لا يكادان يصدقان ! هذه السعادة ليست لاهل الارض . لقد علمتهما الحياة . علمتهما أن لا صعود بلا هبوط ولا مد بدون جزر . علمتهما أن الدهر غدار لا يؤتمن كالقط لا يداعب الفار إلا ليستسيغ افتراسه .
أمن المعقول أن يستمر بهما موكب الزمن من هناء الى هناء ؟ أمن المعقول أن يكون التمام بلا زوال ؟ وهذا الوفاق ، ألا ينتهى يوما الى شقاق ألا تخفى لهما الايام مقتلا فى كمين ؟
وسار الزوج والزوجة عبر شوارع المدينة وقد التف منهما ذراعان واشتبكت أصابع .
سارا . كأن ليس فى الكون الا هما لكأنها إياه وكأنه إياها هما كائن واحد فى جسدين
آه ، ما أغبى البشر ! ما لهم ينظرون إليهما هكذا فى استغراب ؟ أمركبة الحظ في السباق عاقتهم عن السبق أو اللحاق ؟ لكأنهم لهذه الوحدة منكرون ! أف لهم من حاسدين
... وسارا ، فى كل زمان موعد وفى كل مكان لقاء . لا يعبئان بالساعات تمر ولا بالشوارع تطوى . هما القوة الجبارة لا شىء يصمد أمامهما فى سبيل .
أمن الغريب أن يخطئ سهم الشقاء مرماه يوما ؟ هما سعيدان . هما كائن واحد قرير العين فواح العيش فما للناس يستنكرون ؟
ثم ما لهما وللناس ! أيهم القافلة الصاعدة نباح الكلاب ؟
وهنا اعترى الزوجة ارتجاف ، فالتصقت بزوجها تنشد دافىء الدليل . وعلت من صدرها زفرة كالانين .
قال " ما لك ترتجفين ؟ " طاطات راسها ثم رفعته والتفتت إليه تحدق في عينيه ترجو الهناء
قالت " الا بد من بعد الصعود هبوط ؟ أليس على الشواهق من قرار ؟ قل " قالها ! نعم ، قالها !
" كلا ! لا استقرار فى حياة ! هى كالنهر لا تطيق السكون ! فى كل بقعة من طريقه معدن جديد ! هنا الاملاح والكبريت ، وهناك حديد وقصدير ، وهنالك ذهب وطين . وعلى كل معدن في النهر صرخة لوليد ! هنا تسود البهجة الرقراقة حينما يتاح للنهر انحدار ! وهناك صخرة صماء سوداء تعوق المسير . ولا حياة للنهر بلا مسير . فيجمع النهر قواه . ينداح ، ثم يهوى موجه الجبار فى صوت الهدير ! هنا . خرير النهر يشدو راقصا ، وهناك . يرتفع العويل ! تلك الحياة ، عزيزتى ، تلك الحياة
فتداعت ، مرة النفس فى خيبة وذهول
هو هذا زوجها يختار الهبوط ، هادئا مستسلما مقطوع الجناح ! ماله يختاره ؟ ماه يلقى السلاح ؟ ما له لا يثور ؟ ما له ؟
كلا ! كلا ، لن تلين ! لتحملن السلاح ! لتحمين عرشها الباسق في صمود!
قالت : " والموت ؟ "
قال : " ذلك استقرار ! فلا صعود ولا هبوط ! ولا خرير ولا هدير ! ولا رقص ولا عويل ! "
قالت:
" ولا هناء ولا شقاء ! إنى الآن أهوى الممات ! آه ، لو تقف الدهور ، إذن لخلدنا الهناء
وسارا وسار النهر فيهما هانئا راقصا فى خرير . واستفاقت فجأة مذعورة كالمجروحة فى الكبد ، ثم هزتها الشكوك .
قالت : " والقلب ؟
قال : " قلب الحياة "
قالت : " ذلك قلب الرجال ! لا يقر له قرار ! "
قال : " لا ! بل كل القلوب ! الحب كالفراشة ترتاد الصدور ! "
قالت " يا ويلنا ! "
قال : نعم ! يا ويلنا ! لا حياة بلا حراك ، وبالحراك تفيق الفراشة فتجلو عن القلوب ! يا ويلنا ! "
وتوقفت . قال :
"تقدمى!" قالت باصرار : "أخشى الحراك ! " قال:
"تقدمى " قالت بهدوء: " لكن ، بهدوء
قال : " ذلك لا يفيد ! بين الحب والكراهية خطوة نملة "
فأعادت في فزع : " خطوة ؟ ! خطوة ؟ ! غير ممكن ! مستحيل ! "
واتصل المسير فى الازقة والارباض . وانتشر الظلام فلا طريق ولا جدار . وإذا صرخة فى الليل يسمعها الظلام وتأوه الزوج بعد أن استقام لعنة الله على البرتقال وآكليه في الشوارع ! لعنة الله على القشور ! وقعت قدمه على قشرة فعاجله انزلاق .
ولم يجد غير كتف الزوجة سندا فتوكا . وتوجه إلى المستشفى لفحص وتمحيص .
وإذا الركبة اليمنى بها انكسار ورضوض .
وتوالت الايام بطيئة ثقيلة ، ومرت الشهور .
وقرع الباب ذات صباح ، فاستفاقت الزوجة من نومها ، واسرعت لفتحه والنفس تبشرها بالخير السعيد .
هذا ممرض يزف لها البشرى . إن زوجها سيعود ! يا لفرحتها ! لقد طالت الايام فأشبعتهما ألم الفراق ! لتعودن إليها سعادتها وأكثر ! إنه العرس الجديد !
توقف الممرض برهة ثم تمتم فى تردد :
" سيدي . تهشمت الركبه . انقطعت عروق . . استحال الترميم . . و و وجب القطع ! إن زوجك الآن كسيح "
وراع الزوجة أن تئد شبابها مع الزوج الكسيح ، فتمردت وتعالت صرخة من صدرها :
" كسيح ؟ ! لا ! لا أريد ! "
وتراءت لها صور المباضع والعظام ، فارتجفت وصاحت : " لا ! لا ! أبعدوه أو أقتلوه ! لقد أخطأ ! إن الخطوة لا تمسخ . انما المسخ فى العثرة ! في العثرة !
واستفاقت على قلبها فراشة الربيع فأخافتها الجراح فأقلعت .

