الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "المنهل"

عصر الكهرباء

Share

لكل زمان مضى آية ، وآية هذا الزمان ( الكهرباء ) ذلك أنها تحيل الظلام الدامس ، نورا مشرقا متوهجا ، والحرور اللافح بردا وسلاما ، والجو المكفهر طلقا معتدلا وتصنع الغرائب والمدهشات هي فى المنزل تغنى عن أمهر خادم ، وفى المصنع تقوم مقام الف عامل ، وهى تحفظ لك طعامك وشرابك من الفساد ، وتطهى لك غذاءك في سرعة خاطفة منظمة ، وتغسل لك ملابسك ، وتكويها وتجعلها لامعة براقة كأنها جديدة ، وتصنع لك القهوة والشاى ان اردت القهوة والشاى ، ثم هى تطحن للامة القناطير المقنطرة من الحنطة بعد غربلتها وبعد تصفيتها من الاقذار والاكدار ، وسرعان ما تعجنها بكفها الضخمة الصناع ، وسرعان ما تطهوها بأفرانها الملتهبة الكبرى ، واذا بالقمح الذي دخل اليها قبل ساعة من الزمان وقد استحال خبزا طريا نظيفا جيد الاستواء . . وهى خير مرفق يساعد على السرعة فى عصر السرعة فانها توصلك فى " الحافلات " الى ما تريد فى سرعة سريعة ، وتصعد بك من الارض الى اعلى طابق من القصور الشواهق فى لحظات معدودات ، وتهبط بك فى مثلها من اعلى الطباق الى الأرض فى يسر وهدوء وانتظام ، وهي - الى ذلك - ترفع لك المياه الجوفية من اعماق الارض وتخومها البعيدة الى اسطحها ، بل الى قمم الجبال ، واسطح المنازل المنشأة فوقها .

وبالجملة فان مزايا الكهرباء أكثر من ان تحصر ، وهي مبعث رفاهية ورخاء عام ، وتقدم وهناء تام وبقدر امتداد تياراتها فى شرايين البلاد يقاس تقدمها . . ولكن لا يتسنى للكهرباء ان تكون عميقة النفع ، شاملة الأمتاع والايناس ما لم تكن

عميقة التغلغل فى مضارب الحياة العامة والخاصة ، وقد ظهر ان الانارة - على اهميتها - هي أبسط فوائدها للأمم التى تنشد حياة مثلى ، ونهضة فضلى .

ولن تكون الكهرباء كذلك ما لم تكن ضخمة فى نفسها ، كافية فى معداتها ، ضئيلة التكاليف فى الوقت نفسه على من يستهلكون نتاجها ، ميسورة لهم كل اليسر بحيث يستطيع الكادحون والبؤساء ، أن يستعملوها فى مرافقهم الخاصة والعامة ، ليشاركوا الطبقات المتوسطة والعالية فى الاستفادة المنشودة على قدر من امكانياتهم ومواردهم المحدودة التى ستمتد لتساير بهذا ، التجديد العتيد والتقدم الجديد . .

وخفض نفقات الأضاءة الكهربائية ، والتصنيع الكهربائى ، والمرافق الكهربائية هو فى حقيقة امره " رفع " لمستوى الربح المنشود من وراء ايجاد الكهرباء ومن وراء الافادة من الكهرباء . . ذلك ان القاعدة الاقتصادية العامة تقرر انه على قدر انخفاض نفقات الاشياء المستهلكة يكون اقبال الجمهور عليها شديدا ، وكلما ارتقت هى " درجة " فى القيمة ، هبط مستوى الاقبال عليها " دركة .

  وقد سبق ان وعدنا الاخوان آل الجفالي بشيء كثير من هذا القبيل .    وسبق ان نشرنا عن وعدهم النبيل ، فى هذه المجلة ، فسر القراء مما وعدوا به ونشر ، ووعد الحر دين ، ولا شك أن غايتهم شريفة ، وعملهم مجيد وخالد ونبيل .

وقد سررنا بالغ السرور ، بان انجاز المشروع الكهربائى بمكة المشرفة هو على الابواب الآن . فقد كنا فى اصيل يوم الجمعة الموافق ١٣٧٢/٧/١٠ ه فى حفلة شاي اقامها اصحاب المشروع بمناسبة زيارة تفقدية قام بها سعادة الاستاذ عبد العزيز آل عبد الله السليمان وكيل وزارة المالية المساعد للشركات والمشاريع ، لمحطة توليد الكهرباء المتحدث عنها المنشأة بقرب التنعيم ، وشاهدنا آلتين ضخمتين من آلاتها الجبارة وقد ركبتا وثبتتا على قاعدة الأبرق " الاسمنت " بالبناية الشامخة ، وجهزتا للعمل ، وقد شبهتهما فى مكانيهما بجبلين من حديد اقيما على سلسلة جبال منبسطة من الابرق المسلح بالحديد ، ورأينا من بعد منازل المهندسين الانيقة تطل على عمارة المحطة الهائلة ، وبجانبها مساكن العمال ، ورأينا الصهاريج المائية الضخمة المرتفعة ، والخزانات الهائلة ، والسراديب الفيح ، وغيرها غيرها .

وبعد فان الكهرباء آية هذا الزمان ، وهى نعمة جليلة وهبها لله جل وعلا للانام ، وهي نعمة أجل بالنسبة لهذا البلد الحرام . . ذلك لأن جوه " التهامي " مشبع بالحرارة التى تزيدها الجبال المحدقة به توهجا ووقدة ، ابان الصيف ، وحين اشتداد الزحام فى مواسم الحج وليس بها أنهار متدفقة ولا حدائق عامة ، فاذا عمت بها الكهرباء وتغلغلت فى صميم مرافق الحياة بها ، وسلطت على الاصلاح العمرانى فيها ، ووجهت فى اضوائها وفى تياراتها التوجيه المفيد ، عندئذ تشرق مكة ماديا ، كما هى مشرقة معنويا . ويتبدل حرور طقسها الى اعتدال محبب لذيذ فيضاف الى جمالها الروحى والقدسى الخالد التالد ، جمال محس طريف جديد ، وليس بدعا ان تم ذلك كما يحسن أن يتم ، ان يتضاعف عدد سكانها مرارا فى امد وجيز ، حتى تصبح من اعظم عواصم الدنيا كثافة سكان ، وتنظيم مرافق ، وحسن وفادة لضيوف الله الذين تهوي افئدتهم اليها من كل فج عميق ، وسيمد العمران بها فتصل بمر الظهران شمالا ، وبياملم جنوبا ، وببحرة وجدة غربا ، وبالشرائع ووادى حنين شرقا .

اشترك في نشرتنا البريدية