(( يعود المحرر بعد نحو ستة عشر عاما الى هذا البحث ، مبتدئا هذه المرة بشاعر عالم . . هو الشيخ عثمان الراضى )) .
قبيل البعث الجديد ، للادب ، فى هذه البلاد ، كانت هناك ظاهرة جديرة بالتسجيل والملاحظة . . وتتمثل هذه الظاهرة فى أن كثرة كاثرة ممن كانوا يتعاطون الادب . ( وكان الادب هو الشعر تقريبا فى عرفهم والشعر وحده ) - كان هؤلاء الذين يتعاطون الادب اذ ذاك كثيرا ما يجمعون الى تعاطى الادب ، العلم الدينى . . فترى الشاعر المشهور وهو فى الوقت نفسه عالم مشهور . له دروسه فى المسجد الحرام ، أو المسجد النبوى ، أو غيرهما من المساجد فى غير المدينتين المقدستين من هذه البلاد . . وما كان يضير سمعته العلمية نظم الغزل ، أو نظم الاخوانيات ، أو المديحيات ، وحتى الهجاء كان كذلك ، وما كان يؤثر على سمعته الادبية انكبابه على كراريس الدرس ، وتعاطيه التدريس فى الفقه والنحو والمواعظ وغيرهما . . كان لكل لون من لونى شخصيته الفكرية حدود لا يتجاوزها ولا تطغى على غيرها . . وكانت الامة راضية بهذا اللون
كل الرضا . . وكانت تقدر هذه الشخصية المزدوجة . . الادبية العالمة تقديرا لا حد له . . فهو لديهم شاعر المجالس . وناظم قصائد الطرب , وهو فى الوقت نفسه عالم الحرم , ومبين الحلال والحرام . . وبهذه الشخصية المزدوجة يكسب احتراما مزدوجا وتقديرا مضاعفا .
وترى أديبنا العالم . . ينتج فى حقول الادب أدبا ذا ثمار فقهية أو نحوية أو لغوية . على حسب تخصصه أو ميوله العلمية الاعمق اتجاها كما تراه فى الوقت ذاته يدرس العلوم الدينية والفنون اللغوية ، ويقحم فى كل مناسبة شواهد من الشعر أو شواهد من الامثال الادبية . أو شواهد من الحكايات الادبية . على ما تحتفظ به ذاكرته مما ترعاه من حدائق الادب ورياض الشعر والنثر .
وصاحبنا الشيخ عثمان الراضى كان من هذه الزمرة . . وقد حاز فى
بلده شهرة مدوية . فى الادب ، أى قرض الشعر ، كما حاز شهرة مدوية لكونه عالما من علماء الحرم المكى . . وعالما كان ذا بصيرة واعية ، واتجاهات صحيحة فى الدين لا تؤمن بالخرافة والتخريف ، على طغيان الخرافة والتخريف فى عصره الذى نشأ فيه وشب واكتهل وشاب . .
وعثمان الراضى . . كما يصفه الاستاذ خير الدين الزركلى فى كتابه الجامع (( قاموس الاعلام )) كان أديب الديار الحجازية وشاعرها فى عصره . مولده ووفاته بمكة المشرفة . . وكان كثير الاقامة بالطائف ، وله ديوان شعر مخطوط فى نحو مجلدين ، وله كتاب الانوار المحمدية . وهو مخطوط أيضا ، وله أيضا : شرح بديعية لأحد معاصريه فى نحو ستمائة صفحة , وهو من أكمل شروح البديعيات وأغزرها مادة فى الادب . وله كتاب نقد الرحلة الحجازية للبتنونى ولم يكمله ، وله مؤلفات غير ذلك .
وقد ذكر الاستاذ خير الدين فى ترجمته لشاعرنا الراحل أنه ولد فى عام ١٢٦٠ هـ وتوفى عام ١٣٣١ هـ فله من العمر اذن سبعون سنة ، وهكذا كان المعمرين . .
وصفه وقد حدثنى المرحوم نجله الاستاذ محمد الراضى أنه كان ربعة فى القوم مستطيل الوجه ، أبيض اللون ، متوسط اللحية ، احور العينين ، أزج
الحاجبين ، عريض الجبهة ، أقنى الانف أسيل الخدين . . وتوفى عن ابنه الذى روى له وصفه هذا . . وابنه الثانى الذى مات قبله . .
مجمل حياته العلمية والأدبية : وقد أعطاني المرحوم ( محمد الراضى ) ترجمة خطية قديمة لوالده . . وفيها يقول انه : (( طلب العلم بمكة ، وجد فيه حتى انخرط فى سلك المدرسين والأئمة بالمسجد الحرام ، ثم عرضت عليه فتوى الحنابلة فلم يقبل . . وكان رحمه الله ميالا الى الادب من صغره ، فما زال يطالع كتبه ودواوينه حتى بلغ من ذلك الغاية ، وأصبح من كبار الادباء والشعراء ، يشار اليه بالتبريز والتفوق )) . ذكره خير الدين الزركلى فى كتاب ( ما رأيت وما سمعت ) ص ١٠٢-١٠٦ ولخص القطعة المخطوطة التى عثر عليها بالطائف من الكتاب الذى وضعه المترجم فى نقد الرحلة الحجازية لمحمد ابن البتنونى رحمه الله ، وأورد شيئا من شعره .
أسفاره ورحلاته وحياته السياسية : وتمضى المقطوعة المخطوطة التى سلمنى اياها ابنه محمد الراضى فتروى لنا أنه : (( سافر الى جاوى وما حولها من الجزر ، فالصين واليابان ومصر وسورية والاستانة ، ونزل فيها ضيفا مكرما محتفى به على والدة السلطان ، وأكرم مثواه ، وقد السلطان ، وأكرم وأكرم مثواه ، وقد قدم له شرحه على البديعية المسمى (( الانوار المحمدية )) .
(( وعندما وقع الخلاف بين اليمن والحكومة التركية كلفت هذه الاخيرة أمير مكة اذ ذاك أن يتوسط في الامر فارسل وفدا من علماء الحجاز الى اليمن وكان المترجم أحد أعضائه .
(( ولما وصل الخط الحديدى الى المدينة المنورة أوفدت امارة مكة وفدا من قبلها لحضور الاحتفال فكان ضمن أعضائه ))
وصفه الأدبى : تقول المخطوطة : (( انه كان رحمه الله ذكيا صريحا جريئا ، حلو الحديث حاضر البديهة ، سريع الخاطر . . مال فى آخر عمره الى الاخذ بالحديث ومحاربة التقليد الاعمى ، على ما كان فيه من نفور من الخرافات والبدع . ومات رحمه الله وهو يدافع عن كتب الشيخين الامامين (( ابن تيمية وابن القيم )) . . وكان يجل الاستاذ الامام الشيخ محمد عبده رحمه الله ويعترف بخدماته للاسلام . وكان من قراء (( منار )) السيد الامام فقيد الاسلام رشيد رضا رحمه الله على قلة من كان يقرأ المنار فى ذلك الزمن .
وتصف المخطوطة آثاره . . فتقول ان له (( ديوان شعر فى مجلدين . والانوار المحمدية ، وشرح بديعية عبد الله فريج الطنطاوى فى ٣٠ كراسة ، ورسائل شتى فى علوم اللغة العربية والآداب ، والفقه ، وتعليقات تاريخية على الجداول المرضية للسيد احمد دحلان ، ونقد الرحلة الحجازية للبتنونى ، وتوفى رحمه الله ولم يتمه
. . . وقد فقدت جميع آثاره على أثر دخول الاخوان مدينة الطائف سنة ١٣٤٢ هـ . . اذ انتقل ابنه ( أحمد ) الى الطائف ونقل مكتبة والده معه هناك .
(( ولم يطبع من آثاره رحمه الله سوى رسالة صغيرة فى المناسك على مذهب الامام احمد رحمه الله ، طبعها فقيد الحجاز الشيخ محمد ماجد الكردى رحمه الله )) .
ترجمة الشيخ عبد الستار الدهلوى له : وللشيخ عبد الستار الدهلوى كتاب مخطوط أسماه (( تراجم علماء القرن الثالث عشر )) . وقد ترجم للشيخ عثمان الراضى فى هذا الكتاب فقال عنه انه (( الشيخ عثمان الراضى ابن الشيخ محمد بن أبى بكر بن محمد الراضى المكى شاعر البطحاء ، والديار الحجازية على الاطلاق فى عصره . . وذكر أنه ولد بمكة ونشأ بها وأورد كثرة تردده على الطائف ، ثم قال : انه أجازه كثير من أهل البلاد ومن الواردين وكان من صغره يشتغل بالادب ويلهج به حتى انه مدح غالب أمراء مكة وأشرافها بقصائد غرر مجموعة . . وهنا أورد الشيخ عبد الستار ما أورده غيره عنه . . واضاف الى ذلك قوله : (( كنت كثيرا ما اجتمع به فى دار أستاذنا المحدث الاديب أمام الادب ورئيس المعمرين الافندى عبد الجليل براده المدنى ، ورايته بدار المترجم يكثر من قراءة ذلك الشرح ( أى شرح البديعية ) على العلامة فيستحسنه . ثم قال : (( وله نقد الرحلة الحجازية
للبتنونى ، رأيته حين كان يحرره ويكتبه غير انه لم يكمله وفوجئ بالموت وغير ذلك ))
جولة فى نماذج من شعره : وقد أسعدنى الحظ ، فسلمنى الشيخ محمد الراضى رحمه الله ، نجل شاعرنا الشيخ عثمان الراضى ، نبذة مخطوطة ، ربما كتبت منذ أول هذا القرن الهجرى وهى تحتوى بعض قصائد أبيه . . وكل قوافى هذه المخطوطة رائية . .
وأغلب هذه القصائد مديحيات . . فهذه قصيدة مسهبة ، رائية ، من بحر البسيط ، تقع فى ٣٣ بيتا ، نظمها الشاعر عثمان الراضى عام ١٣٠٤ هـ فى الشريف عون أمير مكة حينما عاد من المدينة الى مكة . . ومطلع القصيدة :
بشائر النصر مقرون بها الظفر
فليهنك الملك لا خوف ولا حذر
ويعنى بالملك هنا امارة مكة . .
سست الأمور بآراء مسددة
من دونها الماضى . البيض والسمر
الى أن يقول :
لو لم تعد لطوانا الدهر من نصب
والنبت يهلك لولا الماء والشجر
وفى هذا البيت قوة فى العبارة ورصانة فى النظم . . الا أن اسناد
حياة النبت الى وجود الشجر بجانب الماء أمر غريب لم أفهمه بعد ، وربما كان للشاعر خيال خاص فى ذلك , وربما كان يقصد عطف كلمة ( الشجر ) على كلمة ( النبت ) أى أن النبت والشجر يهلكان لولا الماء . . وأخال أن هذا هو المقصود بالذات . . فقد شبه عونا اذن بالماء تحيى به الاشجار والنبات ، ويقصد بالاشجار والنبات هنا سكان أم القرى .
وهذه القصيدة من القصائد التاريخية . . قيلت فى مناسبة قوية اذ ذاك وهى مناسبة عودة الشريف عون من المدينة الى مكة . منصورا من قبل الحكومة التركية مؤيدا على خصومه فى بلد الله الحرام . . ولذلك جاءت رنانة طنانة ، وقد استهلها الشاعر اللبق الحصيف بمطلع يدل على البشرى والفتح والنصر والظفر والامن والاطمئنان . .
بشائر النصر مقرون بها الظفر
فليهنك الملك لا خوف ولا حذر
ومن ثم نرى الشاعر الحصيف حينما مضى قليلا فى القصيدة ينثنى الى خصوم عون ، وكانوا أحياء يرزقون . . فيستلطف الامير فى منحهم عفوه . . اذ يكفيهم ما حدث عليهم من الخذلان والتشتت . . وهذا الموقف الظريف يدل على وطنية صادقة عميقة من الشاعر ويذكرنا بموقف أبى الطيب المتنبى مع سيف الدولة فى حربه لقبيلة بنى كلاب . . ففى قصيدته البائية المثبتة فى ديوانه
وقف المتنبى مع سيف الدولة المنتصر على بنى كلاب وقفة تشرف جبين الشعر العربى . . وقد اعاد شاعرنا الراضى تمثيل هذا الموقف نفسه بعد نحو الف عام :
ودع فديتك قوما لا خلاق لهم
يكفيهمو انهم باءوا بما خسروا
لو انهم فعلوا ما يوعظون به
لكان خيرا لهم لكنهم بقر
وهنا نقف مع الشاعر موقف الناقد النزيه . . فما يصح أن يقول عن قومه أنهم بقر ، مع أنهم بشر ، وكان الموقف يتطلب أن يصفهم بما يرقق قلب الامير عليهم ، ويزيل كوامن حقده عنهم . لا أن يصفهم بأنهم بقر . . وسائمة , فهذه اهانة لهم وربما لا ترضى الممدوح نفسه . . اذ يكون أمير بقر . . وهى وان كانت غير مقصودة لكنها لا تؤتى الثمر المنشود . . ولعل للقافية دخلا فى الاتيان بهذه الصيغة نفسها . .
فاذا انتهى الشاعر من مديح عون فى قصيدته انصرف الى مديح شعره نفسه :
واستجل بكرا عروبا عنك راضية
يزهو بها النيران الشمس والقمر
تريك نثر المعانى وهو منتظم
بها ونظم الدرارى وهو منتثر
اشهد أن عثمان الراضى قد أبدع وأمتع فى هذا البيت فى وصف قصيدته . .
ضمنتها ( عرض حالى ) اذ ضمنت لها
حسن القبول ويغنى عبدك النظر
وكلمة ( عرض حالى ) عامية مالوفة اذ ذاك ، فى عهد الاتراك ، وكان يقصد بالعرض حال الاستدعاء والطلب ، وقد اقحم الشاعر هذه الصيغة العامية المألوفة فى قصيدته هنا . . لمناسبة المعنى . . ولا استحسن قوله ( عبدك ) . .
نابت مناب محب عاقه سقم
وكدرت صفوه الارزاء والغير
بتاج عزك قد جاءت مؤرخة
( عون ابن عون على الاعداء منتصر )
وفهمنا من البيت السابق الذى جاء قبل بيت الختام . . أن الشاعر قد بعث الى عون بقصيدته هاته ، لأنه كان مريضا مكدر الخاطر منزعج البال من الارزاء التى حاقت به وربما بعد غياب أميره ومن خصوم الامير الذين يعرفون ان الشاعر كان من المقربين لديه . . فلما أحسوا بزوال عون عن مكة . . قرصوا بعقارب أذاهم شاعرنا فمرض واغتم . . الى أن ازاح كربه عودة أميره وممدوحه الى مقر امارته . .
وللشاعر فى المجموعة التى تحت يدى قصيدة أخرى ليست بالطويلة , مدح بها الشريف شرف البركاتى حين تزوج سنة ١٣٠٦ بطلب منه ، وقد استهلها بالغزل المألوف ، وهى مناسبة تدعو الى التغزل :
أزهت رياض الانس بالزهر ؟
أم ذا ضياء الأنجم الزهر ؟
وفى غزل هذه القصيدة أبيات عامرة :
خطرت تروق العين نضرتها
فى الحسن بين الغنج والخفر
وتبسمت تفتر عن برد
كاللؤلؤ المنظوم والدرر
وقد اختتمها ببيت بديع ضمنه تاريخ الزواج :
فالسعد قد وافى يؤرخه
شمس به زفت الى القمر
وللشاعر قصيدة فى لون يمت الى السياسة المحدودة اذ ذاك بسبب . . فقد طلب منه السيد عبد الرحمن باشا الزاهر أن يمتدح مجلس الولاية وأعضاءه وان يخصه بالذكر من بينهم فقال هذه القصيدة الوجيزة التى لم تتجاوز ثلاثة عشر بيتا . . وقد فهمنا من القصيدة ان مجلس الولاية كان يتألف من أعضاء يراسهم الوالى . . وان والى الحجاز حين ذاك سنة ١٣٠٠ هجرية كان (( المشير عثمان باشا نورى )) :
سمير العلا والى الحجاز الذى غدت
مآثره الحسنى تجل عن الحصر
هو الشهم ذو النورين والسيد المشـ
ير عثمان باشا نورى ذو الرأى والفكر
والشطر الاخير من هذا البيت يعوزه الوزن الصحيح ، وانما جر إلى هذا الخلل فى الوزن ، الرغبة فى سرد اسم وأوصاف الوالى كاملة كما هى تمجيدا لشأنه وان رغم أنف الوزن .
كما فهمنا من القصيدة أن (( عبد الرحمن باشا الزاهر )) كان من أبرز أعضاء مجلس الولاية وقد اختتمت القصيدة ببيت تاريخ . . كما هو دأب الشاعر . . ومن الجدير بالذكر هنا أن أبياته التاريخية لا تكلف فيها . . فهى مشرقة كغيرها ان لم تكن أشرق منه :
فبشرى له قد زان تاريخه به
وطوبى لنا هذا يعين على البر
وهنا تجئ قصيدة أخرى رائية فى وصف (( حديقة ناصر )) أحد ذوى غالب . . وقد ابدع فى وصف البركة وفوارها :
كانما بركته اذ صفت
سماء حسن وصفها سافر
ترقرق الحسن بحافاتها
وشف عن باطنها الظاهر
تخالها من فضة كونت
سال عليها لؤلؤ فاخر
فوارها قام على أعمد
فروعها تيارها مائر
يرمى بماء وهو من تحته
والماء منه ابدا حائر
كأنه سحب بخرطومها
تدلى لبحر لجه زاخر
أو خائف يرتاد أمنا له
فقلبه من فزع طائر
أو عاشق قد غاب معشوقه
فهو عليه دائما دائر
وقد اختتمها كالعادة ببيت تاريخ :
وقال لا نقص به أخوا
روضا كساه حسنه ناصر
وفى المجموعة المخطوطة التى
أعطانيها الشيخ محمد الراضى لوالده والتى أحسب أنها قطعة سلمت من ديوان الشاعر لتضم ( باب الراء ) من قصائده . . أبيات وصف وغزل وارتجال وبديعيات . . وقد اختتمت هذه الابيات ببيتين ترجمهما الشاعر من الفارسية إلى اللغة العربية ، وهذا فن كان مألوفا لدى شعراء ذلك الجيل ، وزعيمهم فيه هو شيخهم العلامة الاديب الشيخ عبد الجليل برادة المدنى :
أيا ويل نيسان روى الكروم
فان لمائك فى الخلق سرا
وان كان يمكنه ان يكو
ن خمرا فديتك لم صار درا ؟

