ما من شئ فى هذا الوجود الا له ظواهر تنم عليه وشواهد تترجم عنه . والفكر الاسلامى بمدلوله الواسع العظيم وما صدقه الفلسفى الشامل يتسنى لاهله ولغير اهله ان يتعرفوا عليه من انفسهم او مما يباشرهم منه ويتصل بهم عن طريقه . ذلك ان آثاره واضحة وبراهينه قائمة ، ومميزاته بارزة وخصائصه ملموسة فى كل ما له علاقة او اتصال وارتباط او نسب يشده من قريب او بعيد به ، ويخضعه ان قليلا او كثيرا له . فهو كذلك العملاق الاسطورى الذى لا يمر بشئ الا وضع عليه خاتمه كى يعرف بوجوده او يشعر على الاقل بأدنى ما كان له به من الاتصال او المزاوجة .
فالظواهر النامة والشواهد المترجمة عن الفكر الاسلامى والآثار الواضحة والبراهين القائمة والمميزات البارزة والخصائص الملموسة التى نجدها فى أقطار اشعاعه تبرز كلها فى المقومات الاصلية والعناصر الاساسية له ، وهى ثلاثة : العقيدة والمعرفة والحضارة .
اما العقيدة وهى الركن الاول ، فهى ايقان بالوحدانية واعتراف بالنبوة وتمسك بالوحى وحذر وارتقاب ليوم الحساب . قال تعالى : لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا . وقال جل وعلا : وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله . وقال جل ذكره : قل يحييها الذى أنشأها أول مرة . وهذه العقيدة الخالصة السمحة تركز فى المؤمنين المعرفة الكاملة ، تحضهم على الخير ، وتذود عنهم الغوائل ما ظهر منها وما بطن . فهى مدد النفس الطاهرة تحمل على المراقبة وتعين على الملاحظة وتحث على التدبر وتدفع الى الاجتهاد والمجاهدة بصورة تنفى عن معتنفيها كل الشرور والاوهام وتهدى الناس لما اختلفوا فيه من الحق .
وعقيدة كهذه تعتمد الدليل الكونى ودليل العلة الغائية والدليل الوجودى
على صدقها لاعجب ان تنال التقدير والاكبار على ما فيها من عمق ولها من ابعاد ، فيشهد لها جوت ومثاله بكونها القوة المهذبة المؤدبة وذلك حين يقول : " انت ترى ان هذا التعليم لا يخفق ابدا ، ونحن بكل ما لنا من نظم لا نستطيع بل قول بوجه عام ان احدا من البشر لا يستطيع ان يذهب ابعد من هذا " .
فهو التعليم الالهى والتلقين القرآنى والشحذ العقائدى للفكر الاسلامى الذى يحد من عقيدته هذه ركيزة جليلة ثابتة يعتمدها مدى الدهور فيكون له بها الخلود ويكتب له بها الاشعاع السرمدى المتجدد .
وتساند العقيدة الدعامة الثانية الاخرى وهى المعرفة وتستمد هذه اصالتها نضجها ، قوتها وطاقات التنوير والهداية الممتزجة بها والملابسة لها ، من القرآن ، وهو كلام الله ( الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) . ثم من السنة وهى اقوال النبئ صلى الله عليه وسلم وافعاله الكريمة التى بها ائتساء المسلم ، وعليها مدار سلوك المهديين من العلماء العاملين والائمة المجتهدين والاولياء الصالحين الذين باعوا انفسهم لله رب العالمين ، فقد تولدت عن هذه المعرفة خشية قال تعالى : انما يخشى الله من عباده العلماء ، وتولدت عن تلك المعرفة علوم كانت شغل الباحثين وعمل الدارسين وقصد الذاكرين والمتأملين . فتأسست ، من اجل استكشاف الحقائق وضبطها واستخراج الاحكام وتجديدها واستمداد الهدى الدينى والحكمة الالهية والمعانى المختلفة المشرقة والموجهة الى طريق الله ، آداب وفنون أذواق وفهوم وصناعات وعلوم تمايزت مع كثرتها على ضربين واختلفت الى نوعين من وسائل ومقاصد . وصنفت فى ذلك الالوف من المصنفات والتآليف تقوم على التحليل والتدقيق وتستخدم فى طرائقها ومناهجها التوجيه الشرعى العقل معبدة بذلك سبل المعرفة ، ومهيئة للفكر الاسلامى انبثاقه الكامل واشعاعه الساطع حتى لا يضعف ولا يريم . واتسعت بذلك المدارك ، وأذن الفكر الاسلامى بالتجرية ، وقام بها وتفتحت آفاقة فوسع المعارف الحضرية والآلية وشمل الفلسفات الهندية والهيلينية ، وخاطبه القرآن داعيا الى الجد ، مهيبا به الى استخدام العقل وتسخير كل ما يحيط به من عوالم واجراء وطاقات واكوان ، ممتنا عليه بتلك النعم الكثيرة فى قوله عز وجل " الم نروا أن الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الارض واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة . وقوله تعالى : وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر . والنجوم مسخرات بأمره ان فى ذلك لآيات لقوم يعقلون " .
وقد كان من آثار تلك العلوم الشرعية واللسانية والطبيعية والرياضية والحكمية والفلسفية نشوء الثقافة الاسلامية وتطورها على الوجه الذى عرفته الازمنة الزاهرة من تاريخ الحضارة الانسانية فى عهد الدولة العباسية ، وكان لها وما يزال الفضل فى توجيه العقل الانسانى والبلوغ به الى ما هو سائر نحوه من تقدم مطرد وذلك بالخطوات الثابتة الاولى التى كشفت له عن المنطلق والتى أمنت معه المزالق ، اذ كانت الثقافة الاسلامية فى طلبها للدنيا خاضعة للدين وفى بحثها عن الحق واخذها بآداب الشريعة غير معرضة عن الدنيا ولا منصرفة عما خول الله من خير وافاض على عباده من نعمة .
والى جانب تينك الدعامتين الاساسيتين للفكر الاسلامى اللتين دعوناهما العقيدة والمعرفة تقوم الدعامة الشامخة الثالثة الناطقة بروائعه والشاهدة بفضله والذاكرة لآياته والمذكرة بما قدمه للانسانية من خدمات وما طبع به ردحا من الزمن معالمها وآثارها من خصائص ومميزات كاشفة عن سماته . وما تلك الركيزة الفارعة والدعامة الثالثة غير الحضارة الاسلامية التى انارت شموسها الآفاق وجابت تياراتها الالهامية البلاد ، فعمت الربوع والاصقاع ومست الاجناس والالوان ودخلت تحت سلطانها الامة العربية باسرها والوحدات الثلاث الاخرى من العوالم الايرانية والطورانية والهندية . فكانت آداب وفنون ومعالم ومآثر وعادات وسلوك مع رقة مشرقية وفلسفات عمرانية واشراق ونور ، حيث لا اشراق ولا نور . تشهد لذلك نظم الحياة واسباب العيش والمؤسسات والاجهزة المتوفرة بحسب ذلك الزمان للحياة المدنية ، وما كان يحتاجه المرء بل وما يشرف به حتى اليوم بما تطورت أشكاله ونمت طاقاته واختلفت هياكله ، وان كان مرده الى أصل ثابت انكشف من قبل للفكر الاسلامى وانتسب منذ قرون للحضارة الاسلامية . وقد كتب فى التعريف لذلك القدامى والمحدثون من اهل الملة وغيرهم فلم يتركوا لقائل مقالا واغنوا بما ضبطوا وحرروا عن مواصلة الدرس والتنقيب عن اصول تلك الحضارة الشامخة التى قامت كما يقولون بدورها وادت للانسانية رسالتها ومضت فى الخالدات كغيرها من الحضارات . ونحن لانعود فى هذه الكلمات الى ذلك الماضى معجبين ولا متاسفين ، مفاخرين او مبهوتين ، ولا نقف عند حاضرنا هيابين ولا مشفقين ، قانعين ولا كلفين ، وانما يعنينا فى المحل الاول التذكير بكلمة ( grousset ) وهو يؤرخ لآسيا حين يقول : ولا بدع ان يعود الاسلام قوة عارمة وسلطانا قويا لاننا بتتبع مراحله واطوار منشآته ودوله قد لمسنا فيه طاقتين عجيبتين هما التجدد والخلود . ومن تكن له مثل تينك الخاصتين
لا يفنى ولا يبيد . ولعلنا بالرجوع الى دعائم الفكر الاسلامى الثلاث العقيدة والمعرفة والحضارة نتمكن من استجلاء تلك الطاقات فنفيد منها ونتايد بها ونتمكن بالجهاد الاكبر وما يتطلبه من بذل وحزم من تدارك الاوضاع وتحويل مجريات الامور الى ما فيه عز الاسلام والمسلمين وبعث القدرات والطاقات على مسايرة العالم الحاضر فى تقدمه الفكرى وسلطانه العلمى وتطوره الحضارى ، بما يكتب لهذا العالم المتخلص حديثا من التبعية والهوان من قوة ينهض بها وفكر يسدد خطاه وعقيدة توازن بين طاقاته وميوله ، مقاصده وشهواته ، فلا يضل بعد ذلك ولا يخزى .

