اثناء دراستنا للحياة الادبية بمدينة صفاقس خلال العهد الصنهاجى التقينا بالشاعر الفحل عبد الجبار ابن حمديس الصقلى (I) يعيش تحت سمائها ، ويصف بعض احداثها ، ويدافع عن سكانها ، ويترنم بمدائحه بين يدى ولاتها ، ويتغنى بأهازيج قلبه الفياضة احساسا وشعورا ، والناضحة بحب عميق لابناء صفاقس وعلى الاخص الذين ربطته بهم صلة رحم وقربى ، وما انفك يناجيهم ويستنشق اخبارهم قبل دخوله لصفاقس ايام طوحت به الغربة فى بلاد الاندلس .
لقد هاجر ابن حمديس مسقط رأسه مدينة " سرقوسة " الواقعة على الساحل الشرقى من جزيرة صقلية عام 471 ه 1078(2) م . وذلك حين ألم بوطنه خطب الاحتلال النرمانى ، وشاركه فى هذه الهجرة ثلاثة من ذويه وأهله تحدث عنهم فى قصائد من شعره منها قصيدتا رثاء ضمنهما احاسيس نفسه الفاضة ، ولواعج فؤاده المكلوم ، ومن خلال هاتين القصيدتين تعرفنا على أولئك الثلاثة الذين هم من اعضاء اسرته العربية الازدية وهم ايضا اول سبب يربط قلبه بحب مدينة صفاقس ، ويدفعه للحلول بها والحياة بين سكانها ، فاذا به يتألم لألمهم ويفرح لافراحهم .
أولئك الثلاثة هم عمته ، وابنها أبو الحسن وزوجته ، التى هى أخت عبد الجبار الشاعر وانجبت ابناء مثلما انجب عبد الجبار نفسه ابنا وجميعهم يعيش بصفاقس حسبما حدثنا عنهم واندمجوا فى اسر سكانها ، وغدت صفاقس الوطن الثانى لهم يشعرون نحوه بكل ما يشعر به كل فرد نحو وطنه من حب ، واعتزاز ، وفخر وتحنان
لقد رثى بالقصيدة الاولى عمته التى وصله نعيها وهو بالاندلس فاذا به حدثنا عنها ، وعما كانت تمتاز به من خصال حميدة ، وصفات كريمة ، وما كانت تكن له من حب وعطف ناهيك انه كان يفزع بنجواه اليها كلما ألمت به الاحداث أو ثارت بصدره لواعج الذكريات ، ويتسلى بما كان يصله من اخبارها :
وكنت اذا ما ضاق صدرى بحادث
فزعت بنجواه الى صدرها الرحب
وتذهب عنى هم نفسى كانها
شفت غلة الظمآن بالبارد العذب (3)
كانت رحمها الله كريمة اليد ، تقية ، ورعة ، عطوفة القلب ، تحنو على ابن أخيها الذى تترقب منه الزيارة ، كى تطمئن نفسها عليه ، وتتسلى برؤيته ومعرفة صحته على فراق والده الذى هو أخوها ، وتركته فى الوطن المنكوب ، شديد الحسرة عظيم المصاب :
كريمة تقوى فى صلاة تقيمها
وصوم يحط الجسم منه على الحدب
زكت فى فروع المكرمات فروعها
وانجبت الدنيا بآبائها النجب
وشاءت المقادير ان تفجعه فى هذه العمة وقدرت له ان لا يراها ولا يودعها ، ولم يحضر حفل مأتمها ، ولا موكب جنازتها ، فاذا به يفيض الدمع عليها ، والحسرة تملأ قلبه ، والحزن يعشش بصدره ، وكل جوارحه تترنم بالدعاء لها . سائلا لها الرحمة والمغفرة ولنفسه وذويه الصبر والسلوان:
ألم تأت أهل الشرق صرخة نائح
يفيض غروب الدمع من بلد الغرب
سقى الله قبرا ثائرا بصفاقس
سواجم يرضى الترب فيها عن السحب
فقد عمه الاعظام من قبر عمة
أنوح عليها بالنحيب الى النحب
بدمع يمد البحر فى السيف نحوه
اذا الحزن منه واصل السكب بالسكب
فيا ليتنى شاهدت نعشك اذ مشى
حواليه : لا أهلى حماة ولا صحبى
ودفنك بالايدى الغريبة والتقت
مع الموت فى اخفاء شخصك فى حدب
فابسط خدى فوق لحدك رحمة
وتسقى عليه الترب عيناى بالهدب
ثم يعزى فيها ابنها الذى هو صهره مناديه للصبر الذى يتأكد على كل انسان ان يتدرع به عند الخطوب ويلوذ به كلما نزلت به المصائب :
أبا الحسن الأيام تصرع بالفنى
وتعقب بالبلوى وتخدع بالحب
مصابك فيها من مصابى وجدته
وحزنك من حزنى وكربك من كربى
فصبرا فليس الصبر الا لصابر
على الدهر ، ان الدهر لم يخل من خطب
كذلك قدم لنا ابن حمديس عمته الورعة التقية ، وترجم عما يشعر به نحوها من حب وشوق فى بكاء حار ممزوج بالحرقة والحسرة والاسى ولم يعرفنا من اسم هذه العمة مثلما عرفنا باسم صهره الذى هو ابنها وسماه أبا الحسن ، وفى القصيدة الثانية زادنا معرفة به وبابنه عبد الرحمن لان هذه القصيدة رثى بها هذا الابن قبل دخوله الى صفاقس فيبدو انه مات بعد جدته عمة الشاعر :
انا يا ابن أختى لا أزال أخا أسى (4)
حتى اوسد فى الضريح وسادى
انى امرؤ مما طرقت مهيد (5)
بفراق أهلى ، وانتزاح بلادى
ويسمى الراحل ويترحم عليه :
يا " عابد الرحمان " حسبك رحمة
وفى لها بالعهد صوب عهاد
بحلاوة اسمك ، للمنون مرارة
طرحت بعذب الورد للوراد
ووالد الطفل عبد الرحمان ابن اخت الشاعر وحفيد عمته هو أبو الحسن على بن حسين بن أبى الدار الصقلى حدثنا عنه عبد الجبار بانه طبيب ماهر ( أبقراط دونه فى معرفة الامراض وادق منه فكرة حسية حكمية ) لكن اذا حضر الاجل يعجز الطب ، اذ كل ذلك مقرر فى الازل :
او لم يكن بقراط دون أبيك فى
داء يعادنه المريض عداد (6)
وادق منه فكرة حسبية
حكمية الاصدار والايراد
هلا شفى سقما ، فوقف برؤه
موتا ، تمشى منك فى الايراد
هيهات ! كان ممات نفسك مثبتا
بيد القضاء عليك فى الميلاد
كانت هذه أول منشأ لعلاقة ابن حمديس بمدينة صفاقس ويبدو من خلال عدة رسائل كان يجيب بها أبا الحسن صهره ان هذا الاخير لح عليه كثيرا فيها بزيارته فى صفاقس ، مما حببها اليه ووصفها بما صار يشعر به نحوها :
أتانى كتاب منك نمقت خطه
كما دبج الروض انسجام غمام
تناولته من كف مهد كانها
بردت بعذب الماء حر أوام
مشى فى ضميرى بالسرور كما مشى
صلاح شفاء فى فساد سقام
كأن كتابى باليمين اخذته
وقيل لى : ادخل جنة بسلام (7)
واخذ تحنانه يزداد لزيارة اهله الذين استوطنوا صفاقس ، وشوقه يتضاعف لدخول تونس التى كان يأمل فى امرائها نصرة قومه على اعدائهم الذين قهروهم وافقدوهم العزة والحرية وبعد ان عاش احداثا جساما ببلاد الاندلس تحول إلى المهدية عاصمة صنهاجة ، وصار بين الفينة والاخرى يحل بصفاقس ويبدو انه استقر بها جوار من له من اهل وتزوج من بعض بيوتاتها وانجب ابنا عبر عنه به " طائر قلبه " بوجوده ازدادت علاقته بوكره ومسقط رأسه مدينة صفاقس : (8)
فقل لا ناس عرسوا ( 9 ) بصفاقس
- لطائر قلبى - فى معرسكم وكر
وفرخ صغير لا نهوض لمثله
يراطن أشكالا ملاقطها صغر
اذا ما رأى فى الجو ظل محلق
ترنم واهتزت قوادمه العشر
يظن أباه . . واقعا . . فاذا أبى
وقوعا عليه شب فى قلبه الجمر
يلذ لعينى ان ترى عينه وان
يلف بنحرى فى التلاقى له نحر
فمن هو هذا " الفرخ الصغير " الذى لا يفسح عما بصدره من شوق لأبيه ويعبر عن فرحته وحبه له كلما لاقاه او سمع اسمه بحركاته الدائبة ؟ انى لا ارتاب بانه ابنه الصغير الذى لا نهوض لمن كان فى مثل سنه فيثب ويتحرك ولا كلام لمن كان فى مثل عمره فيراطن ؟ ولا أشك أيضا فى أن ابن حمديس تزوج بصفاقس بعد ان بكى طويلا على جاريته جوهرة كى يتسلى ويستقر وتهدأ نفسه الثائرة وهو فى شيخوخته ، ولذلك تراه لا ينسى هذا الابن فى حله وترحاله وبوجوده قرب اهله ازداد تعلقا بالمدينة التى كون بها وكره وصارت وطنه الثانى الذيىكلما حل به يزداد اعجابا وشغفا به :
احن الى اوطانكم وكأنها
ألاقى بها عصر الصبا سقى العصر
ولم أر أرضا مثل أرضكم التى
عطاء-على-كان من مده جزر
انه يحن الى صفاقس التى كان كلما حل بها وجاس خلال ديارها وتنزه فى بساتينها ، ذكرته بالمدينة التى قضى فيها عصر صباه وفتوته " سرقوسه " التى لم تمح ذكرياتها من نفسه ، لا لما يرى فى المدينتين( صفاقس وسرقوسه ) من تشابه فحسب ، بل لذلك ولما كان للشاعر من صلة قربى متينة فيهما جعلت علاقته بهما تتفاعل مع نفسه كلما فكر فى حاضره او فى امسه ، وان لم يتمكن من العودة لارض آبائه واجداده ، فله فى وطنه الثانى من يسليه وفى هذا الظرف نرى ابن حمديس يزداد تعلقه بحب صفاقس ، فاذا هو يتحدث عنها وعن سكانها حديث المعجب المفتخر احيانا واحيانا اخرى حديث المناضل المتحمس الذي هب للدفاع عن أهلها ايام ألمت بهم الخطوب . وحلت بهم المصائب . ففى ثلاث قصائد من غرر مدائحه يحدثنا عن حادثتين تاريخيتين هامتين فى حياة صفاقس وسكانها تعرض لاولاهما المؤرخون فى ايجاز واهملوا الثانية فاذا بابن حمديس ينفرد بتدوينها ! !
روى التجانى ( 10 ) وغيره ان الامير الصنهاجى يحيى بن تميم كان اولى على صفاقس ابنه - أبا الفتوح - فثار سكان صفاقس ضده ثورة عارمه نهبوا فيها نصره ، وأرادوا قتله فاذا بالامير يحيى يناصر ابنه . . ويزحف بجيوشه على المدينة فيشتت اهلها ، ويلحق اليتم باولادهم ، ويملأ السجون بشبانها ، الى ان شفى نفسه ، وترك فى كل منزل مأتما ، وفي كل قلب حسرة ، ثم عفا عنهم واولى عليهم ابنه الثانى عليا عام 508 ه .
وفى الظرف الذى نرى الشاعر أمية بن أبى الصلت الدالى يقف اثر هذه الحادثة بين يدى الامير يحيى مهنئا ومادحا بقصيدة ضمنها بان الحادثة كانت " واقعة حربية " قام بها أعداء الامير الذى بتغلبه فيها سيتغلب على كل الاعداء ويملك الغرب والشرق :
قضى الله ان يفنى عداك وان تبقى
وتخلد حتى تملك الغرب والشرقا (I I)
ويتم سكان صفاقس - الذين وصفهم بالاعداء - بتأجيج نار الفتنة ويحملهم مسؤولية ما حدث اذ قال :
ورب اناس اججوا نار فتنة
يجنبها الاتقى ، ويصلى بها الأشقى
نرى الشاعر ابن حمديس معاصر أمية يحدثنا فى قصيدتين مدح بهما الوالى الجديد الامير على بن يحيى عن سياسته العادلة ، وسيرته فى الرعية الحسنة ، حيث كان حليما عند المقدرة ، غايته نشر الامن فى البلاد ، وغرس المحبة فى لقلوب ، واعادة الثقة للنفوس فازدهرت البلاد واحيا الارض بعد موتها والنفوس بعد ياس اصحابها :
كأنما الارض تجلو من حدائقها
عرائسا فى ضروب الحلى والحلل
احيا الاله بها الترب الموات كما
احيا صفاقس - يحيى - بالهمام ( على )
كفؤ كفى الله فى الدهر الغشيم به
خطبا يخاطب منه السن العضل
اقرت فيها اناسا فى مواطنهم
لما تنادوا لتوديع ومرتحل
واثبت الله امنا فى قلوبهم
بعد التقلب فى الاحشاء من وجل
بيمن أكبر لاعاب يناط به
يمناه منشأ صوب العارض الهطل
قوم تسوس رعاياه رعايته
بالرفق والعدل لا بالجور والعذل
من يتبع القول من احسانه عملا
والقول يورق والاثمار للعمل
له رجاجة حلم عند قدرته
ارسى اذا طاش الاحلام من جيل (12)
وفى القصيدة الثانية يحدثنا عما شملهم به الامير على من عطف وصفح . ويصف ما حدث بصفاقس من تأثير لهذه السياسة الرشيدة وكيف عمت الافراح بكل بيت ، وانتشرت المسرات ، وغدا الناس كحجيج مكة يلهجون بالدعاء للذين احياهم ، وبدل احزانهم بافراح وجدد فى نفوس العزم والامل :
اخذت صفاقس منك عهد امان
ورددت اهليها الى الاوطان
اطلقت باتكرم الصريح سراحهم
فرعوا بقاع العز بعد هوان
وعطفت عطفة قادم اسيافه
غمدت على الجانبين فى الغفران
كم من مسئ تحت حكمك منهم
قلدته مننا من الاحسان
ومروع وقع الردى فى روعه
اطفأت جمرة جوفه بأمان
كان الزمان عدوهم فثنيته
وهو الصديق لهم بلا عدوان
يا يوم : ردهم الى اوطانهم
لرددت ارواحا الى ابدان
نزلت بك الافراح فى عرصاتهم
وبها يكون ترحل الاحزان
فلذ القلوب الى القلوب تراجعت
فى ملتقى الاباء بالولدان
والامهات على البنات عواطف
والمشفقات على اللدات حوان
سر القرابة بالقرابة منهم
وتأنس الجيران بالجيران
وتزوار الاحباب بعد قطيعة
دخلت بذكر الود فى النسيان
فى كل بيت نعمة ومسرة
شربوا سلافتها بلا كيزان
ودعاؤهم لك فى السماء محلق
حتى لضاق بعرضه الافقان
كحجيج مكة فى ارتفاع عجيجهم
وطوافهم بالبيت ذى الاركان
صيرت فى الدنيا حديثك فيهم
مثلا يمر باهل كل زمان ( 13 )
اى وصف اروع من هذا الوصف الذى صور لنا فيه ابن حمديس كل ما حدث بالبلاد تصويرا صادقا مفصلا ، كل صورة منه تنبض حياة ويتفاعل معها قارئها فاذا به يعيش فى جوها ، ويندفع به التفكير لاتمام الرواية التى قدمها له المؤرخون بتراء ، ثم يشعر بان الشاعر أمية بن أبى الصلت تحامل بعض التحامل - ان لم يكن كله - على سكان هذه المدينة الذين تجاوبوا مع الامير العادل وسبحوا بفضله وترنموا بمدحه على لسان الشاعر الذى استوطن بلادهم وصار منهم عبد الجبار بن حمديس .
مات الامير يحيى الصنهاجى وتولى امارة افريقية بعده ابنه الامير على الذى توفى عام 515 ه . وتولى بعده ابنه الامير الحسن ، وابن حمديس - فيما يبدو لنا - ما زال يعيش بصفاقس يشاهد بها ثورة جديدة دفعتهم اليها ضروررة الدفاع عن النفس ، ويتولى هو رئاسة وفد من سكانها يتحول به الى مدينة المهدية ويتزعم النطق باسمه بين يدى الامير الحسن مقدما له اعذار السكان ، ومتشفعا فيهم فاذا به يدافع عنهم باصدق لسان وافصحه مقسما بان الذود عن الكرامة هو الذى حفزهم وما خانوا ولا غدروا :
ان البلاد اذا ما الخوف امرضها
ففى امانك من امراضها نشر (14)
وما صفاقس الا بلدة بعثت
اليك عنها لساق الصدق يعتذر
واهلها اهل طوع لا ذنوب لهم
انى لاقسم ما خانوا وما غدروا
وانما دافعوا عن حتف انفسهم
اذ خذمتهم (15) به الهندية البر
ضرورة كان منهم ما به قرفوا
وبالضرورة عنهم يكف الضرر
وقد جرى فى الذى جاءوا به قدر
ولا مرد لما يجرى به القدر
وهم عبيدك فاصفح عن جميعهم
فالذنب عند كريم الذنب مغتفر (16)
بهذه الاحاسيس الفاضة عبر ابن حمديس فى قصائده الصفاقية عن حب عميق لبلد اوثققت الحياة علاقته به فاستوطنه مدة من حياته مع بعض اهله ، وسحا للتاريخ من اخباره فى شعره ما اهمله المؤرخون وحبذا لو وصلتنا اشعار غيره من ادباء صفاقس على عهده او الذين عاشوا بها فى هذه الفترة التاريخية المفعمة بالاحداث مثلما وصلتنا اشعار ابن حمديس رحمه الله وبرد ثراه .
