مكة فى العقد الثامن من القرن الثالث عشر الهجرى ، أو إذا أردت الدقة ، كانت ولادته فى عام ١٢٧٨ ه .

فى عصر من عصور الاضطراب ، وعدم الاستقرار إذا ، ولد الشاعر الأشرم ، وفى عصر لم تكن فيه مدارس للتعليم ، وجد نفسه يسعى لتلقى مبادئ علوم الدين على بعض المشايخ والعلماء .

ويظهر ان الميل الى الشعر كان عنده أقوى من ميله الى العلوم الدينية ، لذلك سرعان ما راى نفسه ينصرف عن المتون ، وينصرف عن شروح هذه المتون ، وحواشى هذه المتون ، الى شىء اخر ، ملأ منه جوانب النفس . . ذلك هو الشعر انصرف الأشرم الى قراءة الشعر أولا ؛ ولكن أى شعر ؟ انه الشعر الشائع فى ذلك الحين ، انه الكلام المنظوم المقفى ، او النظم الموروث عن عصور المتأخرين . .

أنا لا أشك مطلقا فى أنه لوأتيح للاشرم على ما منحه الله من موهبة شعرية اصيلة - لو اتيح له ان يدرس الأدب كما يجب أن يدرسه الأديب ، ولو أتيح له أن يقرأ الجاحظ ، ويقرأ المتنبى ، ويقرأ البحترى ، ويقرأ ابا تمام ، الى جانب المختار من عيون الشعر العربى فى قديمة الزاهر . لا أشك مطلقا فى أنه لو أتيح له ذلك أو شىء من ذلك . . لما كنا نقرأ له الآن إلا شعرا من طراز آخر . . شعرا يختلف كل الاختلاف ، عن شعره الذي وصل الينا ، شعرا لا يبعد أن يصل الى قريب من مستوى شعر البارودى ، فى أسلوبه والفاظه - ولا أقول فى أغراضه ومعانيه - وقد كان البارودى يعيش فى وطنه - ويغنى ويغرد - فى نفس العصر الذي عاش فيه عبد الواحد الأشرم .

ولكن اين . . ؟ اين يمكن لمثل الأشرم فى ذلك العصر المضطرب ؛ او فى ذلك العصر غير المستقر ، او فى ذلك العصر الرا كد ركودا ما بعده من ركود ، ان يصل الى الجاحظ او البحترى وأبى تمام ، أو غير هؤلاء من رجال هذا الرعيل ؟ وإذن فلاعتب على الشاعر المطبوع ، ولا ملام ، إذا لم يستطع أن يقرأ الا ما أمكنه أن يصل اليه . . وقد كان أكثر ما أمكنه أن يصل اليه . . شعرا لا حياة فيه ، كان نظما باردا متكلفا ، كان غزلا أو تغزلا حسيا ، غير صادر عن طبع ، وغير ناشئ عن عاطفة حب ، كما يجب للشعر الغزلي أن يكون !

وان أردت مزيدا ، فاعلم أن الكثرة الغالبة من هذا الشعر الواهن المصنوع ، انما هى تشاطير وتخاميس وتطارير

في ذلك الجو المتلبد الخانق ، لسوء حظ الشعر ، أو لسوء حظ شعراء ذلك الزمن ، فى ذلك الجو ، عاش الشاعر الاشرم ، فاى شعر تراه ينظم ؟ وأى أفكار تراها تجيش فى نفسه ؟ واى الاغراض والموضوعات يمكن أن تشغل منه أعماق الشعور ؟

اهو الشعر السياسي ؟ أو الشعر الاجتماعى ؟ الواقع أننا نظلم الأشرم ، او غير الأشرم ، من شعراء تلك الفترة ، إذا رجونا أن نقرأ لهم شعرا من هذا القبيل . . لماذا ؟ لان العصر إذ ذاك لم يكن عصر جولان فى الأفكار ، ولم يكن عصرا تيقظ فيه وعي القومية ، أو وعي السياسة ، أو وعي الاجتماع

لقد كانت أغراض الشعر ، أو موضوعاته ومعانيه ، طيلة ألف عام أو تزيد ، حبيسة فى هذه البلاد داخل سور من حديد . . وإذن فطبيعي أن لا يغلب على هذه الاغراض والموضوعات ، إلا المديح والرثاء والهجاء تارة . . وإلا شعر - التصوف تارة اخرى . وإلا هذا الشعر الغزلى المتكلف فى معظم الأحيان .

فأي هذه الأغراض والموضوعات ، كان من نصيب الأشرم ؟ ان المجموعة التي امامى من شعر هذا الشاعر ، لا اجد فيها اى قصيدة فى المديح ، او اى قصيدة فى الرثاء ، ولكنى اجد فيها قصيدة واحدة هجئية ، يهجو بها شاعرا من معاصريه . .

فان كانت هذه المجموعة هي كل ما نظمه الأشرم ؛ - وانا استبعد ذلك كان لنا ان نستنتج ان انصرافه عن المديح والرثاء انصرافا تاما فى عصر كان لابد فيه لكل شاعر مشهور ان يمدح او يرثى . . انما هو دليل على روح انطوائية فى هذا الشاعر العاطفى الحساس !

ويبدو لى ان الميل الى الهجاء هو الاخر لم يكن من طبيعة هذا الشاعر أيضا . . لأن قصيدته الهجائية الوحيدة انما كانت ردا منه على زميله ومعاصره " السيد حسين سحرة " فقد كان هذا الشاعر هو الذي بدآه بالشر ، فاراد الأشرم أن يرد هذا الشر ولكن بقصيدة ؛ لعلها هى وقصيدة حسين سحرة معا من أمسخ وأحط ما نظمه شاعر هجاء !

والواقع أن قصيدة الأشرم الهجائية تدل بنفسها على ضعف ملكة الهجاء فيه ، وإذن فلم يكن الاشرم شاعرا هجاء ، الى جانب انه لم يكن من شعراء المديح والرثاء بماو شعراء الفرح والترح . . كما يقول الناقد المعاصر المعروف

" ما رون عبود " . " للبحث صلة " محمد سعيد العامودى

اشترك في نشرتنا البريدية