قصة
فى كل يوم كنت أراه يتسلق الهضبة التى يقوم منزلنا الريفى ، فوق قمتها وكان يجلس بالقرب من نافذتى ، تحت شجيرة جوز تشرف على القرية ذاتها , وعلى البحر كما تشرف المئذنة الشاهقة على المساكن المجاورة .
وكنت اعجب لامر هذا العجوز الذى يدب على عصاه حاسر الرأس ، لا يرتدى من ألبسة المتمدنين غير سترة ، فوق قميص نوم فضفاض .
- ما شأن هذا الرجل ، وما قصده من الجلوس هنا ، تحت نوافذ منزلنا ؟ واقتربت من العجوز ، احييه وادعوه الى تناول فنجان قهوة عندنا . فقبل صاحبنا العرض حالا ، وهو يقول دون ان يتلعثم او تنم كلماته عن اى مركب نقص .
- كلك ذوق ... ان ما كان ينقصنى هو هذا ... الكرم اللذيذ ! وزادتنى لهجة العجوز الفصحية ، برغم بساطة مظهره ، وزراية ثيابه , ايمانا بأننى حيال انسان كبر ، ولكنه مصاب يصدمة ... عقلية .
وتناولنا القهوة فى تلك العشية ... والشمس تنحدر نحو الافق بسرعة تفوق سرعتها المعتادة فى كل يوم : فقد كانت الغيوم تتعالى امواجا تحجب البحر وتتسابق للقيا الشمس ، فى كبد السماء .
وكان حديث العجوز آسرا أذهلنى عن طلب القهوة فورا ، كما اذهل الخادم عن اعدادها ، بعد ان طلبتها .
قال العجوز ، وهو ينظر الى " المدينة " الرابضة تحت أقدام الجبل ، عند شاطئ البحر :
- كنت هناك ، ادير مطبعة كبيرة ! وكنت ازود الصحف بالكثير من اخبار المجتمع ، وأنباء التجارة التى أمارسها ، والنشاط الادبى الذى دب فى عالم المطبعة ، منذ منتصف القرن الماضى .
وفى ذات يوم وجدت نفسى مأخوذا بالعمل الى درجة لم اجد معه وقتا انفقه فى الطريق . . . للوصول الى بيتى وتناول غدائى فيه !
قال العجوز هذا كله دون ان يلتفت الى الخادم الذى عاد بفناجين القهوة . . وقد صب فيها السائل الاسود ، خلافا لتنبيهاتى المتكررة . فقاطعت محدثى وقلت للخادم بشىء من العنف :
- لماذا صببت القهوة يا طهماز ... كم مرة طلبت منك احضار " الركوة " ... كى اصب القهوة منها انا بيدى ؟
وسمعت العجوز يضحك من اعماق قلبه ويقول : - ذوقك كذوقى ... تماما ! أنا أكره أن تأتينى القهوة فى الفنجان ... أحبها وهى تفوح عطرا ... فى ركوتها كى اعود فاصبها بيدى ، واتمتع بهذا المشهد اللذيذ مشركا اكثر حواسى ، لافمى فحسب !
وسكت انا فلم اعلق بشئ ، كما لم يفه الخادم بكلمة ... فقد عرف انه أخطا للمرة العشرين ... فى خلال سنة واحدة ! وهو على كل حال خادم مهذب ... لانه تربى فى بيت نسيب لنا ، عرف بالشدة وبالشراسة ، وقديما قيل : إذا ساءت اخلاق السيد حسنت اخلاق العبيد ! وتابع محدثى يقول :
- فى ذلك اليوم دعوت " وردة " وكانت المرأة الوحيدة التى تعمل فى المطبعة ، وقلت لها : انا جوعان ، وانت لاشك تعرفين كيف يقلى البيض !
وضحكت ورده ... برغم انها كانت أرملة ، وأما لسبعة أولاد صغار ، وقالت : ولو يا شيخ ! ومن يربى هؤلاء الاولاد ، يا ترى ونحن فى بيوتنا خادمات وملكات فى وقت واحد ، لانساء وحسب ... كسيدات هذا الزمان !
واعجبنى منها ردها الذكى . فاعطيتها ربع ليرة ، وقلت لها غدينى اذن .. من يديك ياوردة احسن بيض فى البلد !
وهكذا ذهبت وردة الى اقرب بقال ، فاشترت من عنده - سقيا لتلك الايام الهنيئة الرخيصة - جميع لوازم الغذاء ، بما فيها الخبز والبنادورى والبيض ، نعم خمس وعشرون بيضة وقليل من الزيت لقليها ، جميع ذلك بثلاثة وعشرين قرشا لاغير !
وقلت لها وانا استعرض معلوماتى الطبية ، منذ ولدت حتى بلغت سن الخمسين :
- ياوردة ... لو تفصلين البياض عن الصفار ... فانى افضل المح الاصفر ... لسهولة هضمة !
وهكذا وضعت وردة فى المقلاة التى اتخذتها من اول وعاء نحاسى تيسر لها وضعت خمسة وعشرين محا ... وبعض قطع من البنادورى ، متبلة ، بالمح والبهار ... فما بلغ حجمها جميعا مقدار صحن الفول الذى تعودت ان التهمه يوما بعد يوم ، فى المطعم المجاور !
لم يصل الشيخ سليم الكسروانى الى هذا الحد ، حتى غامت عيناه ، وتعكر فيهما ذلك البريق الاخاذ . فخيل الى ان الرجل عاد فاتخم من حديد ... بذكرى ذلك الغداء المشؤوم ولكن لا ان الشيخ ... يدفع " غازة " اختنق بها مجرى النفس ، كانها حصاة سدت انبوب الماء .
ومديده المعروفة الى جيب صدارة يلبسها تحت السترة ، فاستخرج منها علبة ... تناول منها مقدار حية الحمص من مادة بيضاء ، عرفت فيما بعد انها بيكربونات الصودا .
ولما استعاد بعض هدوئه ، قال وهو تشرح كالمختنق :
- هذا . . . من النتائج ! لم اهضم تلك " الوقعة " المشؤومة حتى الان ! وخيل الى ان الخادم قد شرق بدهشته ، حتى كاد هو الاخر يصاب بنوبة من سوء الهضم . فهو من الاشخاص الشرهين الذين يفتكون بكل طعام فتكا لارحمة فيه ، حتى لانفسهم !
وتابع الشيخ سليم يقول ، بعد فترة : - واصبت على الاثر بنوبة كبدية . . . طرحتنى فى الفراش اياما واسابيع ! ولكننى لم اكن لاصدق ان كل ما اصابنى ، وما اعانيه من الام . . كان بسبب تلك البيضات . . . الخمس والعشرين !
لذلك كنت اصب اللعنات على وردة . . . ومن باعها تلك البيضات الفاسدة كان من المحتم ان يكون غيرنا مسؤولا دائما عن اعمالنا وتصرفاتنا !
وحينما خرجت بدورى من الدهشة التى اثارها هذا الشيخ فى نفس الفتى الذى كنته ، شربت قهوتى باردة كما أوثرها ، بعد ان تنعمت بتنشق عبيرها وهى تتبخر فوق الفنجان الابيض كانها لهاث وجه حبيب ، او عطر زهرة عجيبة .
ثم قلت للشيخ ، وانا اتحدى هذا الدهر الطويل الذى عاشه ، دون ان يعى من اسرار الحياة ما يجنيه المزالق والاخطار
- وكيف غامرت هذه المغامرة . . وانت الرجل الحكيم . . . المجرب ! - اى حكيم واى مجرب . . . خط بالخرج ! عشنا فى ظلام . . . مزدوج , جهل امهاتنا ومعلمينا وجهل حكامنا وزعمائنا !
قال الشيخ سليم هذا ، ثم افرغ فى جوفه جرعة ثانية من البيكربونات ، لطرد تلك الغازات التى تكاد تخنقه ، وهى تطبق على صدره بضغط يفوق ضغط الجو .
ثم اقصى الرجل العجوز كما يفعل الاسد الجريح ، فخيل الى ان الشيخ قد فقد عقله ، من جديد . ولكن لا ! انه يساعد تلك الغازات على . . . مغادرة المضايق التى تتحصن فيها ! فقد علم لحسن الحظ ، بالاختيار ، ان هذه الغازات هى اخف ثقلا . . . من سواها من الاشياء . . . التى فى جوفه . وما غربت شمس ذلك النهار للمرة الاخيرة - غروبا صحيحا ، وراء البحر ، بعد ان غابت مرارا خلف لجج الغيوم وابلات هذا العهن المنفوش العجيب ، حتى كنت قد عقدت مع " عجوز التلة " كما يلقبه اهل القرية ، امتن الروابط التى تبيحها له سنواته السبعون ، ويجيزها لى عمرى الذى لم يكن ليتجاوز التاسعة عشرة
ومنذ ذلك الحين اصبح الشيخ سليم صديقى . . . بل رفيق كل يوم بل كان له ولبيضاته الخمس والعشرين اثر فى نفسى أعمق من ذلك وأبقى . فقد علت بعده الى صحبة الشيوخ ، كما يميل لداتى الى معاشرة الشبان . وزدت بذلك حلقة اخرى الى سلسلة المتاعب التى تعج بها الحياة : فقد صار على ان اودع فى كل عام ، واحيانا فى كل فصل ، صديقا من اولئك الاصدقاء الاوفياء .
وكانت تعزيتى الوحيدة عند فقدهم الواحد بعد الآخر ، اننى كنت الربيع الوحيد . . . الذى يأنس بصحبة الشتاء فى بلادى بلاد الربيع الدائم .

