الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

عشرون مارس

Share

في مثل هذا اليوم من سنة ١٩٥٦ تم لنا الاستقلال ، واعترف لنا بالسيادة ، وارجعت الينا مقاليد هذا الجزء من ارض مغربنا العربى الكبير .

وفي مثل هذا اليوم من كل سنة تأتى ، سيقف الشعب التونسى ليذكر مراحل حركته التحريرية ويعتبر بمعطيات مواقفه التاريخية ، ويمجد ابطال كفاحه المظفر ، ويحاسب نفسه عن الاعمال التى أنجز ، والغايات التى بلغ ، ثم ليشحذ قواه لمواصلة السعى في سبيل ما يطمح إليه من مثل ولتحقيق ما يهدف اليه من مقاصد .

لن يمر علينا مثل هذا اليوم في دهر مقبل دون ان نتمثله نقطة لامعة فى فلك السنين ، او مستصبحا متألقا فى مطاوى الايام ، مستصبحا تطرف إليه الابصار ، وتهفو اليه النفوس لما يعيده إليها من ذكريات الكفاح المقدس من اجل الحرية ، ولما ينفحها به من شذى الدماء التى بذلت من اجل الحق ، ولما ينشره لها من مثل الاستبسال التى ضربها هذا الشعب الصغير الاعزل ضد الاستعمار العنيد المتجبر .

واذا اكرهتنا الظروف هذه المرة فألغينا المهرجانات والاحتفالات الرسمية بهذا اليوم الاغر من تاريخنا فذلك لاننا قد عزمنا على ان نحتفل به فى صورة أكمل واشمل ، وعلى ان نحيى ذكراه فى قوة اروع وابدع ، على ان نحيى ذكراه وقد استقل المغرب العربى كلة ، واصبحت وحدته واقعا ملموسا وحقيقة مجسمة بعد ؛ اذ هي فكرة جائلة فى الاذهان وامل مختلج فى القلوب ورغبة مكبوتة فى الضمائر .

اذا اجبرتنا الظروف ، وما هى إلا كيد الاستعمار ومطامعه البشعة ، على ان نستقبل هذا اليوم من تاريخنا المجيد ونحن ممسكون عن مظاهر الابتهاج به ومحجمون عن اقامة ما يجدر به من شواهد الحفاوة ومعالم الزينة فلم نر فيه استعراضات للجيش ومظاهرات للشباب ، ولم نستمع فيه الى اناشيد الوطنية واهازيج الموسيقى وهتافات النصر . .

اذا حرمنا كيد الاستعمار ومطامعه البشعة من كل هذا فاننا قد استعذبنا لذة التصميم على صيانة الاستقلال الذى هو اول ثمرات كفاحنا من اجل الحرية واول خطوة في ثورتنا على الظلم وتقويضنا لاوضاعه البالية . قد استعذبنا لذة التصميم على خوض معركة الجلاء حتى نامن من فرنسا الاستعمارية فلا تعود تنقض علينا انقضاض الوحش الكاسر ، او تنزوى عنا انزواء الافعى لا تلبث ان تجد لاظفارها منشبا ولزعافها مغرزا ! استعذبنا لذة المناداة بارتباط مصير هذه الاقطار من شمال افريقيا ، والعزم على احقاق الحرية لها جميعا والدفاع عن حرمتها التى لم تزل فرنسا تنتهكها رغم انكار العالم عليها واستفظاعه لجرائمها .

استعذبنا هذا كله وتسلينا به عن الاحتفالات بيوم ٢٠ مارس هذا اليوم الذى سيتكرر مع السنين وستكون عوداته اعيادا للاستقلال ، وستمو مباهجه فيها ويكبر خطرها كلما نمت عظمة المغرب العربى الكبير وتوالت اجياله الناشئة فى مهود الحرية والاستقلال . ولكن متعتنا نحن بهذه الاعياد ستكون اكثر عمقا واشد اتساعا ، نحن الذين عشنا الاستعمار فى عهده الاخير ، ونعيش الاستقلال في عهده الاول ، ستكون متعتنا بهذه الاعياد ممتازة لاننا نشهد بها المفارقات الكبرى بين حالنا في هذه الاعياد التى نقيمها فى بلادنا المستقلة . وحالنا فى مثل هذه الاعياد التى كانت تقيمها السلط الاستعمارية فى بلاد الحماية . . نشهد ما في اعيادنا القومية الآن من عزة وكرامة وتفتح وانطلاق وامل وثقة بالمستقبل . وندرك ادراك التجربة لا ادراك التصور ما تشبعه فينا هذه الاعباد من شعور المحبة والتعاطف بين كل فرد من افراد المواطنين سواء فى ذلك أعلى رجل فى الحكومة وأبسط رجل في الشعب ؛ وندرك ايضا ادراك التجربة لا ادراك التصور ما كان يجرى ايام الاحتفالات باليوم الرابع عشر من شهر جويلية ذكرى الثورة الفرنسية التى يقال لنا عنها انها الثورة من اجل الحرية والاخاء والمساواة ولكنا لا نشهد فى المحتفلين بها الا رموز الاستعباد والعنصرية والامتيازات ، ندرك ما كنا نجده فى تلك الاحتفالات من كبت وحقارة واستذلال امام مظاهر القوة والجبروت وما كانت تشيعه فينا من حيرة وضجر واندفاع اما الى الانزواء والفرار ، واما الى التحدى والمناوشة , ندرك ما يصيب الواحد منا اذا طفح به الشعور ودفعته الغبرة الوطنية الى تحدى تلك القوى الاستعمارية فرفع العلم التونسي او هتف باسم زعيمه المجاهد ، ندرك ما يصيبه من سجن وتنكيل وعذاب ، وما يصيب اهله من حسرة ودموع واحزان ...

نحن الذين عشنا الاستعمار الفرنسى من عهده الاخير ، ونعيش الاستقلال الوطني فى عهده الاول نشعر عميق الشعور بهذه المفارقات بين حالتنا اليوم وحالتنا امس وفى امكان الكثير منا ان يعود بذكرياته الى أيامه الماضية في سواد الاستعمار فيستعرض منها صورا رائعة ويسجل من حوادثها قصصا طريفا ؛ ويبقى للاجيال بعده، عبرا حبلى ! .

في امكان الكثير منا ان يفعل ذلك وقد يتاح له ان يفعم صحائف عديدة بهذه المفارقات التى سوف لا تنسى لان ذكرى ٢٠ مارس تطالعنا بها في كل مدار لهذا الشهر ، وفى كل مناسبة تلفتنا الى النظر فى وضعية هذا الاستقلال ، والتدبر من الاسباب التى تؤكده ، والاعتبار بالمسؤوليات التى تستتبعه .

لنا ذكريات كثيرة مع الاستعمار ، وان فيها لما يجتاز مواعيد الوعى لذواتنا كرجال مصابين في حرياتهم ، ومهضومين في حقوقهم ، ومغربين في اوطانهم فيها ما يجتاز ذلك الى عهود طفولتنا ايام كنا نخرج من ديارنا لنتعرف على " الرومى " ونشاهده في احتفالاته القومية فنمر بصفوف الجنود وخاصة فريق فنرعب من نظراتهم القاسية وحرباتهم اللامعة ويخيل الينا Chasseurs  كلما مالت بنا الخطى اليه ان رشقة من تلك الحربات ستصيب اجسادنا او ان لكزة من مؤخرة تلك البنادق ستتفع على اعناقنا . .

وقد تتدرج بنا هذه الذكريات الى ايام الفتوة حينما تعرفنا ان ما يترنم به اولئك الجنود فى احتفالاتهم القومية هو نشيدهم الوطنى " المارسياز " فكنا نتابع معانى النشيد الذي يدعو أبناء الوطن الى يوم النصر ضد الطغيان والذي يعتز برفع اللواء المخضب بالدماء لصد عادية جنود الاعداء المفترسة . ..

كنا نتابع معاني النشيد ونتلقى انغامه فى مستوى من التوتر النفسى والارهاف العاطفى لا اظن انى اجد في الكلمات ما يمكننى من التعبير عنه بدقة . فقد كانت انغام النشيد تضفى علينا شعورا غامضا . . فيه شىء من هزة الطرب واريحية القلب لما نحس به من تساوق الانغام ، ونبررات الايقاع ؛ وفيه شىء من الحذر والخشية ان تكون طاقات الحماس التى يحتوى عليها النشيد موجهة الينا نحن المتفرجين البراء الذين حكمت علينا الاقدار فجعلنا موضوع حماية هؤلاء الجنود . . وفيه شئ من الاسرار والعناد والخبث يدفع بنا الى ان نتمنى ان لو وهبنا بدا عاتية من نوع يد " جوبيتر" "gupiter" فنغمس بها ابواق الوجق الموسيقي

في حلاقيم اولئك الجنود النافخين فيها او الى ان نطمس الجنود انفسهم فى اجواف تلك الطبول الضاربين عليها !.

وقد تتدرج بنا الذكريات الى ايام الشباب ، ايام اشتداد الوعي الوطني فينا فتتى ذكريات العيد الوطنى لدولتنا الحامية فتقام المنصات وتزين المدينة . . ونمر بالساحات فنرى الاعلام المثلثة كبيرة وكثيرة ترتفع على البنايات العمومية وترتشق على حقفي الشوارع وفوق الحافلات والقاطرات فتضربها الرياح او تهفهفها النسائم فما يروق لنا منظير لها ، ولا يخفق لها قلب منا ، فكأنما القطيعة بيننا وبينها امر طبيعي ورثناه في الدم واكتسبناه في العرق . . فأى واحد من هذا الشعب يقع في خاطره انه في يوم عيده وأى واحد منه يظن ان بالمشاركة فى الاحتفال به ما يثير النخوة ويبعث على الشعور بالرجولة والكرامة ؟ اللهم فئة قليلة ترتزق بالخيانة ، وتترفه بالنفاق وتتماجد بالسمسرة والوساطة اللهم تلك الفئة من مباعى الضمائر ومخربى الذمم كانت تسرع لمشاركة المستعمرين فى اعيادهم وتصفق للخطب التى كانوا يلقونها تبجحا بما لفرنسا من عظمة وسمو وبما لابنائها من حب للديمقراطية وتعلق بمبادئ الحضارة الحق ، والشعب يشهد والتاريخ يشهد انهم في سلوكهم العملى وسياستهم الواقعية اكثر الناس بعدا عن تلك المبادئ واشدهم فتكا بمن يطالبهم باحترامها .

قد تتدرج بنا الذكريات الى ايام اشتداد الطغيان وضراوة الاستعمار فى كم الافواه الحرة وخنق الاصوات الصادقة فلا يسمح لها ان تنطق باحتفال او تقيم ذكرى لعيد سوى الاعياد الدينية وقد مسختها عاداتنا المنحرفة وحولتها جهالاتنا الحمقاء الى مراسم جوفاء ليس فيها ما يحيى المعانى الخالدة فى الدين . ولامايلهب الحماسة القومية فى الشعب ولا ما يرسم المثل الحقيقية للراى العام .

قد تتدرج بنا الذكريات الى هذه الفجاج من حياتنا الماضية في دياجير الاستعمار ، وقد نشعر بالارتياح اذ نلقى انفسنا ونحن نعبر بذكرى العشرين من مارس اننا قد نجونا من تلك الفجاج وطلعت علينا شمس الحرية المشرقة ، طلعت علينا رغم هذه المحاولات الاخيرة فى اثارة السحب وتابيد الغيوم !

اشترك في نشرتنا البريدية