الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

عزلة

Share

يتفق لك أن تزور بيتك وقد غاب الاهل عنه مدة ، فيفجأك السكون الشامل يرافق خطواتك ، يلزمك كالظل لا تجد منك فكاكا . وتجوز الغرفة - غرفتكما الخاصة - فتشعر ، على ضيقها ، أنك فى فضاء متنائى الاطراف ... كل شىء صامت حولك ... لقد صمت الاثاث الذى كان بالامس ينطق أنسا وبشاشة . هى ذى الجدران أماطت اللثام عن جسدها العارى . كشفت عن وجهها بدون استحياء . فتغضى كما لو أبصرت عورة محرم لك ... وهذا الاثاث ... لقد كان متواضعا لا يكاد يعلن وجوده ، واليوم أخذته العزة فشخص وشمخ وبرز من مكمنه صلبا جافيا واجم آلمحيا . لقد زال السحر وعاد الاثاث خشبا سويا وكأن لا شكل لا لون ولا معنى . كل ما فى الغرفة تئامر على الخروج من سجن النسيان, كل ما فيها ثار وتواطأ عليك فتفزع الى الباب تنشد هواء الناس دفء الناس وزيف ضجيجهم.

وتتوق نفسك الى النزهة فوق ، ربوة " الشرقى " بجبل المنار - فيطالعك البر والبحر ، وتلتفت نحو الغرب الى ربوة أخرى : قصر فخم يشرف على البحر, وحوله أشجار باسقة تكسو الربوة حتى السفح حتى رمال الشاطئ ... ترنو اليه من بعيد فتعجب بحسن الموقع وأناقة الهندسة وبراعة القوام ورشاقة الخطوط فتأنس بمنظره وتسكن اليه وتسجو نفسك ساعة وتلم بك الغبطة واذا أنت تجول على رسلك أمام واجهته المطلة على الخليج تعب من زرقة السماء والبحر عبا ، وتعجب للقصر يتمطى فى عناق مع الشمس شهى طويل . ثم تستفيق فجأة وقد برق فى ذهنك خاطر غريب فتذكر أن القصر خال ليس به من أنيس ، خال الا من الحرس يتعهدون كل يوم شؤون زينته وترتيبه ... لكأنه الحسناء المتبرجة وليس من بشر يشاهد جمالها ولا من يتملى أسرار فتنتها ... وتتمثل قاعات القصر لا انس فيها ... جدران يحدق بعضها الى بعض .. لا ينى بعضها ينظر الى بعض سامة ... متاع عاطل ... رياش يلفظ الروح ... لوحات ورسوم باهتة تفغرفاها سخرية وهزءا . فيدهمك شعور بالخواء والخيبة ويكاد القصر ينعدم فى الذهن ويستحيل صورة أو طيفا من الاحلام ... انه خال مهجور ... اذن فهو مغلق مقفل دوننا .. قصر منيع ... عزلة مطلقة كعزلة السحب والقمم ، كعزلة البحر والجزر . . لهو خارج عن دنيا البشر ... على هامش حياة الانسان ... ويقطع بك وتلفظ من الحمى آسفا مدحورا .

اشترك في نشرتنا البريدية