الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

عجائب وشذوذات قابادو

Share

محمود قابادو نابغة الادب فى تونس للقرن التاسع عشر ، ولكن هذا النبوغ لم يكن نبوغا عاديا ، بل كان شذوذا فى عقله وفى سيرته وفى مداركه وفى حافظته . ثم انتهى الشذوذ الى هذاك الانتاج النابغ مع محافظته على مظاهر السذاجة فى عموم تصرفاتها

هذا الشذوذ قد كان على أشده منذ الصغر . فلقد كان لا يقرأ لوحته أبدا ، لانه مقتننع بنفسه ان قد حفظ نصها من املاء المؤدب مباشرة . . وبالفعل فانه حفظها وهو يكررها على المؤدب حالا دون تردد أو أى اشتباه او غلط. وانتهى به الآمر ان اصبح يستعصى عن كتابة لوحته ، لانه حفظ القرآن من مجرد سماع زملائه الطلبة يكررون على المؤدب ، فهو بذلك السماع قد حفظ القرآن وحفظ المتون . هو صغيرا جدا ، أصغر من جميع الاطفال زملائه, وانتقل الى المدرسة ، فاذا به قد فهم النحو والصرف والبلاغة والبيان ، وهو ما زال صبيا دون الحلم.

وكان ابوه قد تنقل من مدينة صفاقس التى نزل فيها آله عندما ارتات اسبانيا توحيد المذهب والدين فى أندلس . فارغمت المسلمين على التنصر, ففروا زراقات الى المغرب والى افريقيا حيث نزل اكثرهم بالعاصمة والثغور الكبرى ثم توزعوا الى الاطراف التى اتى عليها الوباء العظيم لبضع سنوات ، فعمروها واسسوا المدن والصناعات الجديدة التى لم تكن في افريقيا مبذولة. وقد كان سكنى آباء قابادو عند هجرتهم في مدينة صفاقس حيث توالددوا وصاهروا الصفاقسيين ، بحيث كانت ام الشاعر محمود قابادو صفاقسية. وابوه هو المتنقل من صفاقس الى تونس ، وصناعته اذاك " الزنائدية " يعمل أزندة البندقيات لقدح النار فى بارودها حتى ينطلق رصاصها وفي مدينة تونس ولد له هذا الولد الذى سيصبح أكبر شعراء تونس واستاذ الأداب العربية فى معهد العلوم الحربية فى بلدة المحمدية.

ومحمود قابادو قد ولد بتونس العاصمة سنة 1228 ه الموافقة 1812 ميلادية وكان من صغره غريبة انسانية لامه وايبه . فلما أرسل الى الكتاب - والكتاب هى المدرسة الابتدائية للتعليم الجبرى - فاق جميع اقرانه حفظا للقرآن والمتون وقواعد العلوم . ثم بدأ المدارسة ، فاذا به يفوق جميع أساتذته, اذ أصبح يتكلم اللغة العربية الفصحى مع ان اساتذته انفسهم لا يلتزمون التزامه ولا يقدرون على هذا الانطباع الذى انطبع به الولد على تطبيق القواعد, فاللغة العربية لم تكن لهجتها قد انطبعت على ألسن هؤلاء الاساتذة الذين

يقرئون قواعدها السنين الطوال ، بينما هذا الولد ابن الزناد قد اصبح يتفيقه عليهم وينطلق لسانه باللهجة العربية . . وهو لم يبلغ الحلم بعد .

ثم فجاءة عاد الولد بليدا ، لا ينطلق لسانه بشىء ، ويجلس فى حلقات الدرس كما يحضر كل بليد جاهل متأخر ، واغرب من ذلك انه أصبح لا يحفظ شيئا من متون العلم ولا يكاد يفهم ما يشرحونه له ، بل قد ظهر انه لا يحفظ القرآن نفسه ويكسر صواب الآيات التى تعرض له ، كما انه لا يحسن اعراب ما يقرأة أو يسرده . فضاق به اساتذته وجاء مؤدبه يعجب لهذا التبدل الذي انسلب فيه الولد بعد ان اشرف على عمر الترجل . فهو اليوم فى الثالثه عشرة من عمره, في العمر الذي يبدأ فيه غيره الفهم ، واذا هو قد فقد الحافظة والفهم, واصبح بليدا .

حدثنا اعقابه عن هاته الغريبة ، التى بقى خبرها فى العائلة يقصه الامهات والآباء على الابناء ككرامة لهذا الجد الغريب النابه ، بعد ان مضى عليها اكثر من قرن من الزمن ، اذ سمعتها منهم حول سنة 1932 وقيدتها في مذكراتى لذلك العهد ، وما زال من معارفنا من احفاده الشيخ محمود قابادو الكومندان لفرقة المشاة للجيش التونسي ، وارتقى بعدها الى صف المعاونين الملكيين ثم احيل الآن على التقاعد ، مع محافظته على هيأته وكمالاته وناموسه ، كما يعتز الانسان بانتسابه للجندية النظامية التى تأسست على عهد جده الشيخ محمود ، وكان جده شاعرنا محمود قابادو استاذ الآداب العربية فى معهد العلوم الحربية ( البوليتيكنيك )وهي أول مدرسة عليا قد تأسست على آخر نظام من الاسلوب الاروبى وجلب لها اساتذة فنيون من الايطاليين والفرنسيين وغيرهم من ذوى الاختصاص.

قلنا ان اخبار الشيخ محمود قابادو - شاعر الجزالة فى القرن الماضى بتونس - قد بقيت تدوى غرائبها على الألسن فى تلك الاوساط ، كما تتناقل الكرامات والمناقب واحاديث المعجزات من أفذاذ البشرية المكرمين. قالوا : ما كاد يبلغ الصبي عهد المراهقة حتى اخذ عقله فى التقهقر, فأصبح عنوان التخلف والبلاهة بعد ان كان مظهر الذكاء والنبوغ . وتألم الأب لحال ابنه فجاء به بعنفه امام امه واخوته بعد ان اقفل حانوته فى سوق الزنائدية الذي كان قبالة جامع الزيتونة ، هابطا بالمارة نحو باب البحر من العاصمة التونسية . وكان الولد منكس الرأس لا ينبس ببنت شفة ، وكانما قد بقى له شئ من الادراك للمسؤولية وتأنيب الضمير . ثم دخل الولد الى بيت نومه وخنس فيها . لا يظهر ، ونادوه الى العشاء فلم يستجب . وقال الأب : اتركوه لنفسه لعله يصلح بالجوع اكثر مما عمل فيه الشبع ! ومنع أمه من ان تذهب اليه لتأتي به للعشاء . . . وما كادت العائلة تنتهى من عشائها حتى سمعوا صوت الشاب يرتفع من بيته قويا بينا أنيا رنانا بقراءة

القرآن . فتطلع الأب ليرى هذا الحزم الذى عاود ابنه . فاذا هم يعجبون أن البيت لم تنر فيه شمعته ، والظلام سائد ، والشاب يقرأ القرآن كأحسن الحفاظ .

حار الأب ، فان ولده كان قد غاب عن ذاكرته كل ما كان يحفظه ، ونسي السور الصغر التى يصلى بها الناس جميعا . . فكيف يبدأ الآن بقراءة السور الطوال وهو فى الظلام ؟ وقام الأب بالقنديل الى البيت الذى يصدر منه صوت الولد ، والأم تتبع زوجها فى دهشة ، بين الفرح والاستغراب . وفي الحقيقة فانها لم تكد تصدق ان ابنها الذكى النابه قد نسي كل شئ من محفوظاته, وانه اصبح ابله لا يفيد ولا يرجى لخير.

ولكن الدهشة كانت أعظم عندما دخلوا البيت فلم تقع أعينهم على الولد ، وقلبوا عيونهم ، ثم اشارت الأم الى الصرة الكبيرة فى وسط الفراش . وقرب الوالد الى الفراش . . والقرآن يجلجل طلقا ، بين الاحرف ، يكاد يكون تجويدا ، فى أناة وحسن أداء . . خارجا من الصرة وسط الفراش! لم يجسر الاب ان يحرك الصرة ، وعينا الام تخزر فى دهشة الماخوذ .. فقد رأوا كل شىء . . فالولد فى سراويله . . دخل داخل سراويلاته الفضفاضة وقد أوكأ على نفسه تكة الحزام من داخل ، وهو يجلجل كتابه على ظهر قلب نقيا سليما .

فلم يجسر الأب على شيء... وارتمت الأم على المقعد تجاه الفراش فاغرة الفم لا تنبس ببنت شفة ، وزوجها لا يتحرك مندهشا ينظر العجب . . . والقرآن يتلى بلا تعثر على طرف الثمام . . والتفت الاب للأم ثم جلس اليها وقد أطفأ القنديل . . القرآن يتتالى بصوت ابنهما من الصرة ، والاب لا يقدر ان يكف دموعه ولا هو قادر على ان يقول شيئا يخفف به عن زوجته . . ولا يجسر أحد ان يحرك الصرة أمامها الا ان يبتهلا الى الله في قلبيهما وينتظرا النهاية . . حتى طلع الفجر وتم ختم آخر سورة من القرآن بآخر حرف وبالمعوذة والبسملة . ثم سكت الصوت فجاءة . . ونظرا إلى بعضهما وانتظرا ان يقوم الولد . . ثم تجاسر الاب فتلمس الولد فى الصرة فوجده نائما فيها لا يتحرك ، فلم يجسر على ايقاظه وانسلا الى بيتهما ، والفرح أغلب عليهما ، ثم ناما مجهدين ، فلما أفاقا ذهبا الى الصرة ، واذا بالولد يحاول ان يفتحها على نفسه ولا يهتدى ، فحلاها عليه وخرج منها ، والعرق يتصبب على وجهه . . ولكنهما وجداه أبله كما عنفه البارحة ابوه ، حتى القرآن الذى بات يتلوه قد اصبح منه سليما . .

فما أغرب هذا الحال . . . وما اعظم دهشتهما لهاته الحافظة التى اصبحا يؤمنان بقوتها ولا يصدقهما فيها الناس ما دام الولد لا يسرد شيئا من حفظه وتوالت الايام ولم يفتح الله بشيء مما انغلق على مدارك الصبى ، الذى اخذ يدخل عهد الشباب وهو يزداد تقدما فى بحرانه الغريب . اذ لم يقف عند حد النسيان بل زاد شيئا جديدا موحشا . فقد نسى عوائد الحضارة ونسي

بديهيات الحياة اليومية فضلا عن آداب السلوك . فلم يعد يحسن شيئا مما يحسنه الناس في المعاملة وفي الظهور أمام الناس . وخرج الى الطريق العام حافى القدمين حاسر الرأس ، يشغب على الناس بتذكيرهم " بالله اللة . . الله . . " بعد أن كان من احسن الناس قيافة ومحافظة على ناموس الطالب للعلم.

وانتهى به الحال الى التخلف عن الرجوع الى دار سكناهم فى مواعيد الاكل والشرب ، وربما تخلف عن الدخول لمنام الليل . . حتى اختفى تماما . . إذ هام على وجهه متسوحا في ملكوت الله . وقد يئس أبوه محمد بن محمد بن عمر قابادو.

وبينما محمد قابادو يعمل فى حانوته بالزنائدية اذ جاءه عميل جديد موصى اليه من بلدة طرابلس الغرب ، فاراه ما عنده من صنعه بين الفرد والزوج من الأسلحة الخفيفة والمكحلة والمقرون من الاسلحة النارية للحرب والصيد ( اذ لم يخترع المسدس بعد فى ذلك العصر ) وتبين بالفعل ان ولده فى طرابلس وانه في منعة وصحة جيدة وانه قد تتلمذ الى الشيخ المدنى الذى لقية هناك يؤسس الطريقة المدنية واصبح من مريديه وملازميه ومن حاملى أسراره ، وحدثه عن ظهوره هناك ، كعالم وأديب ، ويتكلم الكلام الشريف على مذهب القوم والتفاسير النفسية والروحانية . . . ولم يكد يتأكد من ثبات صاحبه حتى طار بالبشارة إلى ام محمود ، فقد فتح الله على ابنهما وعادله نبوغه ! وسيرجع ابو محمود اليها ليلامع ضيفه الذى بشره ، وستستمع لحديثه على أبنها, فأعدت العشياء وطيبته بكل ما لديها من خبرة وفرحة ، وهى مستبشرة بان الله قد صدق يقينها بكفاءة ابنها وانه سيعود اليها معافى مكرما.

وبالفعل فان ابنها محمود قابادو قد عاد لتونس سنة 1835 فى الثالثة والعشرين من عمره ناضج الشباب رصين الاناءة بين الفضل ، ولم يكد يرجع للجامع ليتابع دروسه على كبار الاساتذة المختصين حتى رشحه العلامة الشيخ أحمد بن الطاهر لان يتولى تعليم ابن الوزير السابق للحرب ، المرحوم سليمان كاهية ، صهر العائلة المالكة.

ولم يبق فى تونس غير ثلاث سنوات حيث ظهر بافكار سياسية شديدة الاثر ، وخرج اثرها على وجهه مبتعدا ، فركب الى رومة وهو واجف الفؤاد ينشد قصيدته :

أسمعت يوم البين خفق فؤادى ؟

ام كنت مشغولا بصوت الحادى !

وهى رحلة قد اثرت فى نفسه تأثيرا كبيرا نراه يذكرها فى قصائده بعد رجوعه ، بمثل قوله :

رعى الله أياما لنا ولياليا

تطارحنى الآمال وهى مطيعة

ليالي لم اذمم بها شقة النوى

قضيت بأرض الروم منها مآربا

وما عن قلى وليت عنها ركائبى

طويت لها البيداء بين مهامه

سعينا بها للمجد والدهر مسعد

وتغضى جفون النائبات واسهد

ولولا اغترابى كنت أثنى واحمد

وعدت لارض كان لى فيها مولد

ولكنها الاوطان للحر أعود

ويممت لج البحر والبحر مزبد

فهو معتز باقامته فى ايطاليا ، ويذكرها بالحمد ولولا اشواقه الوطنية ما كان يرجع عنها الى تونس ونجده يتحدث عن حسن القبول الذى لقيه برومة واقتبال عظمائها له :

لقيت عظام الروم فى ارض قيصر ولكنه الاكسير ان حسبوا تبرا

ويمكننا ان نرى الكثير من تفاصيل رحلتة لولا خوف الاطالة . وحسبنا ان نعرف انه قد انتقل الى اسطنبول حيث التقى بالوزراء التونسيين الذين أكدوا عليه الرجوع ، فرجع لتونس آمنا مطمئنا معززا مكرما ليتولى تدريس الآداب العربية فى اول مدرسة عليا قد فتحت فى تونس على النظم الاوروبية ( البوليتيكنيك فى بلدة المحمدية ) واستجلب لها مديرها من عظماء الاعلام الايطالية وهو الاميرال كى قارس وأوجبوا تعليم اللغات الاجنبية التى يتوفر فيها كتب المراجعة لفنون الحرب والهندسة والمساحة والحسابيات ، وغيرها من الشعب الضرورية لضباط أركان الحرب . وصاحبنا قابادو الشاعر - قد اصبح استاذ آدابها ومهذب الكتب التى تترجم اليها في تلك العلوم العليا.

هذا وقد اقتصرنا على غريبة واحدة من غرائب عقليته فى صباه ، وله فى كتب من زار تونس من النصارى وغيرهم عجائب قد خلدوها في كتبهم التي طبعوها هناك.

اشترك في نشرتنا البريدية