الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

علبة السردين

Share

أخرجتها من السلة فى حركة عصبية ثم أزلت عنها الغطاء الأبيض الشفاف ووضعتها على الطاولة بعنف فانزلقت وأحدثت صوتا تعودت عليه أذناك كانت صغيرة كعلب السجائر وكانت متعددة الألوان فيها الأحمر والأزرق والأخضر والبرتقالى والأبيض والأصفر . . ذات شكل مستطيل يذكرك بشكل المقالم الخشبية القديمة إلا أنها خالية من الزوايا فجوانبها تنتهى عند الحواشي بمنعطفات متساوية . قربتها منك وقلبتها ثم اعدتها إلى الطاولة . . كان اللون الازرق طاغيا على الألوان الأخرى فى الصفحة الفوقانية أما حوانب العلبة فكانت حمراء اللون وقد رسمت عليها أشكال هندسية : دوائر وانصاف دوائر ومثلثات ومربعات ومستطيلات . كانت تتخلل هذه الزرقة حروف تتفاوت حجومها وتختلف أشكالها وكانت هذه الحروف تكون كلمات وكانت هذه الكلمات تكون جملا سردينة بالطماطم وفوقها وعلى اليمين كتب بخط رمادى الشركة التونسية المصبرات خليج الحمامات وتحتها بقليل وعلى اليمين معامل الحمامات بتونس.

بين هذه الجمل وفي وسط الصفحة تماما رسم بحر . . كان هادنا . . ٢وكان أزرق . . و كانت قوارب حمراء وخضراء ذات أشرعة بيضاء عالية تنزلق على سطحه الأملس وبعيدا عند الأفق حيث يلتحم الماء بالأرض تحلق طيور بحرية بيضاء . . حدقت فى العلبة حتى ذابت كل المراكب في عينيك وظهر لك أنها تماصت فى الماء فلم تعد ترى منها إلا أعالي أشرعتها البيضاء . . تذكر مليا أنك احببت الماء والزبد والطيور البحرية وما أقسى ان يحب الانسان الماء والزبد والطيور البحرية وتذكر مليا انه فى قرية صغيرة على الساحل كانت تخرج الجرائب عند الفجر محملة بالسلال والحبال والشباك فيتبعها الاطفال والكلاب والسيوح وعندما تتوغل فى البحر وتستحيل الرؤية يعود الكل الى بيوتهم البطوبية وعند المساء يزدحم الشاطئ بالمستقبلين فينتظرون وينتظرون ولكن المراكب لا تأتي وعند الفجر يعثر الأطفال على حبال وألواح وسلال فيكون في صمت وفى اليوم الموالى تعود المراكب الى البحر . . . امتدت بدك في حركة عفوية إلى العلبة أوقفتها فتبينت على صفحتها التحتانية عددا . قلت : الى أن

شئ يرمز هذا العدد ؟ أجبت فى قلق : قد يكون رقمها . تساءلت من جديد : لكن ما الجدوى من كتابته هنا ؟ وفي أعلى الصفحة صورة لمعمل . كان عاليا وكان شكله يشبه شكل السجون كانت نوافذه ضيقة كأنها كوات . . كان أبيض . . تساءلت كيف يكون المعمل أبيض اللون ؟ وألح عليك السؤال فشعرت بضيق وضحت دماؤك وتخيلت العلبة وهى تخلق وسط العرق واللهاث العلبة بأصبعك فسقطت على الطاولة وعادت الى الشكل الذى كانت عليه قبل أن ترفعها . . قمت من الكرسي وأخذت تبحث عن سكين ثم فتحتها كانت السمكات متراصة ملتحمة كأنها تخاف أن يفر بعضها عن بعض وفوقها يوجد زيت أحمر اللون طفت فوقه بعض القشرات . .

عندما كانت الحافلة تجتاز ساحة باستور صاحت امرأة وهي تلتفت الى شاب واقف وراءها : - ألا تكف أنت عن تحريك يدك ورائى . . ارفع يدك ! حدق فيها هو ولم يتكلم وتمتم من حوله رجل : - قحاب فالتفتت هى وقالت بحقد - قلة تربية فضحك الناس وضجوا فصاحت وكان صوتها عذبا رقيقا - يا بوليس يا بوليس ولم يكن ثمة بوليس

أخذت الشوكة ومسحتها من بقايا غبار علق بها منذ مدة ولما تيقنت من أنها لم تنظف كما ينبغى أسرعت الى المطبخ وغسلتها ثم مسحتها من جديد . ادخلتها فى العلبة . . وضعتها على سمكة توجد فى الوسط ثم مررتها عليها فى حذر خوفا من أن تفتتها فأنت حريص على أن تخرجها من العلبة دون ان تسي اليها تريد سمكة كاملة . . رفعت الشوكة فأبعدت السمكات التى كانت تحيط بها ثم أدخلت الشوكة تحت السمكة ورفعتها ثم وضعتها فى الصحن . . عندئذ ابتسمت . . كانت كاملة كما أردتها أن تكون . . كانت ممدودة وسط الصحن وعلى يمينها قطرات من زيت أحمر . . كانت بلا رأس . . كانلت صغيرة وقلت

ما أجملها . تمنيت لو كانت حية لها رأس ولها فم وأسنان ولها عينان كعيني حبيبتك فأنت مولع بعيون السمك الصغير وتخيلتها وهي تتلوى فى الماء فاتحة فمها تبحث عن الطعم وتجتهد فى بحثها لأن السمك كثير فى البحر وهي صغيرة تخاف أن تستبد عليها سمكة أخرى فتفتك منها الطعم وتنزل  الى الأعماق وتبقى السمكة الصغيرة فى أعالى البحر لا تجد طعما ولا تفتك طعما هذه السمكة قد تكون أححبت سمكة أخرى مثلما تحب أنت ليلى قد تكون بكت عشقا ووجدا قد تكون سهرت ليالي تفكر في عشيقها قلت ما أحمل السمك عندما يعشق يا رجلا عذبته إمراة وتمنيت لو كنت سمكة عاشقة قلت : سأتحصل على مكاسب عظيمة سأصارح ليلى بحبى لها سأطوقها يبدى تحت الماء سأنكحها على سنة الله ورسوله وعندما تنجب لى ابنا سأحمله على ظهرى وأعلمه كيف يحب السمك وكيف يتمنى أن يكون سمكا يخرج للصيد ويعشق

يولد السمك ويكبر السمك ويرحل السمك وينزل إلى الأعماق ويعشق ويحزن ويترجرج ماء البحر ويخضر ويزرق ويكون السمك هادنا بتلوي بين الحشائش يبحث عن الطعم . . ويهيج البحر ويزيد ويكون رجل من أحد خلجان الأرض ذو لحية بيضاء ووجه نحاسى قد يئس من البحر لأنه فتح الأشرعة للرياح ولأن البحر مغامرة ولأن السمك عند في الرحا كما يبكى الأطفال عند الفجر ويرحل عن خليجه

وضعت الشوكة على السمكة ثم غرزتها فيها ، جررتها الى السار ولما ابتعدت عن قطرات الزيت الأحمر أوقفتها على جانبها اليميني وضغطت على الشوكة براحة يدك اليمنى فانشطت السمكة كان الشطران متساويين . ازلت العمود الفقى وألقيت به فى سلة ثم أخرجت سمكة ثانية وثالية ورابعة وخامسة . . كنت حريصا أثناء ذلك على ألا تفتتها .

وعندما شرعت فى الأكل وتحرك فكاك شعرت أن السمك ينزلق بين اسناتك: وأن ماء البحر المحمل بالأملاح يملأ فمك

اشترك في نشرتنا البريدية