تظهر عبقرية ابن خلدون فى شذوذ " المقدمة " عن كتب العربية في مواضيعها وأساليبها . فقد جدد فن التاريخ تجديدا مطلقا وتعدى مرحلة التاريخ الى التفقه فى التاريخ أو فلسفة التاريخ ، ثم ابتكر من فلسفة التاريخ نظرياته فى " العمران البشرى . وتعرض الباحثون الى هذين الناحيتين من عبقرية المفكر فكفونا مؤونة البحث ) 20 ( .
وقد بين برانشفيك " فى فصل عقده عن ابن خلدون ) 21 ( أن مقدمته صرخة صرخها عبقرينا لاعلان انهدام صرح المعرفة فيما سبق وانهدام صرح التاريخ كما فهمه السلف . على ان ابن خلدون لم يقف عند هذا الحد إذ حمل رسالة جديدة فبشر بنور المعرفة التاريخية الجديدة المعتمدة على المنهاج العلمي الصحيح وهو التزام قواعد النقد السليم وفهم الحوادث التاريخية فهما جيدا وتحليلها تحليلا علميا مع ابراز عللها ، وضبط قوانين العمران البشرى فها هو يعرف علم التاريخ فى " المقدمة بقوله : " إنه فى ظاهره لا يزيد
على اخبار عن الايام والدول . وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، ويقول عن العلم الجديد الذى استنبطه فى المقدمة وابديت فيه لاولية الدول والعمران عللا وأسبابا . وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض فى الاجتماع الانساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ) ص 4 ( "
واطرف ما فطن اليه ابن خلدون فى عصره ضبطه القوانين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكبرى . ولم يتعصب في ضبطها لفكرة أو لعقيدة لذلك استطاع ايف لاكوست ، مثلا أن يجعل منه ماركسيا " قبل ظهور كارل ماركس " ) 23 ( فابن خلدون ينظر في الاقتصاد نظرة مادية تاريخية فيرى انه مادة ) 24 ( ينتج عن نموها نمو العمران البشرى ، ) le peuplement humin ) فالاقتصاد السليم مادة العمران وأساسه . فاقرأ لمزيد تيقن من ذلك قول ابن خلدون واعلم انه إذا فقدت الاعمال أو قلت بانتقاص العمران تأذن الله برفع الكسب الا ترى الى الامصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد لقلة الاعمال الإنسانية وكذلك الامصار التى يكون عمرانها اكثر يكون أهلها أوسع أحوالا وأشد رفاهية كما قدمناه قبل ومن هذا الباب تقول العامة فى البلاد إذا تناقص عمرانها إنها قد ذهب رزقها ) 25 ( . فلكى لا يقع تصدع في العمران والملك ينبغي السهر على استقامة الاقتصاد بتنشيط المعاملات ورفع الانتاج حتى يصبح سادا لحاجيات البشر المتضخم عدده يوما بعد يوم فاقرأ قوله والعمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالاعمال وسعى الناس فى الاعمال والمكاسب ذاهبين وجائين فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت اسواق العمران وانتقضت الاحوال وابذعر الناس فى الافاق من غير تلك الايالة فى طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره وخرجت أمصاره
واختل باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة " ) 26 ( ويرى أن صاحب الدولة هو المسؤول الاول عن استقامة الاقتصاد الذى به يتم العمران وانه لا سبيل الى العمارة إلا بالعدل . فإن عدوان السلطان على الناس فى أموالهم وحرمهم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم يفضى الى الخلل والفساد دفعة وتنتقض الدولة سريعا بما ينشأ عنه من الهرج المفضى إلى الانتفاض ) 27 ( . ويبدو جليا أن نظرته فى العمران البشرى نظرة أخلاقية دينية إذ يدافع عن القيم الانسانية ولا ينادى بضرورة تحديد النسل كما نادى بذلك " مالتوس "malthus ) كى لا ينتقض العمران البشرى باختلال التوازن الضرورى بين عدد السكان المتزايد يوما بعد يوم والاقتصاد . وتلك هى مشكلة المشاكل فى المجتمعات البشرية ) 28 ( وقد أ كب ابن خلدون على دراسة هذه المشكلة فى عصره وان ما أبداه فيها من آراء يبشر بالماركسية أكثر مما يبشر بالمالتزيونية العصرية . فلذلك استطاع " ايف لا كوست ، ) 29 ( أن يؤول نظرياته الاقتصادية والعمرانية تأويلا ماركسيا .
ولقائل أن يقول بعد هذا إن كثيرا مما نستطرفه عند ابن خلدون نجده عند القدامى كابن الاثير فى " الكامل فى التاريخ " والمسعودى فى مروج الذهب " وغيرهما . فكثيرا ما يستشهد بأقوال " المسعودي مثلا لتدعيم نظرياته فى التاريخ أو العمران البشرى . فها هو يقول بعد أن ذكر أن الدولة صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة " و انظر في ذلك ما حكاه المسعودي في أخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين عندهم أيام بهرام بن بهرام وما عرض به للملك فى إنكار ما كان عليه من الظلم والغفلة عن عائدته على الدولة . فقال له أيها الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عزة للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل الى المال إلا
بالعمارة ولا سبيل الى العمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخليفة نصبه الرب . (
وقد اجتنب صاحبنا في " مقدمته " أخطاء القدماء فنبذ الاباطيل والخرافات التى تشين ما كتبه المسعودى وابن الاثير وغيرهما قبله . ففي مقدمته يعتمد على العقل والتجربة ويعلن زوال التقية فى العلم وزوال ما كان للدين من سيطرة على علم التاريخ فإن الطبرى مؤرخ وهو الى جانب ذلك محدث ومفسر وطغى تفسيره للقرآن على فهمه للتاريخ . اما ابن خلدون فإنه فتح باب حرية الفكر والتخلص من قيود الجبروت الديني ) ١ ( وكان الجبروت الديني مسيطرا قبل ظهور المقدمة على الحديث وعلى الادب والتاريخ . فلذلك تبنى المستشرقون المقدمة . واقبلوا على دراستها وترجمتها . ولئن كانت " المقدمة ، تخلص الى نور العقل وتنفي الجبروت الديني ، فإن ابن خلدون لم يفصل تماما المعرفه القبلية الدينية عن المعرفة العلمية المعتمدة على العقل ، بل مزج فى معرفته عنصرين أساسيين من أسس المعرفة البشرية هما عنصر الدين وعنصر العقل . وهذان العنصران قائمان في تفكيره معا وليسا متحدين لانه لا سبيل الى توحيدهما بل تضاربا أحيانا . فهو يذكر فى مواطن مختلفة من " المقدمة ، أن الشرائع المنزلة تحرم على المرء دراسة العلوم العقلية . فاقرأ قوله لما انقرض أمر اليونان وصار للقياصرة واخذوا بدين النصرانية هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها " ) 32 ( ويهاجم ابن خلدون الفلسفة بدعوى أنها تفسد الدين فيقول : ) إنها ( عارضة فى العمران كثيرة فى المدن وضررها في الدين كثير على ان طرافته فى الحاحه على وجوب الاعتماد فى التاريخ على العقل والتجربة . فإن معجزته فى إحداثه ثورة فى تاريخ الفكر البشرى إذ ساعده على أن يتخلص من عبودية الدين والنقل وإن كان فقيها . وكان من المنتظر أن يسير به غذاؤه الثقافي الديني الى طريق المؤرخين القدامى ، لكن ابن خلدون عدل عن طريق الجبروت الدينى فى التاريخ ) 33 ( . ألا ترى انه ميز بين ما هو
دين وما هو غير دين اى ميدان العقل ، وقد بين " تياى " ) اTille ذلك بوضوح فى فصله " تفكير ابن خلدون الفلسفى ، المترجم في مجلة الفكر " ) 34 ( فإن ابن خلدون أول من نادى فى ميدانى التاريخ وعلم الاجتماع بوجوب تحرير العقل من عبودية الدين .
على أن العلامة التونسي يدهشنا فى كتاب العبر " بما يحوى كتابه من أباطيل وخرافات بينما نادى باجتنابها فى " المقدمة " فمن ناحية نرى فى المقدمة " بصيرة حادة وفكرا ثاقبا ، ثم نتصفح " كتاب العبر فنجد ما يناقض ذلك كله أى تراكم الاخبار بدون تسلسل وربط الاسباب بالمسببات . كما نجد الخرافات والاباطيل . إلا أن العقم مغفور له إذا سلمنا بأنه لا سبيل الى كتابة التاريخ الصحيح إلا بوثائق ثابتة . وهذه الوثائق لم تكن دائما فى متناوله .
ولكن هذا العقم الذي أصاب في ملاحظته المستشرقون والباحثون ك برانشفيك و " إيف لاكوست ، وغيرهما لا يوجد فى القسم الذي يعتمد فيه ابن خلدون فى " كتاب العبر " على خبرته الشخصية ، اذ اصاب فى تحليل المجتمعات البشرية التى عرفها ولاحظ ما يجرى فيها عن كثب ، فأصاب في تحليل تاريخ الحفصيين وبني عبد الواد وبنى مرين وملوك الطوائف . ولولا " كتاب العبر " لبقيت جوانب كبيرة من تاريخ هذه الدول مجهولة . فعذره إذن انه طبق القواعد التى ضبطها فى المقدمة ، كلما استطاع ذلك أى كلما وجد الوثائق الكافية أو اطلع على أحوال دول ومجتمعات بشرية تقلب فيها . فلا سبيل الى مؤاخذته إذا اعترفنا بأنه لا يمكن كتابة تاريخ صحيح بدون وثائق ثابتة . وهذا ما انتبه اليه " ايف لاكوست ، ) 35 ( . أضف الى هذا العذر عذرا آخر هو أن معاصرى ابن خلدون أعرضوا عن المقدمة كل الاعراض وكذلك الخلف من المسلمين فى عصور الجمود

