الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

عقبات فى طريق ازدهار القصة

Share

حضرت ندوة للقصة عقدتها الاذاعة التونسية منذ ثلاثة اشهر تقريبا ، اتذكر اني اجبت فيها عن سؤال طرحه احد الاخوان الحاضرين وهو : هل توجد قصة فى تونس ) ( ؛ بانها موجودة فعلا ، ولكنها ما زالت كالطفل لم يتجاوز عامه

الاول فهو يحاول ان ينطق فيخونه لسانه ويناضل لكى يقف على قدميه فتقعد به قواه ، ويترتب عن هذا الجواب سؤال ثان وهو : متى يتمكن هذا الطفل من النطق الصحيح ومن الوقوف على قدميه  ؟ والجواب على هذا السؤال الثاني فيه نوع من الصعوبة اذ لا يمكن فى رأيى تحديد الزمن الذي يستغرقه نمو هذا الطفل ما دامت هناك عقبات كأداء تعترض طريق نموه الطبيعي هذه العقبات التى تقف اليوم فى طريق ازدهار القصة التونسية التى ولدت وتحركت وبدأت فى النمو ، على انه نمو بطئ مضطرب لم بتخذ سمتا ولم يكتسب بعد سمات خاصة

واذا قلت هنا : القصة التونسية فانما اريد القصة العربية بصفة عامة فهي فى رأيى- وحسبما وصلنا لحد اليوم من نماذجها الواردة من الشرق العربى ليست اقل ضعفا وفسولة من القصة التونسية المحلية الا بقدر الزمن الذي سبقنا به الشرق العربي لكتابة القصة

ولا اريد هنا ان اتعرض لجميع العقبات التى تعترض طريق ازدهار كتابة القصة عندنا ولكن ساقتصر على الاهم منها باختصار

1طفولة القصة : اتذكر ان احد الاخوان فى ندوة الاذاعة التونسية )  قال : ان الشرق العربي - ما زال بالنسبة للادب - فى طوره الشعرى ، وهو يقصد بكلمته هذه ، ان حياة الشعوب الادبية اول ما تبدأ بالشعر الذي يعتمد فى الغالب على الخيال حتى اذا نمت فى هذه الشعوب الثقافة واستقرت حياتها السياسية والاقتصادية تطورت عقليتها وتخلصت من الطور الشعرى الى طور

البحث والتفكير والانتاج العقلي المتزن وفى هذا الطور تولد القصة وتنمو اذ ان القصة تعتمد فى المقام الاول على تصوير الواقع

وعليه فان حياتنا الادبية لما تزل فى طورها الاول وليس من الطبيعى ان نسبق الزمن فتزدهر القصة عندنا ونحن فى هذا الطور فلا بد لنا من الصبر حتى نصل الى الطور الذى تنمو فيه القصة نموها الطبيعى اعنى انه لا بد لنا من زمن قد يطول وقد يقصر - حسب امكانياتنا - يترعرع فيه الطفل الوليد وتكتمل قواه ويستطيع ان يقف ثم يخطو تم يسلك طريقه مع الناس

فالقصة فى تونس لم تولد الا منذ زمن يسير فلنعط لها الزمن الطبيعي لتنمو ثم نحكم عليها بعد ذلك وهذا الزمن الطبيعي فى الامكان ان نقرب حسابه بالزمن الذى استغرقته القصة الاميركية او الروسية مثلا بين ولادتها وازدهارها على ان قصتنا يجب ان تستغرق زمنا اكثر لان هناك عقبات سنشير اليها فيما يلى هى موجودة فى مجتمعنا ومفقودة من المجتمعات الاجنبية

2 ( المرأة : سيندهش البعض من ان تكون المرأة عقبة فى طريق ازدهار القصة ولكنى اطمئنهم بانى لا اقصد ذات المرأة وانما اقصد ان وضعية المرأة عندنا هى العقبة ، فالمرأة عندنا كانت الى ما قبل عامين فقط سجينة خلف الجدران ووراء الحجب والاستار ، وكان الادباء يجهلون عنها كل شئ اى انهم لا يعرفون شيئا عن نصف مجتمعهم ، وما دامت القصة كما قلت سابقا تعتمد فى الدرجة الاولى على تصوير الواقع فحجاب المرأة وابتعادها عن الرجل وعن الحياة العامة جعل الكاتب عاجزا عن تصوير هذا الواقع فهو إذا حاول الكتابة فانما يصور ما يتخيله لا ما يعرفه وما يعيش فيه واذا كانت المرأة قد تحررت الآن وشاركت فى الحياة الاجتماعية فان هذه المشاركة لا تزال محتشمة تسيطر عليها خيالات الماضى ودهشة الانتقال من طور الى طور

3 ) غريزة موروثة  : اشتهر الشرقى بصفة عامة بانه قليل الصبر ضعيف الاحتمال وهي غريزة موروثة نشعر بها كلما اتجهنا الى عمل من الاعمال ، و لا ادعى ان هذه الصفة قد ركبها الله فى جنسنا او زرعها فى دمائنا ولكننى اشعر اننا ورثناها عن العصور المظلمة الطويلة التى عاشها الشرق - واكاد اجزم ان صفه الصبر تنبت فى عهود الاستقرار والامن . ولذلك تحلت اكثر فى الشعوب الاكثر استقرارا وأمنا وعدالة

واكرر دائما ان القصة تعتمد على تصوير الواقعات وهذا يتطلب البحث والتنقيب والتجربة  والمشاهدة وكلما كتب الكاتب عن حياة عاشها بنفسه وتقلب فيها واضطرب فى مسالكها كلما كانت قصته اقرب الى النفس واشد تاثيرا ، فاذا كان صاحب ) علبة السردين ( قد قضى اعواما من حياته في

الوسط الذى كتب عنه قصته ، شاركه فى افراحه واتراحه ووسائل عيشه واضطرب معه فى اعماله واشغاله وفى نومه ويقظته فكانت قصته ابدع ما اخرجته المطابع الى الناس ، اذا كان هذا الكاتب قد احتمل ما احتمل وصبر فى عزم واصرار حتى اكتمل له هيكل قصته فانى اشك ان يعمد كاتب شرقى - فى هذا الزمن على الاقل - الى ما صنعه صاحب ) علبة السردين ويصبر صبره من اجل كتابة قصة يخرجها للناس

4 ( اللغة : نعم اللغة وهى اهم العقبات فى رأيى فنحن لسنا كالاروبيين نكتب باللغة التى نتكلمها ونستطيع ان نصور واقع حياتنا بلغتنا وننطق اشخاص قصصنا باللغة التى يتحدثونها فى الواقع ، ولكننا حائرون اليوم بين لغتين وكلاهما لا تصور واقع اشخاص القصة كما هو

فالعربية الفصحى اصبحت فى حكم الاجنبية عنا وقد بعد الزمان بيننا وبينها حتى اصبح من العسير ان يفهمها ناقص الثقافة فضلا عن الجاهل وان من المضحك حقا ان يعمد الكاتب الى تصوير مشهد حديث عادى بين ) الام دوجة وابنتها ( مثلا بلسان عربي فصيح مهما كان بسيطا .

والعربية الدارجة لم تصل الى درجة من التطور يستطيع الكاتب ان يعبر بها عن دقائق الاشياء وعن الخلجات النفسية لاشخاص القصة

ويظهر أن بعض كتابنا قد احس بهذه العقبة فعمد الى الخلط بين اللغتين فهو يسرد الحوادث بالعربية الفصيحة حتى إذا وصل إلى مشهد حي فيه حوار عمد الى اللهجة الدارجة وهي طريقة اكثر ما يقال فيها انها محاولة للتوصل الى تصوير الواقع فى المشاهد الحية

واذا كانت العقبات الثلاث الاولى يمكن ان تزاح من طريق القصة بمرور الزمن وبتحقيق عهد من الاستقرار فان العقبة الاخيرة سوف لن نستطيع التغلب عليها الا بنشر الثقافة العربية فى جميع مظاهر الحياة الاجتماعية في المدرسة والادارة وفي المنزل والشارع مع تبسيط العربية الفصحى وتنقيتها من الحوشى والغريب وتهذيب الدارجة وتعويد صغارنا على النطق بها معربة ( باسكان العين ( حتى تتصل اللهجتان ببعضهما ويتحقق خلق لغة متحدة نتكلمها ونكتبها فى آن واحد ، اما  كم يلزمنا من الزمن حتى نصل الى ايجاد هذه اللهجة الموحدة فهذا ما لا استطيع الجواب عنه .

اشترك في نشرتنا البريدية