( نقدم هذا المقال لروح استاذنا فقيد التاريخ الاسلامي المستشرق (( ليفى بروفنصال )) بمناسبة ذكرى وفاته )
طالما آخذنا الطلبة باطلاقهم صفات العبقرية على ابى نواس وابي العتاهية او ابن المقفع والجاحظ او ابن زيدون والمعرى الا ان اللسان انحرج لما نطق بعضهم يوما بعبقرية ابن خلدون ولم نجد فى النفس بدا من الاقرار بما لصاحب (( المقدمة )) من ميزات النبوغ وخصال العبقرية والاعتراف له بالسبق في ميدان المعرفة البشرية .
لقد عاش ابن خلدون فى القرن الثامن ( الهجرى ) عندما كانت اوربا لنصرانية على ابواب (( عصر النهضة )) ( 1 ) قد اخذت تتحفز لثورة فكرية بعيدة المدى وتتاهب لبعث ثقافى كان له من الشان ما كان في القرون التالية . اما العالم الاسلامى فقد كان يقاسى اذاك آلام التقهقر والانحطاط قد دهمه خطر التتر شرقا وعبثت به الفتن والاضطراب غربا فشاهد ابن خلدون ما شاهد من انطفاء قبس الاسلام وانقراض حضارته بالاندلس وابصر ما ابصر من مظاهر الضعف والانحلال بالمغرب وراى نور المعرفة قد فتر وسوق العلم قد كسدت والفكر قد يبس وتجمد بعد ما كان له من الغضارة وغزارة الحياة .
فكان القرن الثامن اذن عهدا قد تم فيه تحول هام للمدنية من الشرق الى الغرب ومن البحر الابيض المتوسط الى أوربا فتقلص اذاك سلطان الاسلام تقلصا وفتر اشعاع الهلال فتورا بينما انبعث الصليب انبعاثا جارفا واشتدت شوكته وانفتحت ربوعه لتيارات العلم والثقافة ونفضت دياره ما تراكم عليها من غبار القرون الوسطى المظلمة .
وقد تقلبت حياة ابن خلدون بتقلبات حياة الممالك الاسلامية فى عصره وتلونت بلونها القاتم المر وتأسى لما ناله من الاستنقاص والحرمان مع ما فى نفسه من قوة الموهبة وعلو الهمة وما كان يستحقه من سؤدد المنزلة ورفيع الشأن . فانكب على الانتصاف لنفسه وعرف ( 2 ) بشخصه ورسم صورة له
غير التى رسمها له اهل عصره بل وصفها كما اراد ان يتصوره الخلف وكما رأى نفسه حقا لم يتأنق فى صنعها ويدل على صدقها ما يكسوها من ترفع الاباء وألم الانكار .( 3 )
وأثر ابن خلدون لنفسه من ذل الزمن وغي المعاصرين فأنشأ للخلف انشاء بديعا وخلق خلقا فكريا خلده على ممر الاجيال وغشى على من كان لهم فى عصره من المنازل ما كان وطمس شأنهم طمسا وطواهم فى طيات الاهمال والنسيان .
انعزل ابن خلدون عند اولاد عريف عزلة طويلة ( 4 ) ليخلد ذكره وعصر في ديارهم عصارة فكره وقد سئم حياة الزيف وتركها لاهلها من ذوى السلطان وعلماء التملق ومثقفى الجاه وأدباء البلاط . وفتق ابن خلدون في عزلته تلك الفكر البشرى فتقا اخرجه من غيم التبلد وحرره من الكبت وفكك عنه عصائب التجمد واليببس حتى خرج من عزلته بثمرة كانت مرة فى مذاق اهل زمانه شهية فى مذاقنا وكنز من كنوز المعرفة ادبر عنه معاصروه ونقبل اليوم اليه ونجهد في الاقبال عليه .
فما (( المقدمة )) الا ذاك الكنز نأخذ منه ما احتجنا اليه من نفيس الجوهر لا ينفد معدنه ويزداد بازدياد القطع وينمو بنمو الجني . فهى لدينا لا نفتح صفحة من صفحاتها للتحقيق والثبت الا اضطرتنا الى مزيد القراءة ودعتنا سحرا وجلبتنا جلبا حتى ننسى الضالة ونغفل عن الموضوع المنشود وسبب البحث المرغوب . وانما سر هذا السحر وقوة هذا الاخذ فى شذوذ (( المقدمة )) عن كتب العربية بميزات مواضيعها وخصائص اساليبها تتجلى على صفحاتها عبقرية واضعها فى تجديده فن التاريخ تجديدا مطلقا وابتكاره من هذا التجديد نظريته فى العمران البشرى ووضعه اسس علم الاجتماع الذى نما بأوربا بنمو العمران فيها منذ القرن العاشر ( الهجرى ) وازدهر طيلة القرون التالية الى يومنا ازدهار عظيما .
فليس يميز ابن خلدون عمن سلفه من المؤرخين الا نظره الى فن التاريخ نظرة مطلقة مكنته من ادراك حقيقته الباطنة ومعناه العميق . فبينما ظل المؤرخون كالطبرى او المسعودى او ابن الاثير ( وغيرهم كثير ) يعتبرون التاريخ اناء يملأ بالحوادث والوقائع ويشحن بشتى الخوارق ومختلف الاخبار فطن ابن خلدون الى ما بين التاريخ وموضوعه من صلة جوهرية تتجسم فى ربط اعمال البشر وافعالهم بنواميس كيانهم واحوال حياتهم واوضاع اجتماعهم . فهو يقول : (( فأنشأت فى التاريخ كتابا . . وابديت فيه لأولية الدول
والعمران عللا وأسبابا . . وسلكت فى ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا واخترعته من بين المناحى مذهبا عجيبا وطريقة مبتدعة واسلوبا وشرحت من احوال العمران والتمدن وما يعرض فى الاجتماع الانسانى من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن واسبابها ويعرفك كيف دخل اهل الدول من ابوابها حتى تنزع من التقليد يدك وتقف على احوال ما قبلك من الايام والاجيال وما بعدك . .))
فما ابن خلدون الا مؤرخ كغيره ممن سبقه من المؤرخين الا انه مؤرخ مفكر فلسف التاريخ لانه ادرك ان (( حقيقة التاريخ انه خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال . . ))
وفلسف ابن خلدون التاريخ اذ فكر فى اعمال البشر وامعن النظر في صنعهم وحدق بما رزق من حدة النظر فى منشات الانسان فى اجتماعه ببني الانسان . واى شىء اجل ياترى من اقبال العالم على التفكير فيما صنع الصانع الاول ( عز وجل ) وما يصنع اعز ماصنع اى الانسان هذا الكائن الحي العاقل الناطق ؟
واى عمل افضل من ان يفكر الانسان فيما يفعل البشر على وجه الارض ؟ الم يخلقهم الله للفعل ليعمروا الارض ويسكنوها ويؤهلوها ؟ الم يبدع آدم من طين وانزله الى عالم الطين ليبدع ويتناسل بنوه ويبدعوا ؟ لقد دعا التنزيل الى ذلك وحض عليه الكتاب المقدس فقال عز وجل على لسان محمد ( صلعم )
(( هو انشأكم من الارض واستعمركم فيها )) وعلى لسان عيسى عم (( عمروا الارض وذللوها ))
وان ابن خلدون لما فلسف التاريخ باخضاعه لسلطان الفكر واعمال الراى فى مواده وغربلتها بغربال المنطق استطاع ان يوحد فى معرفته عنصرين اساسيين من اسس المعرفة البشرية هما عنصر الدين وعنصر العقل فابن خلدون كان فقيها قبل ان صار فيلسوفا ( 5 ) فقد تكونا فقهيا متينا وتثقف ثقافة دينية صحيحة تغذى منها اصدق غذاء وطبعته بطابعها طبعا لم تغيره صروف المعرفة فى عصره ولم تبدل من جوهره قط . غير انه فقيه مفكر لانه مؤمن عاقل ولذلك سما ابن خلدون بالفكر الانسانى فى عهده الى اقصى مدارج المعرفة ارتفاعا حيث لا أمر الا للعقل (( دعامة كل الاشياء وافضل ما رزق الله الانسان ومن به عليه )) (6 )
فلا موضوع للتاريخ فى نظر ابن خلدون اذن الا معرفة العمران البشرى ولا موضوع اقدس ( 7 ) ولا افضل ( 8 ) من هذا الموضوع . لذلك ربط ابن خلدون تاريخ الانسان اى التفكير فى عمرانه بالاحوال الاقليمية وعللها واسبابها ووصله باوضاع البيئة وقوانينها وادرك مافى كونه من فاعلية العصبية وتأثير اللحمة الدموية ودور النسب والحسب . ولذلك لمس ابن خلدون ما في ضرورة الاجتماع البشرى من ضرورة الغذاء والحصول على القوت والدفاع عن النفس بالتعاون مع ابناء الجنس . ولذلك راى ابن خلدون وجوب الوازع الذي يدفع البشر بعضهم عن بعض ويحكم بينهم وأبصر ان الانقياد لرئيس حالة طبيعية بمقتضى الفطرة الاولى وهداية السليقة ثم بمقتضى الفكرة والسياسة ولذلك ايضا ربط ابن خلدون العمران البشرى بالحكم خلافة وملكا وشريعة وسياسة وبين ما يخضع له الملك من سنن التطور وما يميته من عوامل الترف وكمال الحضارة وما يقتل الدولة من اسباب البذخ (( فاذا تعين اولئك القائمون بالدولة انغمسوا في النعيم وغرقوا فى بحر الترف والخصب واستعبدوا اخوانهم من ذلك الجيل وانفقوهم في وجوه الدولة ومذاهبها وبقى الذين بعدوا عن الامر وكبحوا عن المشاركة في ظل من عز الدولة التى شاركوها بنسبهم وبمنجاة من الهرم لبعدهم عن الترف واسبابه . فاذا استولت على الاولين الايام واباد غضراءهم الهرم فطبختهم الدولة واكل الدهر عليهم وشرب بما ارهق النعيم من حدهم واستقت غريزة الترف من مائهم وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدن الانسانى والتغلب السياسى
كـــــــــــدود القز ينسج ثـــــــــم يفنى بمركز نسجــــــــــــه فى الانعكـــــــــــــاس
كانت حينئذ عصبية الآخرين موفورة وسورة غلبهم من الكاسر محفوظة وشارتهم في الغلب معلومة فتسمو آمالهم الى الملك الذى كانوا ممنوعين منه بالقوة الغالبة من جنس عصبيتهم وترتفع المنازعة لما عرف من غلبهم فيستولون على الامر ويصير اليهم . .))
وكما وصل ابن خلدون العمران بالملك وابرز اهمية الخطط وحلل ما كان لعهده من المؤسسات تحليلا كليا فانه وصله وصلا جوهريا باوضاع الاقتصاد لعصره وادرك ما للتجارة وشتى الحرف ومختلف الصنائع من عظيم الشأن كما وصله بكافة العلوم الانسانية واظهر خصائص كل علم منها وابرز فضله .
وانما هذه امهات ماطرق ابن خلدون من مواضيع فى (( مقدمته )) ولا يسع هذا المقام البحث فيها كلها ولا تتيح هذه الفرصة التعمق فى احدها
ولكن (( عبقرية ابن خلدون )) وقد سعينا الى بيان اصولها تضطرنا الى وضعها موضع التحليل ثم التقدير النزيه المجرد حتى تتجلى مكانة ابن خلدون فى حقل المعرفة ومنزلته بين المفكرين .
فاننا نحصر ميزة ابن خلدون بالاعتماد على ما تقدم من هذا البحث فى فهم علل الامور وعواملها وفى تحليلها وشرحها شرحا علميا
وذلك ان (( فحول المؤرخين فى الاسلام ( قبله ) قد استوعبوا اخبار الايام وجمعوها وسطروا فى صفحات الدفاتر واودعوها وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها واقتفى تلك الاثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها وأدوها الينا كما سمعوها ولم يلاحظوا اسباب الوقائع والاحوال ولم يراعوها ولارفضوا ترهات الاحاديث ولا دفعوها . فالتحقيق قليل وطرف التنقيح فى الغالب قليل والغلط والوهم نسيب للاخبار وخليل والتقليد عريق فى الآدميين وسليل والتطفل على الفنون عريض وطويل ومرعى الجهل بين الانام وخيم وبيل والحق لا يقاوم سلطانه والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه والناقل انما هو يملى وينقل والبصيرة تنقد الصحيح اذا تمقل والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل . .))
فابن خلدون مؤرخ يزينه كشف ما للاحداث فى شتى مظاهرها من عوامل واسباب والتزامه فى ذلك منهجا يرتكز على قواعد منها وجوب النقد السليم وضبط قوانين العمران واحكام عوامل الاجتماع والسياسة والاقتصاد . .
وان نضع ابن خلدون موضع من سبقه من المؤرخين وندرج (( العبر )) فى سياق (( مروج الذهب )) او (( الكامل فى التاريخ )) فانه يميزه عن المسعودي وابن الاثير ماله من القدرة المطلقة على الملاحظة الجيدة والتفكير المحكم والتبصر بقوانين التطور والتزام النظر والتحقيق والتمحيص والتحليل . فابن خلدون مع ما ينقص كتابه (( العبر )) من الخضوع لما سطر في المقدمة من الاصول قد جدد مفهوم التاريخ تجديدا فبعد ان كان كتاب التاريخ قبله سجلا يخبر فيه عن احوال الماضين كما تناقل ذلك الاخباريون بعضهم عن بعض صار هذا الكتاب عنده بحثا علميا لاحوال البشر ومدنيتهم فى شتى مظاهرها .
الا اننا قد نطالع (( العبر )) ونقف حيارى لما فيه من الاباطيل والاخطاء ونتساءل عن سر هذا التناقض بينه وبين (( مقدمته )) اهى :
نظر وبصيرة وتجربة لفكر ثاقب حاد ذى فطنة ونباهة وقادة ؟ وهو نقل كما نقلوا وتراكم اخبار كما جمعوا ذلك سنة سنة وحشوه حشوا ؟ اهى قواعد قارة لاحوال بشرية وقوانين مسطرة تضبط سنة نمو الاشياء وتطور الاوضاع ؟ وهو فوضى بين حوادث ووقائع لا رابط بينها الا رابط التاريخ السنوى ولا ترتيب لها الا ترتيب الابواب والفصول ؟
قد يظهر مثل هذا التناقض فى قسم من (( العبر )) حيث اعوزت ابن خلدون الوثائق الهامة والمصادر الصحيحة الوثيقة فوقع فيما وقع فيه سلفه من الخطأ والعقم . الا ان هذا التناقض يزول فى قسم جليل من الكتاب حيث يتناول المؤلف احوالا اطلع عليها لمجتمعات بشرية عرفها وعاش بينها ودولا اختبر دواليب الحكم فيها وعاشر حكامها ومارس شؤونها وصاحب اصحاب امرها .
فانما عذر ابن خلدون انه حاول ان يطبق ما وضع فى مقدمته من قواعد وما احكمه فيها من اصول على اوضاع عصره فى جزء هام من كتابه خصه بالبحث فى الدول البربرية بالمغرب
ولا يسعنا الا قبول اعتذاره حيث يقول (( وانا من بعدها موقن بالقصور )) اذ كيف له اذاك ان يؤرخ (( للقبط والسريانيين والفرس وبنى اسرائيل . . )) من غير ان تزل به قدم البحث وان يقصر فى الدرس ؟
اننا لا نؤاخذه بهذا النقص الا شططا فى مذهب علمية البحث ومغالاة فى وجوب النقد المطلق . فصاحب (( المقدمة )) نقد ما استطاع ان ينقد ورفض ما عرف وجها لرفضه وكلما امكنه اعمال الفكر اعمله وتجنب النقل تجنبا فمزيته انه اشترط الادبار عن النقل والرواية والاقبال على منهج جديد لا نجد منه قبله الا نواة تافهة عند الرقيق ( الافريقي )وابن حيان ( الاندلسي ) وابن الاثير ( المشرقى ) - وغيرهم من المخطوطات ولاشك قليل - واسس هذا المنهج على اسس العقل والتجربة وغزارة الثقافة وسعة الاطلاع وابتنى من ذلك هيكلا متينا لعلم التاريخ وجعله فنا (( عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية اذ هو يوقفنا على احوال الماضين من الامم فى اخلاقهم والانبياء سيرهم والملوك فى دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه فى احوال الدين والدنيا فهو محتاج الى ماخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما الى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط لان الاخبار اذا عتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم اصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران
والاحوال فى الاجتماع الانسانى ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق . وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا او سمينا ولم يعرضوها على اصولها ولا قاسوها باشباهها ولاسبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة فى الاخبار فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيما فى احصاء الاعداد من الاموال والعساكر اذا عرضت فى الحكايات اذ هى مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردها الى الاصول وعرضها على القواعد . ))
ومن محاسن ابن خلدون ان نصيب الاطلاع الضافى والثقافة الشاسعة والعلم الغزير لا يتجاوز نصيب التجربة الشخصية والاستقراء والتحليل تم المقارنة والاستنتاج واقرار الاصول واحكام القواعد بضبط العلل والعوامل .
ولعل اجل محاسنه انه ظل صورة ناصعة حية مباشرة لاحوال بشرية اطلع عليها والم بها الماما كليا على ضوء المامه بعناصر المدنية الاسلامية وادراكه لسر نطوراتها منذ ظهور الاسلام فسيطر على موضوع بحثه وأتى بما لا نظير له فى العلوم الاسلامية قبل القرن الثامن وجنى من تفكيره ثمرة شهية لمقدرته الشاذة العجيبة على ابراز القواعد القارة لتحول الاحوال البشرية والقوانين القارة لسنة النمو والتطور على وجه الارض .
وكأنما اراؤه الاجتماعية والاحكام التى استنتجها من ضبط احوال الماضى بقياسها بأوضاع الحاضر لا تنطبق الا على ماضى الاسلام وحاضره عامة وخاصة على ماضى المغرب الاسلامى وحاضره . اجل لقد يعوز مذهب ابن خلدون الشمول والاطلاق كما وضحناه الا ان ذلك لا يشينه بعد ما وضعنا ابن خلدون فى ميزان التقدير وحددنا منزلته فى منازل المعرفة البشرية : فانما (( المقدمة )) كانت صرخة عالية عميقة الاصداء اعلنت عن تصدع هيكل من المعرفة بلى واخني عليه الدهر ونخر عظمه تراكم طبقات السلف على طبقات السلف ومر اجيال التقليد جيلا بعد جيل . لقد بشرت (( المقدمة )) ان النقل قد مات وخوى نجمه وانطوى على اوهامه واباطيله وخرافاته وان العقل قد استقام مطلقا يشع فى فضاء المعرفة بنور الروية والتحقيق والتجربة . وكذلك اعلنت (( المقدمة )) عن زوال ما كان هيمنة الدين الذى طالما قيده مهما تناول من علم وطالما اخضع لسلطانه لاعلم جبروت الدين الذى طالما قيده مهما تناول من علم وطالما اخضع لسلطانه لاعلم القرآن او الحديث فحسب بل اللغة والادب ايضا والكلام والجدل والتاريخ والتراجم . . . الخ .
فمعجزة ابن خلدون انه احدث (( بمقدمته )) ثورة فى المعرفة البشرية هادئة ورصينة لا صاخبة وشعواء عميقة بعيدة الغور لا سطحية وفلتاء ثورة فقيه متشبع بالروح الدينية مؤمن قوى الايمان هيأة غذاؤه الديني الصافى لا للجمود الفكرى والتقليد المنهجى واخذ المنقول نقلا عن نقل بعد نقل ونقل بل للتمييز بين ما هو للعقيدة الدينية وما هو للادراك العقلي بين ما هو لصادق الايمان وما هو لصادق الذهن . ولعل ادل دليل على ما احدثته المقدمة من ثورة هامة وتجديد جليل ان ادبر عنها المعاصرون الاعلام لابن خلدون ونبذوا صاحبها نبذ (( الخارجى )) ونبذوا (( المقدمة )) نبذ البدعة تمسكا لا بحبل الدين بل بحبل التقليد محافظة لا على الاسلام بل على القديم خوفا لا على الايمان بل من كل محدث جديد . ولعل احسن شاهد على ذلك ان غفل عن ابن خلدون خلفه فى العالم الاسلامى او تغافلوا عنه لا جهلا وغباوة بل خوفا من شذوذه ايضا فظل ممنوع الصيت محروم الشهرة .
ولعل اجود مصداق لهذا القول ان فطنت اوربا النصرانية قبل العالم الاسلامى لعبقرية ابن خلدون وادرك الغرب ان ما نودى به عندهم بعد عصر النهضة قد نادى به ابن خلدون قبلها فى احد ربوع الاسلام وان هذا العلم الجديد الذى ازده مع (( اوغست كونت )) او (( دور كايم )) قد وضع صاحب (( المقدمة )) مبادئه الاولى . وينبغى ان لا نجد نحن اليوم حرجا فى القول ان الغرب انصف ابن خلدون عندما اكتشفه المستشرقون وعثروا على كنوزه فانتقموا له من اهل العربية واعطوه حقه من الاعتناء والاحتفاء ولم يهضموه حقه من الحمد والاطراء .
فعبقرية ابن خلدون وليد القرن الثامن انه عصرى جدا بعد مرور ستة قرون عليه وانه وان تعذر على الفهم او استعصى على التحليل كاللغز يظل مبهما يحترز المرء فى تفسيره ويتحرى ويشحذ بصيرته شحذا ينير اليوم الفكر بما من عليه الله تعالى من نور المعرفة ويهديه بما هداه اليه من هدى العلم .
تنبيه :
ليس هذا البحث الا مقدمة لدراسة عن ابن خلدون نرجو اعدادها يوما فمن يرد التوسع فى احد هذه العناصر فليرجع الى ما لدينا اليوم من الدراسات عنه باللغة العربية ( منها بحوث طه حسين وعبد الله عنان وساطع الحصرى . . ) وباللغات الاعجمية منها بحوث , Brunschvig , Gibb, Yves Lacoste Bouthoul ,
La Renaissance ( 1 )
( 2 ) انظر كتابه : التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا
( 3 ) انظر تقديم محمد بن تاويت الطنجى لكتاب (( التعريف )) مع ان راينا يخالف رأيه :
فابن خلدون على ما نظن لم يتأنق فى وضع صورته ولم تكن له غاية الا الدفاع عن نفسه دفاعا نزيها حتى يحكم له الخلف على معاصريه حكما على بينة من امره .
يقول ابن خلدون فى (( التعريف )) : ( 4 ) " ولما نزلت بقلعة ابن سلامة بين احياء اولا عريف وسكنت منها بقصر ابى بكر بن عريف الذى اختطه بها وكان من احفل المساكن واوثقها ثم طال مقامي هنالك وانا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان وعاكف على تأليف هذا الكتاب ( أى (( العبر )) ) وقد فرغت من (( مقدمته )) اى اخبار العرب والبربر . . ))
ويقول ايضا :
(( فأقمت بها اربعة اعوام متخليا عن الشواغل كلها وشرعت فى تأليف هذا الكتاب ( أى (( العبر )) ) وأنا مقيم بها وأكملت (( المقدمة )) منه الغريب الذي اهتديت اليه فى تلك الخلوة فسالت فيها شأبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها ، وكانت من بعد ذلك الفيئة اى تونس .
( 5 ) مع ان دور (( المعرفة الفلسفية )) ( connaissance philosophique ( ابن خلدون اقل من (( المعرفة الدينية )) ( connaissance theologique ( فانظر دليلا على هذا مدى تشبعه بروح التصوف وتضلعة بجواهر (( المعرفة التصوفية ))
(connaissance mystique) في كتابه : (( شفاء السائل لتهذيب المسائل )) فرأينا ان اهمية (( معرفة )) ابن خلدون انما هي فيما فى اصلها من هذه الوحدة الكلية (idendite essentielle ) بين الدين والعقل ( 6 ) ابن المقفع : باب بعثة برزويه الى الهند ( 7 ) بالمعنى الدينى ( 8 ) بالمعنى الاخلاقى

