الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

عبقرية ابن خلدون

Share

1 - شعور ابن خلدون بطرافته :

العبقرية كما ضبطها " ليترى " ( 1 ) استعداد خاص للفكر البشرى يرفع صاحبه الى درجة غير معتادة ، ويجعله قادرا على الخلق والابداع . ففى العبقرية تبدو الطرافة والشذوذ .

ولقد شذ ابن خلدون عن أهل عصره شذوذ العبقرى . فمتى عدت الى مقدمته ، والى كتاب التعريف ، الذى صدر به هذه المقدمة وجدت إشارة إلى شذوذه وتلميحا الى عبقريته فى حكمه على نفسه . فهو يفتخر بأن علم الاجتماع الذى وصل إلى استنباطه في " المقدمة " وسماه " عمرانا بشريا ، وبأن فهمه الجديد للتاريخ ليسا من قبيل المعتاد فى عصره وتبدو طرافته فى تشييده علم التاريخ فى قالب هيكل فلسفى واستنباطه من فلسفة التاريخ علما جديدا هو علم العمران البشرى الذى يبحث فى شؤون البشر من حيث الملك والكسب والصنائع والعلوم .

وقد أشار ابن خلدون فى مواطن مختلفة من كتاب " التعريف الى غرابة نتاجه الفكرى أى طرافته ، فاقرأ قوله : " فأقمت بها ( يريد قلعة بني سلامة وتسمى قلعة تاو غزوت الواقعة في مقاطعة وهران من بلاد الجزائر ) أربعة أعوام متخليا عن الشواغل كلها ، وشرعت في تأليف هذا الكتاب ( المقدمة وكتاب العبر ) وأنا مقيم بها ، وأكملت المقدمة منه على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت اليه فى تلك الخلوة فسالت فيها شابيب الكلام والمعانى على الفكر حتى امتخضت زبد تها وتألفت نتائجها . . " ( 2 ) وتتعدد النصوص فى معنى الشذوذ والنبوغ فى ، التعريف . وفى " المقدمة فها هو يقول فى " المقدمة ، : " وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا ، واخترعته من بين

المناحي مذهبا عحيبا وطريقة مبتدعة " ( 3 ) فإنك ترى ان صاحبنا كان متيقنا من أنه يمتاز بشخصية فذة فى عصره فى الميدان الفكرى .

ولقائل أن يقول : كيف وصل ابن خلدون الى استنباط علمه الجديد علم " العمران البشرى " والى استنباط فلسفته فى التاريخ ؟ فهل اهتدى الى اهتدى اليه في عزلة تامة من دون أن يكون قد خاض غمار الحياة السياسية فى عصره ؟ إن ابن خلدون فضلا عن كونه مفكرا سياسيا له نظرية كاملة فى الملك ( 4) ناشط سياسي ومغامر معا . ولئن كان التفاعل كبيرا بين هذين الناحتين فسننهتم هاهنا خاصة بمكانة ابن خلدون فى الحياة السياسية فى عصره .

2 - ابن خلدون والحياة السياسية :

عمت الفوضى الاقطار الاسلامية في عصر ابن خلدون وكثرت فيها التقلبات فكانت بمثابة القاعدة السياسية يومئذ . وشابه ابن خلدون عصره اذ تقلبت ( حياته ) بتقلبات حياة الممالك الاسلامية فى عصره وتلونت بلونها القاتم المرء ( ٥ ) فمتى نظرت فرأيت شذوذه عن أهل عصره وطرافته في العلم الجديده الذي استبطه حكمت بأنه كشعاع من نور ساطع السمع فيجأة في الديجور ، ديجور العالم الاسلامي يومئذ ، فبهر الابصار وملأها فكأنها لم تبصر وقد حاول ابن خلدون لما فى نفسه بهم والتفرقه على أهل عصره تبوق مكانة " من قوة الموهبة وعلو الهمة " ( 6 ) ولتفوقه على أهل عصره تبوؤ مكانة سياسية هامة ، بخوض غمار الحياة السياسية وبالمشاركة فى مؤامرات تحاك في البلاطات . وهذا " تعريفه يدل على أنه لم يستقر على حال بل انتقل من بلاط إلى آخر حسب الظروف ، فدخل في خدمة السلطان الحفص ثم ما لبث أن تركه قاصدا بلاط السلطان أبى عنان المريني إلا انه تامر عل عليه فحبس ، ثم أطلق سراحه بعد موت آبى عنان . فاقرا قوله فى " التعريف " : وبادر القائم بالدولة الوزير الحسن بن عمر الى اطلاق جماعة

من المعتقلين كنت فيهم ، فخلع على وحملنى وأعادنى الى ما كنت عليه ، وطلبت منه الانصراف الى بلدى فأبى على وعاملنى بوجه كرامته ومذاهب إحسانه الى أن اضطرب أمره وانتقض عليه بنو مرين ( 7 ) ففي النص صدى لمقامه الممتاز عند الملوك والوزراء فى عصره ، فقد كان أولو الامر يومئذ يقدرون قيمته السياسية والفكرية حق قدرها ويشعرون قوى الشعور بأن له شخصية فذة . ولذلك تفهم حرصهم على جلبه الى بلاطاتهم . فهذا القائم بالدولة بعد السلطان ابى عنان قد بادر باطلاق سراحه بعد سجنه وأعاده الى منصبه فى الدولة وكان ابن خلدون كاتب سر السلطان المرينى وصاحب ديوان الإنشاء والمراسم والقابض على خطة المظالم . ولعل تخوف القائم بالدولة المرينى الوزير عمر بن عبد الله من دخول ابن خلدون فى خدمة منافس سياسي يستفيد بنصائحه وخبرته السياسية حدا به الى اطلاق سراحه وإعادته الى منصبه ومنعه من الانصراف الى بلده . ويتضح لك ذلك فى موطن آخر من " التعريف " حيث يقول : فطلبت الرحلة آل بلدى بإفريقية وكان بنو عبد الواد قد راجعوا ملكهم بتلمسان والمغرب الاوسط فمنعني (السلطان المرينى أبو عنان ) من ذلك ( خشية ) أن يغتبط أبو حمو صاحب تلمسان بمكانى فأقيم عنده . ( 8 )

وكانت الحياة لا تطاق يومئذ من جراء الحروب المشتعلة فى شمال افريقية وتقلب الاحول السياسية فيها . فبعد قضاء ثمانى سنين فى المغرب الاقصى قرر ابن خلدون زيارة مملكة غرناطة وكان قد تعرف على ملكها محمد الخامس ابن الاحمر بفاس . ولعل مبرر هذه الرحلة خيبته فى نيل مراميه السياسية بإفريقية وتلمسان وفاس ، وسجل صاحبنا رحلته الى ابن الاحمر فذكر أن نزل بجبل طارق ومن هناك راسل السلطان ووزيره لسان الدين ابن الخطيب يعلمهما بقدومه فرحبا به . فاقرأ قوله من كتاب " التعريف " : " ثم أصبحت من الغد قادما على البلد وذلك ثامن ربيع الاول عام أربعة وستين ( وسبعمائة ) وقد اهتز السلطان لقدومى وهيأ المنزل من قصوره بفرشه وماعونه وآركب خاصته للقائى تحفيا وبرا ومجازاة بالحسنى ، ثم دخلت عليه فقابلني بما يناسب ذلك " ( 9 ) فهذا يدل على أن ابن خلدون حظي في عصره بمكانة

سياسية وفكرية ممتازة وعومل معاملة الملوك والعظماء . وطال مقام ابن خلدون بالاندلس وكلف بمهمة دبلوماسية ، فقال " توماس ارفنق " فى هذا الصدد فبعد سنة ونصف من وصوله الى غرناطة كان من المتوقع ان يصبح ابن خلدون سفيرا لدى " بطره بن الفنش " ( 10 ) ووفد ابن خلدون على بطره " فوجد من الحظوة والإكرام ما لا يوصف ؛ ولعل ملك اشبيليا " بطره " فطن الى قيمة ابن خلدون كسياسي وعالم وتلقى ارشادات عن شخصيته الفذة مما جعله يسعى في ابقائه في خدمته كما رأى ذلك " ارفنق " وسجل ابن خلدون فى " تعريفه ما حدث في سفرته الى الطاغية ملك قشتالة ودواعى سفرته فقال "وسفرت عنه ( أى عن ابن الخطيب وزير ابن الاحمر بغرناطة ) سنة خمس وستين الى الطاغية ملك قشتالة يومئذ " بطره بن الهنشه بن آذفونش لاتمام عقد الصلح ما بينه وبين ملوك العدوة . فلقيت الطاغية بإشبيلية وعاينت آثار سلفي بها وعاملني من الكرامة بما لامزيد عليه وأظهر الاعتباط بمكاني.(11)

وطلب الطاغية من ابن خلدون أن يقيم عنده ووعده مقابل مقامه بان يرد عليه تراث سلفه بإشبيلية إلا أنه رفض الطلب وعلل توماس ارفنق رفضه لما كان نمتاز به ابن خلدون من فطنة وعبقرية إذ تنبأ بما سيؤول إليه الامر فى الاندلس . فاقرأ قوله : " وقد رفض فيما بعد قبول دعوة تيمورلنك بسمرة مثلما فعل مع بطره وافتخر بذلك . وبالرغم من ان ابن خلدون كان في غربته يبحث عن عمل ( بل نقول عن ولاية ) فإنه تنبأ بالاخطار التى تحدق بمملكتي بطره ومحمد الخامس وكان موقفه يدل دلالة واضحة على توقعه المأساة التى ستحل بإسبانيا الاسلامية وشبه الجزيرة ( 12 ) وما كان ابن خلدون في رأيي ليرضى بالدخول فى خدمة طاغية نصرانى يتربص الفرص لاكتساح ما تبقى من ملك المسلمين بالاندلس مهما كانت الظروف .

3 ) ابن خلدون وابن الخطيب :

وعاد بن خلدون من سفرته هذه الى غرناطة والتقى بالوزير ابن الخطيب ولا بد من التفاتة الى شخصيته الفذة التى تشبه مشابهة كبيرة شخصية ابن

خلدون . فالناظر فى حياة الرجلين يجد بينهما شبها كبيرا ويلاحظ أن عالمنا التونسى يورد رسائل لابن الخطيب في كتاب ليس في الحقيقة مقام هذه الرسائل فهى لاتفيدنا أحيانا كبير إفادة في ترجمة ابن خلدون والتعريف وبرحلته . وإن ابن خلدون أول من شعر بالاقحام ، فاقرأ لتتيقن من ذلك قوله فى " التعريف ، : " فرأيت أن أثبته هنا ( يريد كتاب ابن الخطيب الى ابن الاحمر ) وإن لم يكن من غرض التاليف لغرابته ونهايته فى الجودة وأن مثله لايهمل من مثل هذا الكتاب . . " ( 13 ) فقد كان يرى بينه وبين ابن الخطيب قرابة وتشابها ، إذ شذ ابن الخطيب عن عصره كما شذ عنه ابن خلدون ، وكلاهما شعر بشذوذه وعبقريته . فها هو ابن الخطيب المغامر السياسي يقول لابن الاحمر بعد فراره من غرناطة والتجائه الى المغرب لتوجس الخيفة منه بعد فشل مؤامرته الرامية الى قلب ملك بنى الاحمر : " فإنما كان ابن الخطيب بوطنكم سحابة رحمة نزلت ثم أقشعت وتركت الازاهر تفوح والمحاسن تلوح ( 14 ) ويفيدنا " توماس ارفنق ، مرة أخرى بمعلومات هامة عن ابن الخطيب ويعترف بأن له شخصية فذة في قوله : " فإن هذه الشخصية الفذة كانت تقرب آخر المفكرين العظماء من عرب اسبانيا وهي الجوهرة اللامعة في بلاط غرناطة ، كان شعلة ذكاء . . ومن هذا الوجه يشبه علامتنا التونسي إلا أن ذكاء ابن خلدون يفوق بدون مغالاة ذكاء ابن الخطيب إذ تفطن الى ما لم يتفطن اليه العلامة الاندلسي في ميادين التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع ولا شك في أن هذا التفوق هو الذى حدا بمحمد الخامس ابن الاحمر الى تمتين الروابط بينه وبين ابن خلدون وما كان ابن الخطيب راضيا عن هذه الصداقة المتينة بل كان يدبر لابن خلدون المكائد فاضطر علامتنا التونسي مغادرة الاندلس والالتجاء الى بجاية حيث دخل فى خدمة الامراء الحفصيين

ويعلق ارفنق تعليقا مفيدا على الفترة الثالثة من حياة ابن خلدون أى فترة العزلة العلمية وترك السياسة إذا اعتبرنا حياته منقسمة الى اربع مراحل مرحلة الشباب والدراسة ، ومرحلة المغامر السياسى ، ومرحلة العزلة واستنباط العلم الجديد ، ومرحلة الشيخوخة واستقراره بمصر .

ويقول ارفنق عن الفترة الثالثة من حياة ابن خلدون ، بعد رجوع

صاحبنا ثانية الى الاندلس : فقد عاد بعد عشر سنوات أى سنة 1374 م الموافق لسنة 766 هجرية . بيد أن ابن خلدون الذى قارب الخمسين من عمره أصبح يضجر من السياسة ومكائدها وصرح انه يريد الدراسة فقط . . (16) وتابع ابن خلدون " سيره الى تلمسان بالجزائر حيث لحقت به أسرته مرة اخرى وذلك لان المرينيين خافوا من ذكائه وعبقريته . وهناك بقلعة بني سلامة بدأ دور العالم فى حياة ابن خلدون " (17)

4) التفكير فى نشأة الدول واضمحلالها .

ولم يعلل توماس ارفنق انعكاف ابن خلدون المفاجئ على تصنيف مقدمته ، ولقد حاول الاستاذ الدشراوى تعليل عزلة ابن خلدون العلمية بما ناله من خيبة فى ميدان السياسة فقال : " وتأسي لما ناله من الاستنقاص والحرمان مع ما في نفسه من قوة الموهبة وعلو الهمة وما كان يستحقه من سؤدد المنزلة ورفيع الشأن ، فانكب على الانصاف لنفسه وعرف بشخصه . . (18) ويضيف قوله : " وثأر ابن خلدون لنفسه من ذل الزمن وغى المعاصرين فأنشأ للخلف انشاء بديعا وخلق خلقا فكريا خلده على ممر الاجيال "

فكيف وصل ابن خلدون الى استنباط علمه الجديد ؟ إنه وصل الى ما  وصل اليه بعد النظر في التاريخ نظرة شاملة وبعد التفكير الطويل فى نشاة الدول واضمحلالها في عصره خاصة وفي تاريخ البربر عامة . والدليل على ذلك انه لم بختم " تعريفه بنظريته في الملك عفوا ؛ فالاقرب من الظن أنه استنبط نظريته بعد التفكير في حياته قبل كل شئ . ولا أدل على ذلك من الفصل الوارد في كتاب " التعريف " فقد قدمه كما يلى : " فتنة الناصرى وسياقة الخبر عنها بعد تقديم كلام في أحوال الدول يليق بهذا الموضع ، ويطلعك على أسرار في تنقل أحوال الدول بالتدريج الى الضخامة والاستيلاء ثم الى الضعف والاضمحلال والله بالغ أمره "(19) فهاهنا تبدو قدرة ابن خلدون على النظر الى الحوادث التاريخية نظرة شاملة وتكاد تنحصر طرافته وعبقريته فى قياما بعملية ادماج وجمع ( synthese ) فى العلوم التى عرفها أهل عصره وخاصة فى علم التاريخ .

5) مظاهر عبقريته :

تظهر عبقرية ابن خلدون فى شذوذ " المقدمة ، عن كتب العربية فى مواضيعها وآساليبها . فقد جدد فن التاريخ تجديدا مطلقا وتعدى مرحلة التاريخ الى التفقه فى التاريخ أو فلسفة التاريخ ، ثم ابتكر من فلسفة التاريخ نظرياته فى " العمران البشرى . وتعرض الباحثون الى هذين الناحيتين من عبقرية المفكر فكفونا مؤونة البحث(20 .

وقد بين برانشفيك ، فى فصل عقده عن ابن خلدون (21) أن مقدمته صرخة صرخها عبقرينا لإعلان انهدام صرح المعرفة فيما سبق وانهدام صرح التاريخ كما فهمه السلف . على أن ابن خلدون لم يقف عند هذا الحد إذ حمل رسالة جديدة فبشر بنور المعرفة التاريخية الجديدة المعتمدة على المنهاج العلمى الصحيح وهو التزام قواعد النقد السليم وفهم الحوادث التاريخية فهما جيدا وتحليلها تحليلا علميا مع ابراز عللها ، وضبط قوانين العمران البشرى فها هو يعرف علم التاريخ فى " المقدمة بقوله ! " إنه في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الايام والدول . . وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفات الوقائع وأسبابها عميق " (22) ويقول عن العلم الجديد الذي استبطه فى المقدمة ، وأبديت فيه لاولية الدول والعمران عللا وأسبابا . وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض فى الاجتماع الانسانى من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها (ص 4) "

وأطرف ما فطن اليه ابن خلدون فى عصره ضبطه القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكبرى . ولم يتعصب في ضبطها لفكرة أو لعقيدة لذلك استطاع " ايف لاكوست " مثلا أن يجعل منه ماركسيا ، قبل ظهور كارل ماركس " (23) فابن خلدون ينظر فى الاقتصاد نظرة مادية تاريخية

فيرى أنه مادة ( 24 ) ينتج عن نمو هانمو " العمران البشرى " ) Le uplement human ( فالاقتصاد السليم مادة العمران وأساسه . فاقرأ لمزيد تيقن من ذلك قول ابن خلدون : واعلم أنه إذا فقدت الاعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب ألا ترى الى الامصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة الاعمال الإنسانية وكذلك الامصار التى لكون عمرانها أكثر لكون أهلها أوسع أحوال وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة في البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها " . ( 25 ) فلكى لا يقع تصدع فى العمران والملك ينبغى السهر على استقامة الاقتصاد بتننشيط المعاملات ورفع الانتاج حتى يصبح سادا لحاجيات البشر المتضخم عدده يوما بعد يوم . فاقرأ قوله : " والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالاعمال وسعى الناس في الاعمال والمكاسب ذاهبين وجائين فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الاحوال وابذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة فى طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره خرجت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة " ( 26 ) ويرى أن صاحب الدولة هو المسؤول الاول عن استقامة الاقتصاد الذى به يتم العمران وانه لاسبيل الى العمارة إلا بالعدل . فإن " عدوان السلطان على الناس فى أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم يفضى الى الحلل والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعا بما ينشأ عنه من الهرج المفضي الى الانتقاض ( 27 ) ويبدو جلبا أن نظرته في العمران البشرى نظرة أخلاقية دينية إذ يدافع عن القيم الإنسانية ولا ينادى بضرورة تحديد النسل كما نادى بذلك " مالتوس" ( Malthus) كى لا ينتقض البعضان البشرى باختلال التوازن الضرورى  بين عدد السكان المتزايد يوما بعد يوم والاقتصاد . وتلك هى مشكلة المشاكل في المجتمعات البشرية ( 28 ) وقد أكب ابن خلدون على دراسة هذه المشكلة

فى عصره وان ما أبداه فيها من آراء يبشر بالماركسية أكثر مما يبشر بالمالتزيونية العصرية . فلذلك استطاع " ايف لاكوست ، ) 29( أن يؤول نظرياته الاقتصادية والعمرانية تأويلا ماركسيا .

ولقائل أن يقول بعد هذا إن كثيرا مما نستطرفه عند ابن خلدون نجده عند القدامى كابن الاثير فى " الكامل فى التاريخ ، والمسعودى في "مروج الذهب" وغيرهما . فكثيرا ما يستشهد بأقوال " المسعودى ، مثلا لتدعيم نظرياته فى التاريخ أو العمران البشرى . فها هو يقول بعد أن ذكر أن الدولة " صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة ، : " وانظر في ذلك ما حكاه المسعودي فى أخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك فى إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة . فقال له أيها الملك إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عزة للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبل الى المال إلا بالعمارة ولا سبيل الى العمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرب . . " (30) .

وعثرت فى " مروج الذهب ، على فصل ينبئ بنظرية ابن خلدون فى العصبية ودورها الفعال في قيام الدول واضمحلالها . قال بعد أن أورد قصيدا للكميت ذكر فيه مناقب النزارية ومثالب القحطانية : " ونمي يقول الكميت فى النزارية واليمانية وافتخرت نزار على اليمن وافتخرت اليمن على نزار . وأدلى كل فريق بما له من المناقب وتحزب الناس وثارت العصبية في البدو والحضر فنتج بذلك أمر مروان بن محمد الجعدى ( وهو آخر خلفاء بني أمية ) وتعصبه لقومه من نزار على اليمن وانحرف اليمن عنه الى الدعوة العباسية وتغلغل الامر الى انتقال الدولة عن بنى أمية الى بنى هاشم . . ( 31 ) فكأنى بالمسعودى يرى كما يرى ابن خلدون ان العصبية غايتها الملك الا ان المسعودى وغيره من المؤرخين القدامى لم ينظروا النظرة الشاملة فى التاريخ ولم يتفقهوا فيه ولم يشيدوا علم التاريخ فى قالب هيكل فلسفى ولم يهتدوا الى ما اهتدى اليه ابن خلدون وإن فطنوا أحيانا الى أشياء طريفة بقيت مبعثرة .

وقد اجتنب صاحبنا فى " مقدمته أخطاء القدماء فنبذ الاباطيل والخرافات التى تشين ما كتبه المسعودى وابن الاثير وغيرهما قبله . ففى مقدمته يعتمد على العقل والتجربة ويعلن زوال التقية في العلم وزوال ما كان للدين من سيطرة علم التاريخ فإن الطبرى مؤرخ وهو الى جانب ذلك محدث ومفسر وطغى تفسيره للقرآن على فهمه للتاريخ . أما ابن خلدون فإنه فتح باب حرية الفكر والتخلص من قيود الجبروت الديني ( 32) ، وكان الجبروت الديني مسيطرا قبل ظهور " المقدمة ، على الحديث وعلى الادب والتاريخ . فلذلك تبنى المستشرقون " المقدمة" ، وأقبلوا على دراستها وترجمتها . ولئن كانت " المقدمة" تخلص الى نور العقل وتنفي الجبروت الديني ، فإن ابن خلدون لم يفصل تماما المعرفة القبلية الدينية عن المعرفة العلمية المعتمدة على العقل ، بل مزج فى معرفته عنصرين أساسيين من أسس المعرفة البشرية هما عنصر الدين وعنصر العقل . وهذان العنصر ان قائمان في تفكيره معا وليسا متحدين لانه لا سبيل الى وحدهما بل تضاربا أحيانا . فهو يذكر في مواطن مختلفة من " المقدمة " أن الشرائع المنزلة تحرم على المرء دراسة العلوم العقلية . فاقرأ قوله : " لما انقرض أمر اليونان وصار للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها" ( 33 ) ويهاجم ابن خلدون الفلسفة بدعوى أنها تفسد الدين فيقول : " ( إنها ) عارضة فى العمران كثيرة فى المدن وضررها في الدين كثير ". على أن طرافته فى الحاحه على وجوب الاعتماد فى التاريخ على العقل و التجربة . فإن معجزته في إحداثه ثورة فى تاريخ الفكر البشرى إذ ساعده على أن يتخلص من عبودية الدين والنقل وإن كان فقيها . وكان من المنتظر أن يسير به غذاؤه الثقافي الديني الى طريق المؤرخين القدامى ، لكن ابن خلدون عدل عن طريق الجبروت الديني في التاريخ ( 34) . ألا ترى أنه ميز بين ما هو دين وما هو غير دين أى ميدان العقل ، وقد بين تياى  ( Tilet ) ذلك بوضوح في فصله " تفكير ابن خلدون الفلسفى " المترجم في مجلة " الفكر " ( 3٥ ) فإن ابن خلدون أول من نادى فى ميدانى التاريخ وعلم الاجتماع بوجوب تحرير العقل من عبودية الدين .

على أن العلامة التونسى يدهشنا فى " كتاب العبر ، بما يحوى كتابه من أباطيل وخرافات بينما نادى باجتنابها فى " المقدمة " فمن ناحية نرى فى المقدمة ، بصيرة حادة وفكرا ثاقبا ، ثم نتصفح " كتاب العبر ، فنجد ما يناقض ذلك كله أى تراكم الاخبار بدون تسلسل وربط الاسباب بالمسببات . كما نجد الخرافات والاباطيل . إلا أن العقم مغفور له إذا سلمنا بأنه لا سبيل الى كتابة التاريخ الصحيح إلا بوثائق ثابتة . وهذه الوثائق لم تكن دائما فى متناول له .

ولكن هذا العقم الذى أصاب فى ملاحظته المستشرقون والباحثون كـ "برانشفيك" و " إيف لاكوست" وغيرهما لا يوجد فى القسم الذى يعتمد فيه ابن خلدون فى " كتاب العبر" على خبرته الشخصية ، إذ أصاب في تحليل المجتمعات البشرية التى عرفها ولا حظ ما يجرى فيها عن كثب ، فأصاب فى تحليل تاريخ الحفصيين وبنى عبد الواد وبنى مرين وملوك الطوائف . ولولا " كتاب العبر"  لبقيت جوانب كبيرة من تاريخ هذه الدول مجهولة . فعذره إذن أنه طبق القواعد التى ضبطها فى " المقدمة " كلما استطاع فى ذلك أى كلما وجد الوثائق الكافية أو آطلع على أحوال دول ومجتمعات بشرية تقل فيها . فلا سبيل الى مؤاخذته إذا اعترفنا بأنه لا يمكن كتابة تاريخ صحيح بدون وثائق ثابتة . وهذا ما انتبه اليه " ايف لاكوست " (36) . أضف الى هذا العذر عذرا آخر هو أن معاصرى ابن خلدون أعرضوا عن المقدمة كل الاعراض وكذلك الخلف من المسلمين فى عصور الجمود .

6) فما هى مكانة ابن خلدون فى عصره ؟

إن الناظر فى كتاب " التعريف" يرى أن أهل عصره أعرضوا كل الاعراض عن " المقدمة" فكأن الثورة التى أحدثتها كانت خطيرة عليهم . وكثر يومئذ خصوم ابن خلدون وأشهر من تصدى لمقاومته " ابن عرفة" ممثل المالكية بتونس (37) ولئن أدبر رجال الدين والمحافظون عن مقدمته ، فقد لقى ابن خلدون حفاوة كبيرة من طرف القابضين على زمام الحكم يومئذ ونخص بالذكر منهم أبا العباس السلطان الحفصى الذى أهدى إليه ابن خلدون " كتاب العبر " . فاقرأ قوله : " وقد كلفنى ( السلطان أبو العباس ) بالإكباب على تأليف

هذا الكتاب لتشوقه الى المعارف والاخبار واقتناء الفضائل فأكملت منه أخبار البربر ، وزناته . وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الاسلام ما وصل الي منها ، وأكملت منه نسخة رفعتها الى خزانته " ( 38 ) ويقول ابن خلدون عن علاقته بأبى العباس : " فأقبل على واستدنانى لمجالسته والنجى فى خلوته ، فغص بطانته بذلك ، وأفاضوا فى السعايات عند السلطان فلم تنجح" (39) .

7) مكانته العلمية بالنسبة الى الخلف :

فإن جهل المفكرون ابن خلدون فى عصره فما مكانته بالنسبة الى الخلف ؟ إن الخلف من المسلمين تغافلوا عن المقدمة كل التغافل لا لعجز عن ادراك ما فيها بل لأنهم اعتبروا أن العلم الذي استبطه ابن خلدون بدعة وكل بدعة فى نظرهم خطر على الدين . فكان ادبارهم عن المقدمة تمسكا بالجمود وهو صفة المقلدين المحافظين . فالرأى عند ابن خلدون أن الغيرة هى التى دفعت ابن عرفة وجماعته الى مهاجمته (40) وما كانت الغيرة سببا أصليا في هذه المعركة التى اضطرته الى مغادرة تونس والهجرة الى مصر . ولعل أحسن شاهد على عبقرية ابن خلدون وشخصيته الفذة أنه ظل كاللغز عند الخلف من المسلمين الى أواخر القرن التاسع عشر . لكن العرب انكبوا اليوم على دراسة " المقدمة" ونظموا المهرجانات للاحتفال بذكرى وفاته .

أما المستشرقون والدارسون فى الغرب فقد اهتموا كبير اهتمام به إذ فطن رجال الفكر فى الغرب فى أواخر القرن الثامن عشر وفى القرن التاسع عشر الى نفس الاحكام التى استنبطها ابن خلدون فى التاريخ والعمران البشرى .

وربما حدث اتفاق بين مؤرخنا وبينهم لان العلماء فى الغرب كانوا يجهلون ابن خلدون قبل ظهور " دى سلان " ( De Slane ) الذي عرفه بترجمة مقدمته . فوجه الشبه بينه وبين " دوركايم " ( Durkheim) وأوقيست كونت " (  A . Comte ( و " ماكيافال " (Machiavel) وإن لم يعرفوا حسب ما يبدو ابن خلدون فبعد قرون ظل فيها ابن خلدون مغبونا ومجهولا مقبورا اكتشفه علماء الغرب وأخرجوه من قبره .

لكن لا بد للباحث من أن يتساءل : هل عرف "جان باتيست فيكو "

مقدمة ابن خلدون ومن المعلوم أن "فيكو"أورد نظرية " الدوران" في الحضارة وهى نظرية عزيزة على ابن خلدون . وتبادر هذا السؤال الى ذهن " تياى " )  (Tiliet فأبدى ملاحظة هامة جدا تفتح آفاقا جديدة للبحث ، فى قوله :

ولربما كان لبعض آراء ابن خلدون فى فلسفة التاريخ صدى فى القرن الثامن عشر بفضل مترجمى التراجم العربية اللاتينية بمدارس " بولونيا و " بادو" لاننا نرى فكرة " دوران الحضارة " التى رأيناها عند ابن خلدون فى العلم الجديد قد ظهر بها " جان باتيست فيكو" في علمه الجديد . وأما أن نعلم هل أن الناس قرؤوا أو ترجموا الى اللاتينية آبن خلدون أى " سيلادون " وهو اسم ابن خلدون كما وجدته فى بعض التراجم التى كتبت اسمه هكذا فهذا موضوع بحث آخر" (41)

فهذه الملاحظة تجعل الباحث يتساءل هل لعلماء الغرب فضل السبق فى علم السوسيولوجيا ، أم الفضل كل الفضل لابن خلدون . هذا ما سيثبته البحث العلمي ونحن في انتظار ذلك .

ومهما يكن من أمر فإن علماء الغرب وخاصة المستشرقين انكبوا على دراسة ابن خلدون ، فكأنه ليس من العرب إذ فطن له الغرب قبل أن يفطن الشرق والغرب الاسلاميان . فقد وجد الغربيون فى مقدمته العلم المبني على العقل والتجربة ، وقدروا نداءه الصاخب بوجوب اطلاق الفكر وتخليصه من الجبروت الدينى ، حق قدره

وليس من المغالاة أن نقول إن ابن خلدون بفضل عبقريته الفذة ليس وليد القرن الثامن الهجرى بل هو من أبناء العصر الحديث فكأنه حى يعيش بيننا اليوم ولن يزال حيا وإن بلت بعض آرائه ، وسيظل لغزا إن لم يشحذ الباحثون بصائرهم حتى يهتدوا الى ما اهتدى اليه .

اشترك في نشرتنا البريدية