الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

عظماء بلادي في الميزان

Share

مقدمه :

انتصفت السنة الدولية للطفل ، ومع ذلك لم يبرز فى مجلاتنا ، ما يشفى غلة الطفل الى مزيد من الدرس والتحليل لعالمه ولكتبه التى أصبحت تشغل جانبا هاما من المكتبات . لذا سأحاول من خلال نموذج أن نرى ماذا قدم الكاتب التونسى للطفل ، ولعل مجموعة " عظماء بلادى " للاستاذ رشيد الذوادى ، والتى تضم عشرين كتابا لرجال برزوا فى الدين أو العلم أو الوطنية كما يبدو  من عناوينها (1) ، يمكن أن تعطينا فكرة عن ذلك .

عالم الطفل :

قبل تحليل مضمون " عظماء بلادى " يبدو ضروريا أن نتساءل : - ما هى أهم مميزات الطفل التى يجب اعتبارها عند الكتابة له ؟ وسؤالنا هذا يعطينا جوابا يكاد يكون بديهيا تؤكده كل الدراسات النفسية لعالم الطفل ، وهو :

- حساسيته تجاه المحسوس : الذي بواسطته يكتشف الاشياء ويتأكد من وجودها ، ومنها يصل الى المجرد .

- خياله الواسع والذى يهوى التحليق كلما وجد السبيل الى ذلك .

- حبه الاستكشاف أو المغامرة التى عن طريقها يكتشف الطريق الى ما يجهل .

كيف نكتب للطفل ؟

اعتبارا لهاته العوامل الثلاث فى نفسية الطفل ، يمكن القول أن الكتابة للاطفال تتطلب طريقا واضحا محسوسا وهنا تكمن قيمة الوصف فى قصص الاطفال حتى فى أكثر المواقف تجردا .

بذلك نمسك بخيال الطفل ونفتح له باب السفر الى عالم القصة فيتفاعل تلقائيا مع وضوح المشهد والموصف ، وخاصة اذا كان الكاتب قد عرف كيف يطرق عقل الطفل بما يوقظه ويشغله ، فيتسلسل به فى طريق مشوق ، تسكنه المغامرة ، فلا يقف به حتى يحمله ما يريد . وهنا يبدو " دور المربين - أو كتاب قصة الاطفال - فى تحديد واتجاه بناء شخصية الاطفال " (2) .

فالغرض من كتابة القصة هو من أهم ما يجب أن يفكر فيه كاتب قصة الاطفال لما له من تأثير على خلق الطفل وبناء شخصيته .

ماذا فى عظماء بلادى ؟

أهم ما يبرز فى هاته السلسلة ومن خلال عناوينها ، اتجاهها القومى . فهي ليست قصصا خلقها الكاتب كما أراد وكما انطلق به الخيال ، بل هي قصص تقيد فيها كاتبها بالواقع التونسي الذي أنجب هؤلاء الابطال ، مع ما في ذلك من صعوبة فى النزول به الى مستوى عقل الطفل والمحافظة فى آن واحد علي الحقيقة التاريخية .

ولعل هذا من أهم مميزات المجموعة ، وأهم ما شدنى الى محاولة تحليلها .

المضمون :

الأصالة : أهم ما يلفت النظر هو التقيد فى عشرين كتابا برجال نجهلهم أحيانا ولا نهتم بهم أحيانا أخرى .

ومع ذلك فقد عمل الاستاذ الذوادى على البحث عن أخبارهم وأفعالهم التى هى بعيدة أحيانا عن دنيا الاطفال ( الامام المازري . . . محرز بن خلف  . . . ) وغير متداولة فيما نقرأ من كتب ، ومع ذلك ، فقد نزل بهم الى الاطفال , فقدمهم فى قصص حية نابضة مبسطة ، وبذلك قدم مجهودين سعى بهما الى غايتين :

1 ) مد الاطفال بقصص تخدم غرضا أخلاقيا أو وطنيا .

2 ) تعريفهم بأبطال أنجبتهم هذه البلاد ، مما يجعلهم يفخرون بأبطالهم ويعتزون بقوميتهم وبلادهم . وهذا يذكرنى بقول الاستاذ محمد مزالى متحدثا عن التونسة : (( هى روح قبل كل شئ ، ووفاء للذات ، وعمل لخلق شباب تونسى يؤمن بمقومات أمته التونسية )) ( 3 ) .

وهذا يؤكد اتجاه الاستاذ الذوادى القومى الذى يسعى من خلال كتاباته المتعددة أن يقدم صورة كاملة معترفة لأبطال بلادنا .

كيف تبدو الأصالة فى عظماء بلادى ؟

1 ) من خلال الشخصيات

كل شخصيات عظماء بلادى رغم اختلاف أزمنتها ورغم الاختلاف النسبى لنوعية نضالها ، فهى أصيلة تربة واحدة ، متشبثة دوما بها ، ساعية دواما الى إرواء عطش الارض الى الرفاهية أو الحرية أو الحق والخير ، فمن الامام (( ابن عرفة )) (( المجتهد والمجدد فى الدين )) الذى ارتقى الى خطة الافتاء بالمملكة الحفصية بعد أن كانت الفتاوى تأتى اليه من مسيرة شهر )) ( 4 ) .

الى (( محرز بن خلف )) الراحل عن قريته الى مدينة تونس ، يدرس ويوقظ العقول النائمة ويدعو الى سنة الرسول ثائرا مقاوما بذلك السلطة الحاكمة , الى محمد العربى زروق (( الذى وقف فى وجه الباى (( أن لا سبيل الى الامضاء على المعاهدة والارتماء فى بوتقة المسخ والانصهار فى ذاتية أجنبية عنا )) ( 5 ) والمضطهد والمغترب لاجل قولة حق ووفاء للارض المغتصة . الى الطاهر الحداد , الداعى الى تحرير الارض عن طريق تحرير المجتمع (( بمقاومة الجهل والتخلف

والاستعمار )) ( 6 ) ، والمنطلق بكل نشاطه الى الدعوة لحقوق العمال وحقوق المرأة المهضومة ، الى غيرها من الشخصيات التى اتسمت بحدة الاحساس بمشاكل هذه البلاد ، فوقفت صامدة تكافح الجهل والظلم والاستعمار .

وحتى لو قرأنا هاته الكتب بعقول (( كهلة )) فلا بد أن نتفاعل مع هاته الشخصيات المكافحة ، وأن توقظ فينا رائحة الارض المترقبة لسعى أبنائها الدائم للمحافظة عليها ومقاومة كل الجراثيم التى قد تغزوها ، مع كثير من الاعتزاز لا يمكن أن تنكره ، ونحن نتعرف على رجال تونسيين فرضوا وجودهم وقيمتهم على نطاق واسع تجاوز حدود البلاد ، فما بالك إن كان هذا الانطباع فى نفوس أطفال بدأت تتفتح على المجتمع الكبير الذى تجهل الكثير من تاريخه ، والذى ربما كل الاشياء الواردة عليه من الخارج تتركه يستصغره .

2 ) من خلال البيئة :

إن تصوير البيئة أو المكان يسير فى اتجاه مواز لاتجاه الشخصيات . فهى (( مسرح فعل وحركة )) ( 7 ) تتحرك عليه الشخصيات فتنسجم معه ، فى حين يكمل الملامح الخفية والمترسبة فى الابطال ، فوصف المدينة فى قصة الامام (( ابن عرفة )) ، (( بحرها اللافح وخيراتها الكثيرة وسكانها الطيبين )) ( 8 ) ، هو مكمل لوصف بن عرفة الأب فى صبره على البعد وحبه للرسول ومدينته (( وورعه وتهجده )) . ونحن إذ نتابع (( ابن عرفة )) نجد أننا ننتقل بين بيئتين مختلفتين فمن المدينة المنورة (( بأيامها القائظة وحرها اللافح ونسماتها الندية فى الليل الداجى )) . هاته المدينة التى تحكى عن عظمة الخالق وقدرة الصانع والتى صار العيش فى مرابعها يعود على الصبر ويلطف المشاعر من هذه المدينة ينتقل بنا الى مدينة تونس أيام الدولة الحفصية (( بحيها العتيق وممراته المزدحمة بالناس ، وحوانيته الكثيرة تعبق بالعطر وبذرات البخور الهائمة وبقلب هذا الحى العتيق جامع الزيتونة الاعظم )) ، ومنه (( يخرج محمد ابن عرفة ذات صباح قاصدا جامع الزيتونة وقد تذكر أباه وما قاسته أمه . . . وهو يسير فى صمت بين شوارع مدينة تونس الممتدة وبين أزقتها الضيقة . . . كان جائعا وفى حاجة حتى الى خبز يابس )) ( 9 ) .

وعلى هذا النمط تمضى جل قصص المجموعة فى وصفها للبيئة بمميزاتها

ونمط عيش أهلها . ولعل هذا ما يؤكد اكثر أصالة هؤلاء العظماء وانتماءهم وارتباطهم ببيئتهم . وهذا ما يوضح لنا (( نسق القيم القائم الذات والرؤية الكونية الخاصة والمراجع الايدولوجية المعينة ، التى ينطلق منها الاستاذ الذوادى فى قصصه ليكون له غرض واضح محدد ، هو أساسى للكتابة للاطفال .

الشكل :

إن مثل هذا المضمون القيم والدسم الذى نقدمه للاطفال ، لا يمكن أن ينفذ الى قلوبهم وعقولهم ، الا اذا قدم فى شكل واضح ، مغر ، ومشوق ، وقد عمد الكاتب الى تقديم حياة أبطاله فى شكل قصص فى لغة حية ، بسيطة وثرية معا ، تفيد الطفل وتغذى أسلوبه ولغته خاصة وهى تتجه الى أطفال أواخر الابتدائى وأوائل الثانوى . وهذا الجانب ، أى اللغة ، يساعد الطفل ويغريه بالقراءة ، استعذابا لجمال التعبير .

ولكن اللغة وحدها أحيانا لا تكفى لشد انتباه الطفل , فعنصر التشويق والمغامرة لا بد أن يشد انتباهه حتى النهاية .

ولقد وفق الكاتب الى ذلك فى جل القصص ( محمد العربى زروق ، على البلهوان . . . ) ولكن نجد فى قصص أخرى أن عنصر التشويق يقل ويخبو فتقترب القصة من الترجمة التاريخية ، كما فى قصة (( الامام المازرى )) على سبيل المثال .

وأعتقد أن أمانة الكاتب التاريخية هى التى جعلته يقدم لقارئه الصغير الحقيقة التاريخية دون إضافات من عنده تعطى للقصة أكثر حركية ، وخاصة مع الابطال القدامى الذين تقل المراجع حولهم .

بقيت كلمة أخيرة حول التسلسل القصصى . لقد بدأ الكاتب الكثير من هذه القصص بالنهاية ( محمد العربى زروق . . . ) أو بتسليط الاضواء على الشخصية من زاوية بعيدة ( محرز بن خلف ، الامام ابن عرفة )) الذى يبدأ فيها القصة بوصف حالة الاب فى المدينة ثم ينتقل الى تونس ليحدثنا عن الابن ) وهذا معمول به عند أغلب كتاب القصة المعاصرين مبتعدين بذلك عن تسلسل القصة الكلاسكية . ولكن بالتوجه الى الاطفال يختلف الامر شيئا ما . ولو أن الكاتب عمد بهاته الطريقة الى تشويق الطفل للقصة ، الا أن فكرة الزمن فى ذهن الطفل تتشوش بسهولة ، فتتعثر فى ذهنه الاشياء ، وأظن أنه من الابسط للطفل ، حتى وان كان فى أواخر طفولته أن نمضى معه من أول الطريق لآخره حتى نتحقق انه استوعب كل ما أردنا ايصاله اليه .

رأى الأطفال :

لم أشأ أن أنفرد برايى فعمدت الى تقديم البعض من قصص هذه المجموعة الى الاطفال بداية من مستوى الخامسة ابتدائى الى الثالثة ثانوى - لأنى أعتقد انها صالحة حتى لتثقيف الكبار ، لأنها تعطيهم فكرة مبسطة عن تاريخهم وقدمت لهم الاسئلة التالية :

- هل وجدت فائدة فى هذه القصة ؟ - ما رأيك فى تسلسلها ؟ - ما رأيك فى لغتها ؟

فكانت الاجوبة أن أجمع الاطفال على الفائدة التى وجدوها فى هاته القصص - من الناحية التاريخية والثقافية .                    - من ناحية اللغة : فهى ممتعة (( وتمتاز بالصور )) .

على حد تعبير أحدهم مع بعض العبارات الصعبة التى يمكن تجاوزها بالمنجد . ولكن اختلف بعضهم حول الاسلوب . فكانت النسبة المائوية التى استحسنت الاسلوب 80 % . و 20 % وجدوا ان الاسلوب (( غير متسلسل )) وأضيف هنا أنه ربما كان يتطلب منهم تفهما وتمعنا أكثر .

خلاصة :

يبدو من خلال هاته المجموعة أن الكاتب قد قدم تجربة فريدة فى نوعها : - فقد قدم قصصا هادفة للاطفال تنطلق من بيئتهم ومن مجتمعهم . - كما قدم - فى نفس الوقت - شخصيات واقعية ، أصيلة ، تشرف الطفل وتغرس فيه الاعتزاز ببلاده وقوميته . وتشجعه على السير على دربها فى الارادة والكفاح والجهاد ، فيكون غرسا نافعا ضارب الجذور فى تربته ولعل هذه الغاية تستحق وتبرر اضفاءات على القصة عند شح المراجع حول بعض الشخصيات حتى تتسلسل القصة مشوقة دوما من أولها الى آخرها داعية دوما الى التفكير . وهذا (( ما يجعلنا نربى ناشئتنا على أن يحتفظوا بميراثهم فى تدريب الارادة الماضية وفى التطلع والمغامرة ، ثم يضيفون الى ذلك تدريبا آخر على النظر العقلى والبحث العلمى )) كما يقول الدكتور زكى نجيب محمود . وبهذا يكون الاستاذ الذوادى - رغم كل شئ - قد قدم عملا يستحق كل التقدير ، لانه عمل انطلق من مجهودين الى غايتين تدعمان شخصية الطفل التونسى وتثريانها . ولعل أعمالا أخرى فى هذا الطريق ، مستمدة من تاريخنا أو من حكاياتنا ، تعطى طعما جديدا لقصة الاطفال فى بلادنا .

اشترك في نشرتنا البريدية