الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

علاقة جدلية، بين الاستعمار الاعلامي والاستعمار الثقافي

Share

سنحت لى فرصة طيبة ان اعيش مشاغل مجموعة عدم الانحياز - اذ كنت عضوا فى الوفد التونسى المشارك فى ندوة الاعلام للبلدان غير المنحاز المنعقدة بتونس خلال شهر مارس 76 - وتلمست عن كتب مجهودات هذه المجموعة للخروج من ربقة العبودية الاعلامية ، وهى احدى العبوديات الجديدة التى تفرض علينا - نحن البلدان النامية - بعد ان " تحررنا " من الاستعمار واحرزنا على " استقلالنا " .

فمن المدهش والغريب ان تنهار صروح الاستعمار بشكله الادارى والعسكرى ويتمكن الوطنيون من تسلم مقاليد الحكم في بلدانهم والتصرف في شؤون وتظل القضية هي هى .. فكأن جوهر المسالة الاستعمارية ما يزال قائم وها نحن نعيش حروبا تحريرية غير مسلحة . . اى فى ساحة الاعلام وعلى واجهة الثقافة وفي مجال اللغة . فما اشبه توصيات ( بندونغ ) للتغلب على الاستعمار العسكرى والاداري بتوصيات ( بلغراد ) او ( الجزائر ) للانتصار على الحضور الثقافي والفكرى الامبريالي . . . ونفس العزم موجود بندوة تونس الاعلامية وغدا نرى نفس المشاغل في ندوة ( كولمبو )

ومن حسن الحظ ان نجد نفس الاصرار على التحرر ، ونفس الوعى بان المسألة الاستعمارية لم تحل ، لان الاستعمار غير أشكاله ومارس حضور بأساليب أخرى ، فنحن مازلنا نلبسه فكريا وحضاريا . . . وهنا تكمن المعركة الحق ، هذه المعركة التى توازي جهادنا الاكبر للخروج من التخلف وتدعمه .

الاستعمار الاعلامي

كل ندوة تونس خصصت فى أغلبها لتحليل مظاهر الاستعمار الاعلامى ، وصدرت توصياتها منادية بالغاء الوساطة الاعلامية الغربية بين اجهزة الاعلام للبلدان النامية غير المنحازة ، واقرار تعاون اعلامي مباشر بينها . فقد تأكدت بلدان المجموعة ان الامكانيات العلمية الكبرى للبلدان القوية

واكتشافاتها اليومية فى ميدان الاتصالات الجماهيرية أصبحت تتحدى - طبيعيا - تواضع مستوى هذه البلدان وقلة بحثها وضيق آفاقها . ولذلك أصبحت جل أجهزة الاعلام فى المجموعة مرتبطة ارتباطا وثيقا ، ووظيفية بأجهزة الاعلام فى البلدان القوية - شرقا وغربا - ونلاحظ ذلك بوضوح فى المجالات التالية :

- وكالات الانباء التى ترتبط اغلبها بوكالات " عالمية " أى غربية لضمان بثها ، وضمان تلقيها ، مما يجعلها تحت مراقبة هذه الوكالات وتوجيهها السياسي .

- الاذاعات والتلفزات التى تفتقر للبرامج وتضطر لتوريد ما تمنحه أجهزة الاعلام الاستعمارية من برامج ظاهرها المغامرات البريئة او المعلومات الموضوعية وباطنها المسخ والتشويه والتبشير .

- الصحافة المكتوبة التى تلجأ الى التغطيات الاجنبية والقصاصات ومصادر " الفيتشر " نظرا لتواضع امكانياتها المادية واطاراتها البشرية ، فمثلا لا تستطيع هذه الصحافة ان تجعل لها مراسلين على عين الاحداث ولا تستطيع توفير دراسات وتحاليل عن هذه الاحداث مما يجعلها تستند بمادة محررة جاهزة لنشرها على قرائها .

هذه بعض الاسئلة نسوقها للتدليل ، لا للحصر ، ونقول ان بعض التجارب قامت بها مجموعة عدم الانحياز لتحرير اعلامها ونجحت نجاحا طيبا ومشجعا منها وكالة ( بول ) التى أصبحت تعوض بعض الوكالات الغربية القوية فى القيام بدور الوساطة بين الوكالات القومية .

الاستعمار الثقافي

تفظن المشاركون فى ندوة تونس الاعلامية منذ الاول انه لا يمكن الحديث عن الاستعمار الاعلامى دون تحليل مظاهر الاستعمار الثقافي ، ولذلك فكونت لجنة - من لجان ثلاث - للعناية بموضوع العمل الثقافي المشترك بين بلدان عدم الانحياز ، وتبين أن مشاغل البلدان تتشابه الى حد بعيد حتى انك تسمع نفس التحليل من مندوبى الزايير وتونس والجزائر وكوبا وسري لنكا ومصر وغيرها من البلدان ، مما لا يدع مجالا للشك ان التحرر الاعلامى أي السياسى يمر عبر التحرر الثقافي ، والغاء الازدواجيات واستكمال الهوية الوطنية أى فرض الذات ومجابهة التحديات . وتناقش أعضاء اللجنة طويلا عن الجدلية الحتمية بين الانغيار الاعلامي والمسخ الثقافي للشعوب ، واتفقت الآراء على دعم وسائل الاتصال الجماهيرية وترقية اللغات الاصلية للامم وصيانة تراثها من التلف والنهب ( وقد اشار بعض المشاركين

الى ان متاحف العواصم الغربية تزخر بتحف وآثار الشعوب النامية ، كما اشار مندوب الزايير الى تجربة بلاده التى تجرأت على اعادة النظر جذريا فى ثقافتها وأصلها الفكرى ، مما حدا بشعب الزابير الى القيام بثورة ثقافية حضارية حقيقية غيرت الوضع الاستعمارى باقرار شخصية هذه الامة . فتبدلت حتى الاسماء ، من ألقاب مسيحية مستوردة الى ألقاب مستمدة من تاريخ وكيان وضمير الزايير ( والعلاقة - اذن - بين الاستعمار الاعلامي والاستعمار الثقافي علاقة جدلية وثيقة ، تبدأ بمحاولة مسخ الشعوب وتحويلها عن اتجاهها القويم باستعمال عدة وسائل أهمها :

- القضاء على اللغة ، اداة الحضارة للشعوب - تجزئة الشعوب الى طبقات لغوية ، باحداث قطيعة بين الفئات على مستوى اللغة ، أى ان هناك طبقة تتلقى تعلمها بلغة أجنبية " متمدنة " تنعزل شيئا فشيئا عن بقية الطبقات الشعبية التى تتكلم لغتها الاصلية ، وتتحول هذه الطبقات اللغوية ، الى طبقات فكرية ، ثم اجتماعية فسياسية ، ترتبط مصالحها بمصالح أصحاب اللغة الاجنبية .

- استعمال الوسائل الاعلامية الجبارة لزرع الشك فى مقومات الشخصية الاصلية للامة ، وتقديم نماذج فكرية وأنماط سلوكية تتغلغل بوسائل الدعاية الخفية ، ومن ذلك نجاح هذه الاجهزة الاستعمارية فى تقنين اذهان الشباب فى البلدان النامية على انماط من البطولة " الفوق انسانية " لنماذج ثقافية وسياسية تتمثل في ( جامس بوند ) و ( أو س س 17 ) وغيرهما وطبعا ، ليس من باب ( التعاون ) ولا حتى الحفاظ على اللغة الفرنسية ان نرى الحكومة الفرنسية تخصص مبلغ 28 مليارا و 300 مليون فرنك لوكالة التعاون التى تضم 25 بلدا " فرنكو فونيا " هذه فرنسا التى تشكو هى نفسها مما سماه المفكر وفقيه اللغة ( ايتيانبل ) الاستعمار الثقافى الامريكى عن طريق الفرنفليزية .

هذه بعض الخواطر التى خامرتني ، وأنا أحضر باعتزاز أعمال ندوة الاعلام للبلدان غير المنحازة ، هذه الندوة التى عمقت دراساتها وتحليلاتها للكشف عنصرين من عناصر الاستعمار الجديد فى مجالى الاعلام والثقافة وعلينا نحن العرب ان نتفكر أكثر من سوانا من هذين العنصرين ، خاصة ونحن نطرق أبواب المستقبل ، خاصة وأن لغتنا العربية تعاني أكثر من سواها من اللغات ، تحديات وتناقضات ومساومات ذلك الاستعمار ، لمعرفة الاستعمار ويقينه من أنها لغة قوية ديناميكيا ، حمالة للحضارة واليقظة والاصرار .

اشترك في نشرتنا البريدية