لئن وجلت القلوب وذرفت العيون الدموع ، مدرارة غزاراً ، على الملك ، العظيم الراحل ( عبد العزيز آل سعود ) بانى المملكة العربية السعودية ، وموائل العرب والأسلام فى العصر الحديث ، ورجل الشرق والغرب فى العالم الحديث . . فانما ذلك أثر من آثار الاحساس بعظم الخسارة وهول الفاجعة ، بفقد جلالته . . فقد أسس جلالته مملكة مترامية الاطراف ، من شتات وأشتات ،
ودعم بحزمه وحكمته ، وبكرمه ، وحلمه ، وطيب سجاياه - وحدتها وكيانها .. حتى اصبحت بلاده مرموقة المكانة ، وشعبه محترم الشخصية . . وقد عارك جلالته الحوادث ، وذلك الأحداث ، وجالد وكافح ، وناضل ، وسهر الليالي الطوال فى
تكوين هذه المملكة الفتية ، وكانت سياسته الحكيمة عربية اسلامية ، عريقة أصيلة ، يلين محل اللين ، ويشتد محل الشدة ، ويعفو ويصفح حين لا يظن المجرم صفحاً ولا عفوا . . وكان لا يضع سيفه حيث يكفيه سوطه ، ولا سوطه حيث يكفيه لسانه ، ولو أن بينه وبين الناس شعرة ما انقطعت فانه اذا مدوها أرخاها ، واذا أرخوها مدها . وكان يتفقد امور الشعب فى دقيقها . . وكان جم الندى ، سارت بنداه الفياض الركبان فى انحاء الدنيا . . وكان يقرب العلماء ، ويعرف لأهل الفضل فضلهم ..
ونواحى عظمة الملك ابن سعود متعددة النواحى ، لا يضمها سفر فأحرى مقال او مقالات ، وقد انطلقت الأقلام والحناجر ، عقب وفاته ، تنشر وتذيع مزايا جلالته ، وما قدمه من مزايا للعالم . . وقد ساهمت الدنيا جمعاء فى البكاء عليه ، لا فرق بين عربي وعجمي ولا بين غربى وشرقى . . وبذلك اصبح واحداً من عظماء . التاريخ الذين يقول عنهم ابو الطيب :
وتركك فى الدنيا دويا كانما تداول سمع المرء أنمله العشر
حقا لقد ترك جلالته دويا فى الدنيا ، دويا تجاوبت اصداؤه فى عصر لا يجمع على ذلك الا لعظم حقا .
وكاتب هذه السطور ، وقد شاهد بعض آثار عظمة الفقيد الراحل ، يرى من المناسب فى هذ المقام التحدث عن بعض مشاهداته تسجيلا لهذه الذكريات اللامعات فى جبين تاريخنا الحديث ، والذكريات صدى السنين الحاكي :
فى موسم حج عام ١٣٥٥ ه اوفدتنى ادارة مدرسة العلوم الشرعية على رأس بعض اساتذتها ، للحظوة بمقابلة جلالته وتقديم هدية المدرسة من مصنوعاتها الفاخرة الى جلالته . . وكان الربيع مزدهرا ، والأرض عبارة عن بساط سندسى من باب المدينة الى باب مكة ، ومثلت بين يدى جلالته وقدمت له الكتاب الخاص ، ورأيت من المناسب أن اتطرق الى الحديث عن الامطار الشاملة والخير العميم ، وقد تحدث جلالته بقوله :
" يجب ان نحمد الله تعالى فى السراء والضراء فلا نغتر بالنعمة . فالمسلم إذا حمد الله على نعمة اسداها اليه زادها وادامها عليه واذا طغى ولم يحمد الله أبعدها عنه وحرمه منها " (1)
وفى عام ١٣٦٠ جمع جلالته لفيفا من اعيان البلاد بالقصر العالى بمكة صبيحة أحد الأيام ، وكنت هنالك ، فاصغينا الى جلالته يفيض بحديث طلي رائع عن مراحل حياته ، وما لاقاه من الصعوبات فى سبيل اشادة هذه المملكة ، والمحافظة على كيانها واختتم جلالته خطابه الرائع المرتجل التاريخى بالقول : ( انكم لتنامون ملء عيونكم هانئين مطمئنين فى بيوتكم وأما أنا فأبيت سهران قلقاً لا يقر لى بال انظر وأتأمل فى سبيل مصالح وتأمين رفاهيتكم ، وسلامة بلادكم . . واننى بذلك لمرهق كثيرا كثيرا وانتم أهنأ منى كثيرا كثيرا )
وفى عام ١٣٦٢ ه وكانت الحرب العالمية الثانية فى اوج عنفوانها ، وقد اغبرت الدنيا ، وشحت الارزاق ، وبلغ السيل الزبى ، فما كان من جلالته ، تغمده الله برحمته ، الا أن أمر بانشاء ( المبرات الملكية ) الشاملة فى كافة ارجاء المملكة ، لتقى البلاد من شر المغبة الحائمة الصارمة . . وأمر باقامة المطاحن الكبرى والافران الكبرى فى سائر المدن والقرى ، لطحن القمح الجيد ، وصهر الخبز النظيف ، ليمنح مجانا على نفقة جلالته لسائر افراد الشعب فى الحاضرة والبادية ، وبذلك أعاد جلالته لهذه البلاد تاريخ الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضى عنه ، فى عام الرمادة . . اذ شمر عن قدم وساق لاشباع الشعب الجائع فى المدينة وانقاذه من غائلة الجدب المحيق ..
وأذكر أن جلالة الملك عبد العزيز ، بعد ما رفعت اليه دفاتر احصاء من ستشملهم مبرته الملكية بمكة المشرفة وضواحيها : مر الظهران ( وادى فاطمة ) وبحرة ، وحدة وغيرها . . وقد بلغ تعداد من أحصتهم اللجنة العليا للمبرة الملكية الكريمة ، نحواً
من ( ٧٥ ) الف نسمة - غضب جلالته غضبة مضرية ، وقال للجنة العليا ، وكانت مؤلفة من مجلسي الوكلاء والشورى ومن أضيف اليهما ، وكنت سكرتيرها العام : " هذا غير كاف مطلقا . . عودوا إلى مقركم وأ كملوا بحق مهمتكم . . فان سكان مكة وضواحبها اكثر بكثير من هذا القدر . لا بد انهم يزيدون عن مائة الف على اقل تقدير فأحصوهم جميعا وسجلوا اسماءهم فى المبرة ولا فرق عندى بين واحد وآخر إن المبرة عامة للجميع . . سجلوا اسم كل من يراجعكم اية كانت صفته ثم عودوا الي بالنتيجة الصحيحة ".
لقد امتثلث اللجنة الامر الملكى الكريم ونقضت ما أبرمته ، وفتحت احصاء ادق وأعم مما تقدم ، واستعانت بادارة الأمن العام فى احصاء من فى القرى التابعة لمكة . . حتى إذا بلغ عدد المستحقين المسجلين زهاء ( ١٤٥ ) الف نسمة رفعت اللجنة الى جلالته الدفاتر بذلك فارتضى جلالته هذه النتيجة وأمر معالى وزير المالية باللازم فوراً ، كما أمر اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجنة العليا ، وهى التى تولت مباشرة صرف خبز المبرة ، أن تسجل فى دفاترها كل من راجعها ممن لم يشملهم الاحصاء والتسجيل لدى اللحنة العليا . . وقد صدعت بالامر . . وهكذا أنفق جلالته ملايين من الخبز النظيف صباح مساء لكافة افراد الشعب فى مكة وضواحيها وفى سائر المدن والقرى على السواء طيلة أمد الحرب الماضية وطيلة مدة مديدة بعد انتهاء الحرب ايضا حتى ارتاش الناس وعم الخير وزال كل أثر الحرب فى نفوس الناس وجسومهم وحياتهم وحينئذ وبعد لأى أوقفت المبرة الرسمية وسارت المبرات المعتادة لجلالته من عوائد وقواعد واحسانات ومخصصات للحاضرة والبادية فى طريقها المرسوم وهى فى مجموعها لا تقل عن المبرة الملكية أيام الحرب العالمية ان لم تزد عليها . . وقد عم خير جلالته الموظفين كذلك ، فلا تزال علاوة الغلاء . . الغلاء الذى نشأ عن تلك الحرب العالمية الضروس ، مقررة لهم فى راتبهم حتى الآن .
وهكذا نرى الشعب عن بكرة ابيه اسرة كبيرة واحدة كان يعولها والد واحد هو جلالة الملك الراحل الشفوق . . طيب الله ذكراه وجعل مقره فى جنة الخلد مع الابرار والشهداء والصالحين .

