الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

عجوز التلة

Share

قصة

فى كل يوم كنت أراه يتسلق الهضبة التى يقوم منزلنا الريفى ، فوق قمتها وكان يجلس بالقرب من نافذتى ، تحت شجيرة جوز تشرف على القرية ذاتها وعلى البحر كما تشرف المئذنة الشاهقة على المساكن المجاورة .

وكنت اعجب لامر هذا العجوز الذي يدب على عصاه حاسر الرأس ، لا يرتدى من ألبسة المتمدنين غير سترة ، فوق قميص نوم فضفاض

- ما شأن هذا الرجل ، وما قصده من الجلوس هنا ، تحت نوافذ منزلنا ؟ واقتربت من العجوز ، احييه وادعوه الى تناول فنجان قهوة عندنا . فقبل صاحبنا العرض حالا ، وهو يقول دون ان يتلعثم او تنم كلماته عن اى مركب نقص .

- كلك ذوق . . ان ما كان ينقصني هو هذا . . . الكرم اللذيذ ! وزادتني لهجة العجوز الفصحية ، برغم بساطة مظهره ، وزراية ثيابه ايمانا بأنني حيال انسان كبر ، ولكنه مصاب بصدمة . . عقلية .

وتناولنا القهوة فى تلك العشية . . . والشمس تنحدر نحو الافق بسرعة تفوق سرعتها المعتادة فى كل يوم : فقد كانت الغيوم تتعالى امواجا تحجب البحر وتتسابق للقيا الشمس ، فى كبد السماء

وكان حديث العجوز آسرا أذهلني عن طلب القهوة فورا ، كما اذهل الخادم عن اعدادها ، بعد ان طلبتها .

قال العجوز ، وهو ينظر الى " المدينة " الرابضة تحت أقدام الجبل ، عند شاطئ البحر :

- كنت هناك ، ادير مطبعة كبيرة ! وكنت ازود الصحف بالكثير من اخبار المجتمع ، وانباء التجارة التى مارسها ، والنشاط الادبى الذى دب فى عالم المطبعة ، منذ منتصف القرن الماضى

وفى ذات يوم وجدت نفسى مأخوذا بالعمل الى درجة لم اجد معه وقتا انفقه في الطريق . . . للوصول الى بيتي وتناول غدائي فيه !

قال العجوز هذا كله دون ان يلتفت الى الخادم الذى عاد بفناجين القهوة . . وقد صب فيها السائل الاسود ، خلافا لتنبيها المتكررة . فقاطعنى محدثى وقلت للخادم بشيء من العنف

- لماذا صببت القهوة يا طهماز . . كم مرة طلبت منك احضار " الركوة " . . كى اصب القهوة منها انا بيدى ؟

وسمعت العجوز يضحك من اعماق قلبه ويقول : - ذوقك كذوقي . . تماما ! أنا أكره أن تأتيني القهوة فى الفنجان . . . أحبها وهى تفوح عطرا . . فى ركوتها كى اعود فاصبها بيدى ، واتمتع بهذا المشهد اللذيذ مشركا اكثر حواسى ، لافمي فحسب !

وسكت انا فلم اعلق بشئ ، كما لم يفه الخادم بكلمة . . فقد عرف انه أخطا للمرة العشرين . . . فى خلال سنة واحدة ! وهو على كل حال خادم مهذب . . لانه تربى فى بيت نسيب لنا ، عرف بالشدة وبالشراسة ، وقديما قيل : إذا ساءت اخلاق السيد حسنت اخلاق العبيد وتابع محدثى يقول :

فى ذلك اليوم دعوت " وردة " وكانت المرأة الوحيدة التى تعمل فى المطبعة ، وقلت لها : انا جوعان ، وانت لاشك تعرفين كيف يقلي البيض

وضحكت ورده . . برغم انها كانت أرملة ، وأما لسبعة أولاد صغار ، وقالت : ولو يا شيخ ! ومن يربى هؤلاء الاولاد ، يا ترى ونحن في بيوتنا خادمات وملكات فى وقت واحد ، لا نساء وحسب . . كسيدات هذا الزمان !

واعجبني منها ردها الذكى . فاعطيتها ربع ليرة ، وقلت لها غديني اذن . . من يديك يا وردة احسن بيض فى البلد

وهكذا ذهبت وردة الى اقرب بقال ، فاشترت من عنده - سقيا لتلك الايام الهنيئة الرخيصة - جميع لوازم الغذاء ، بما فيها الخبز والبنادورى والبيض ، نعم خمس وعشرون بيضة وقليل من الزيت لقليها ، جميع ذلك بثلاثة وعشرين قرشا لا غير !

وقلت لها وانا استعرض معلوماتى الطبية ، منذ ولدت حتى بلغت سن الخمسين :

- ياوردة . . لو تفصلين البياض عن الصفار . . فانى افضل المح الاصفر . . . لسهولة هضمة !

وهكذا وضعت وردة فى المقلاة التى اتخذتها من اول وعاء نحاسى تيسر لها وضعت خمسة وعشرين محا . . . وبعض قطع من البنادورى ، متبلة ، بالمح والبهار . . فما بلغ حجمها جميعا مقدار صحن الفول الذى تعودت ان التهمة يوما بعد يوم ، فى المطعم المجاور !

لم يصل الشيخ سليم الكسروانى الى هذا الحد ، حتى غامت عيناه ، وتعكر فيهما ذلك البريق الاخاذ . فخيل الى ان الرجل عاد فاتخم من حديد . . بذكرى ذلك الغداء المشؤوم ولكن لا ان الشيخ . . يدفع " غازة " اختنق بها مجرى النفس ، كانها حصاة سدت انبوب الماء

ومديده المعروفة الى جيب صدارة يلبسها تحت السترة ، فاستخرج منها علبة . . تناول منها مقدار حبة الحمص من مادة بيضاء ، عرفت فيما بعد انها بيكربونات الصودا .

ولما استعاد بعض هدوئه ، قال وهو تشرح كالمختنق :

- هذا . . . من النتائج ! لم اهضم تلك " الوقعة " المشؤومة حتى الان ! وخيل الى ان الخادم قد شرق بدهشته ، حتى كاد هو الاخر يصاب بنوبه من سوء الهضم . فهو من الاشخاص الشرهين الذين يفتكون بكل طعام فتكا لا رحمة فيه ، حتى لانفسهم !

وتابع الشيخ سليم يقول ، بعد فترة : - واصبت على الاثر بنوبة كبدية . . طرحتنى فى الفراش اياما واسابيع ! ولكننى لم اكن لاصدق ان كل ما اصابني ، وما اعانيه من الام . . كان بسبب تلك البيضات . . . الخمس والعشرين

لذلك كنت اصب اللعنات على وردة . . . ومن باعها تلك البيضات الفاسدة كان من المحتم ان يكون غيرنا مسؤولا دائما عن اعمالنا وتصرفاتنا !

وحينما خرجت بدورى من الدهشة التى اثارها هذا الشيخ فى نفس الفتى الذي كنته ، شربت قهوتى باردة كما أوثرها ، بعد ان تنعمت بتنشق عبيرها وهى تتبخر فوق الفنجان الابيض كانها لهلث وجه حبيب ، او عطر زهرة عجيبة .

ثم قلت للشيخ ، وانا اتحدى هذا الدهر الطويل الذى عاشه ، دون ان يعى من اسرار الحياة ما يجنيه المزالق والاخطار

- وكيف غامرت هذه المغامرة . . وانت الرجل الحكيم المجرب - اى حكيم واى مجرب . . حط بالخرج ! عشنا فى ظلام . . مزدوج جهل امهاتنا ومعلمينا وجهل حكامنا وزعمائنا !

قال الشيخ سليم هذا ، ثم افرغ فى جوفه جرعة ثانية من البيكربونات ، لطرد تلك الغازات التى تكاد تخنقه ، وهى تطبق على صدره بضغط يفوق ضغط الجو .

ثم اقعى الرجل العجوز كما يفعل الاسد الجريح ، فخيل الى ان الشيخ قد فقد عقله ، من جديد . ولكن لا ! انه يساعد تلك الغازات على . . مغادرة المضايق التى تتحصن فيها ! فقد علم لحسن الحظ ، بالاختيار ، ان هذه الغازات هي اخف ثقلا . . . من سواها من الاشياء . . . التى فى جوفه . وما غربت شمس ذلك النهار للمرة الاخيرة - غروبا صحيحا ، وراء البحر ، بعد ان غابت مرارا خلف لجج الغيوم وابلات هذا العهن المنفوش العجيب ، حتى كنت قد عقدت مع " عجوز التلة " كما يلقبه اهل القرية ، امتن الروابط التى تبيحها له سنواته السبعون ، ويجيزها لى عمرى الذى لم يكن ليتجاوز التاسعة عشرة

ومنذ ذلك الحين اصبح الشيخ سليم صديقى . . . بل رفيق كل يوم بل كان له ولبيضاته الخمس والعشرين اثر فى نفسى أعمق من ذلك وأبقى فقد علت بعده الى صحبة الشيوخ ، كما يميل لداتى الى معاشرة الشبان وزدت بذلك حلقة اخرى الى سلسلة المتاعب التى تعج بها الحياة : فقد صار على ان اودع في كل عام ، واحيانا في كل فصل ، صديقا من اولئك الاصدقاء الاوفياء .

وكانت تعزيتى الوحيدة عند فقدهم الواحد بعد الآخر ، اننى كنت الربيع الوحيد . . . الذى يأنس بصحبة الشتاء فى بلادى بلاد الربيع الدائم

اشترك في نشرتنا البريدية