الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

عروج

Share

قصة

الورقة مربوطة الى الصدر. الشمس تصعق ضوءا وحرارة. أسير والتفت ورائى. من حين لآخر، لا أحد. لم ينته الى مسمعي الا نهيق شىء بعيد. واصلت السير. منذ حين بدأت أنفاسى تغط برائحة الميتة. اتجهت نحو مصدر الرائحة. كالغراب، استعمل أنفى لاكتشف الجيفة. الى ان وصلت. انها سوداء، مطروحة على حافة سرداب من سراديب الشعبة، ملقاة على ظهرها، أرجلها الاربع مطنشة، نحو السماء. رأسها مصلوب. مفتوحة العينين. لم يمسسها أى أذى، الا الدود الذي ينخر اليتها. عصبت على أنفي. اخرجت الموسى. رفعت رأسي الى السماء. نزلت على ر كبتي. اغمدت الموسى فى صدرها. شققته. أدخلت يدى تحسست، الى ان وجدت القلب. اخرجته. مددت يدى الى صدرى، تناولت المحفظة، فتحتها، أخرجت منها الورقة ثم أرجعتها. لففت الورقة مثل المسمار. وضعتها فى الوريد. ضغطت الى ان غابت. أرجعت القلب الى الصدر ثم دفعت الشاة برجلي اليسرى فسقطت في السرداب. وقفت واعتدلت متجها صوب المقبرة. سرت مرفوع الرأس وكأني أنفذ قرارات خطيرة سوف تكيف العالم تكييفا جديدا.

أمام باب المقبرة، أسندت ظهري الى جذع شجرة، نمت نوما مصطنعا فى انتظار الليل.

جاء، كأنه رجل غريب غامض. نظرت في وجهه كأننا متفقان أو متواطئان على شئ رهيب. لم يقل لا. لم يقل أي شيء. دخلت، اتجهت نحو... وقفت عند ...

يا صاحب الـ ... ! هذه الورقة. الورقة وابتلعت الكلام

الآخر ... ها أنا أجعلها عند رأسك وتحت ذلك اللحد الذى هددت صدري لارفعه. أمانته عندك. فلان ابن فلان الفولاني وفلانة بنت فلانة الفولانية. الانساب. المقربون. أصدقاء الدراسة. كل الذين يحافظون على السر ونعول عليهم عند الحاجة. والآن بقيت الكلمة. عفوا، الكلمة، لقد نسيتها. انها على كل حال كلمة، رنانة، محبوبة، يحبها الشعب. تلك الكلمة القوية. نعم يحبها، لا، على الاخص أصناف من الشعب.

تلك الكلمة؟ تلك الكلمة؟ الا تعرفها؟ أيها المنسي. يا حب القبر. تلك الكلمة الجليلة، العظيمة. التى تقع من أجلها الثورات. وتقع من أجلها الفوضى، وتقع من أجلها الوقائع، ويصبح من أجلها الشيب شبانا ويشيب من أجلها الرضع الكلمة. تلك الكلمة. ألا تعرفها؟ التى تبدأ بها الخطب، وتعلق من أجلها المعلقات وتلتئم من أجلها العكاظيات. وماذا أيضا؟ نعم وتركز حولها الحملات الإنتخابية. تلك الكلمة النبيلة. القوية. نعم. ألا تعرفها؟ تلك الكلمة. لا. عفوا ربما ليست كلمة، لعلها فكرة. على كل حال أستطيع ان أصفها لك: انها خارقة. كأنه قيل كوني فكانت. لا. لم تكن كالحجارة ولا هي أشد قسوة. ولكن حقيقة انها صلبة. أعتذر لك. اذ أنني لا استطيع ان استعمل الالوان ربما فقط نوعا من المواد: ألاسمنت مثلا، الفولاذ، الجلد الطرى، أو ربما الجلد المدبوغ. أووو أو. لماذا نسيت هذه الكلمة! قتل الإنسان ما أكثر نسيانه أنظر. كلمة أو ربما فكرة أو شيئا يبنى بالايدى؟ ولا يولون الدبر حتى يتم بناؤه. أعتذر على هذه النعوت. ولكن ليس هنالك شك في أنك أدركت وفهمت، وتحققت وحصل لك احساس قوى عن تلك الكلمة القوية، مع اعتذارى عن الغموض والشمول. وقلة الالوان. وعنف الاشكال فى الوصف الذى استعملته لتلك الكلمة القوية التى حصل لك عنها شعور قوي. غامض. وعنيف. أمانته عندك. عند رأسك. تحت اللحد الذى هددت صدرى لارفعه. الى ان ... الى ان يلج الجمل في سم الخياط وتفقد الكلمة قوتها. ويخربون أنوفهم بأيديهم.

ويمخورون ديارهم باصابعهم. هى أمانته، ملفوفة في خرقة سوداء من كساء أسود. والان سوف أخرج، أخرج، وكأن المقبرة تخرج من عقلي ومن عرقي ومن جميع أعضائي كما يخرج الميت من الدار.

رفعت رأسي ودخلت المكان ... المكان أين يوجد سيدي. المكان. ولا تحسن كلمة أخرى فى هذا المقام. المكان الثابت المقاييس. المحدود المقاييس. المقنن المقاييس. المكان. ولا تحسن كلمة أخرى فى هذا المقام. رفعت رأسي ودخلت المكان لاعلم سيدي بصوت وقور يمتد فى الزمان بأناة واعتدال. لاعلمه بذلك الصوت. لاعلمه انني نفذت.

اجتزت كل الابواب، صافحت جميع الناس، هنؤوني ولا شكر على واجب. صعدت المصعد كله ثم فتحت الباب، صافحت الرجل وهنأني. صعدت المصعد الآخر وفتحت الباب وصافحت الرجل وهنأني ولا شكر على واجب. اجتزت الممر الطويل وصافحت جميع الناس وهنؤوني ولا شكر على واجب. صعدت المصعد الاخر وفتحت الباب وصافحت الرجل وهنأني ولا شكر على واجب. صعدت المصعد الاخر وفتحت الباب وصافحت الرجل فضغط على يدى وابتسم وهنأني. العفو. العفو لا شكر على واجب. صعدت المصعد الاخر وأنا أشعر بارتخاء في مفاصلي أتممته بتعب، تعب الشيوخ، فتحت الباب وجدت الرجل نائما، نمت بجانبه ولم أستيقظ استيقظت، صافحنى بحرارة وهنأني. صعدت المصعد الآخر بخطى وئيدة واسترحت مرات متكررة أتمته بتعب كبير تعب الصعود وتعب الشيخوخة. فتحت الباب وجدت الرجل ميتا صعدت المصعد الآخر بخطى شيخ خائف من الموت أردت ان افتح الباب وجدت الرجل مسمرا عليه بمسامير غليظة صفراء. الالوان فولاذ واسمنت وجلد. ورائحة الجلد ورائحة الجلد كنت أكركر تعب الصعود وتعب الشيخوخة وتعب الموت.

قال، قال بعد أن فتح شيئا في وجهه، كان مغمضا. نظر في وجهى وقال:

تريد أن تخبر سيدك بذلك الصوت الذى يمتد فى الزمان بأناة ووقار واعتدال. أنك نفذت. كان الاجدر بك أن تترقبه هنالك. هنالك. ماذا سيقول لك؟ قل لي؟ ماذا؟ ... قل لى ماذا؟ سيقول لك؟ سيهنئك؟ .. لا .. اتعتقد. سيصافحك؟ ماذا؟ لماذا؟ سيصافحك؟ كلا سوف ... يقول لك. وسوف تفهم. ان تلك الكلمة القوية لن تسمعها أبدا. بصوته الذى يمتد فى الزمان بتشنج وغلظة : الشيء الذى نفذت هو ما كتب لك وما كتب عليك كان الاجدر بك أن تترقبه هنالك،

- طأطئ رأسك! هنالك أو هنالك. أما والحالة هذه فانك لن تصل أبدا. ألا يبدو كذلك؟ وفتح الباب. قال. بعد ان رفع ما استطاع أن يرفع من نظره.

(( آنظر. انظر. هذا الإرتفاع. هذا البعد هذه الروعة وهذا المستحيل)).

م. ت.

اشترك في نشرتنا البريدية